الموتى الذين كنّاهم
(1)
قلتُ لظلي الذي يسبقني تارةً ويتعثرُ خلفي تارةً أخرى:
"إلى أين نحن ذاهبون؟"
فأجابني بصمتٍ بليغ:
"نحنُ لا نذهبُ إلى مكان، نحنُ نبتعدُ فقط عن أنفسنا القديمة."
أيها الظلّ،
كلُّ محطةٍ نمرُّ بها هي مقبرةٌ لنسخةٍ منا.
في المحطة الأولى، تركتُ طفولتي تلعبُ بطائرةٍ ورقيةٍ فوق حقلِ ألغام.
في الثانية، تركتُ مراهقتي تكتبُ رسائلَ حبٍّ لامرأةٍ من ضباب.
في الثالثة، ذبحتُ قلقي وأطعمته للغربان،
وها أنا الآن، في منتصفِ الرحلة،
عريانٌ إلا من دهشتي،
وغريبٌ كفكرةٍ لم تجد من يكتبها.
(2)
قلتُ لظلي:
"وهل سنصلُ يومًا إلى أنفسنا؟"
فأجابني وهو يطيلُ قامته على الإسفلت:
"ربما، لكنّك لن تجدَ هناك أحدًا ينتظرك."
تأملتُ وجهه طويلًا،
كان يشبهني أكثر مما ينبغي،
وكان يملكُ من ملامحي ما يكفي ليكون غريبًا عني.
أيها الظلّ،
أخبرني، كم وجهًا ينبغي أن أفقد
حتى أتعرفَ إلى وجهي الحقيقي؟
وكم بابًا عليّ أن أطرقه
قبل أن أفهم أنني كنتُ طوال العمر
أقفُ خلف الباب؟
في المحطة الرابعة،
تركتُ أحلامي على مقعدٍ خشبيّ،
كانت متعبةً من انتظاري،
وفي الخامسة،
دفنتُ أسماء الذين أحببتهم
تحت شجرةٍ لا تعرفُ الخريف.
أما المحطة الأخيرة،
فلم تكن سوى مرآةٍ كبيرة،
وقفتُ أمامها طويلًا،
فلم أرَ طفلًا،
ولا عاشقًا،
ولا رجلًا نجا من حروبه،
رأيتُ مسافرًا يحملُ حقيبةً فارغة،
ويبحثُ عن عنوانٍ لا وجود له.
عندها سألتُ ظلي للمرة الأخيرة:
"إذن، ما الذي تبقّى منا؟"
فانحنى نحوي،
وهمس بصوتٍ يشبه صوتي حين أبكي:
"تبقّى هذا السؤال...
وبعضُ الطريق،
والقدرةُ العجيبةُ على البدء،
حتى بعد أن نفقدَ كلَّ الأسباب."
ومضينا...
لم يكن أمامنا طريق،
ولم يكن خلفنا ماضٍ،
كان الليلُ يمشي بجانبنا،
وكان الفجرُ يتأخرُ كأنه يخشى لقاءنا.
توقّف ظلّي،
ومضى وحده.
للمرة الأولى،
لم أتبعه...
