الجمعة ٣٠ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

ظلٌّ يفكّر

(1)

على عتبة الغيم تنام الريح،

تجر خلفها ثوباً من الذاكرة المبللة.

في الحجرة الضيقة،

صمت الكراسي يتقاطع مع تنهيدة الجدار،

والعتمة تنسل بهدوء لتعقد قِراناً بين الظل وشظايا النور.

الساعات تتساقط كأوراق توت خريفية،

من طرف اللسان تتدلى الكلمات ثقيلة كأجراس عمياء،

تبحث عن معنى يبرر هذا العبور الخاطف

نحو الضفة الأخرى.

أنا الممتدّ على رف الانتظار،

أرتب وجهي القديم،

وأمحو بالرغبة آثار الخطى العابرة.

طوعاً تتكسر المرايا على شفتي،

فيتشظى الفراغ ألف سماء صغيرة،

كل سماء فيها غيمة واحدة،

وكل غيمة تبكي شمسها الضائعة في لُجّة الأفق.

لا شيء سوى الأثاث العتيق يعيد صياغة الحكاية،

وسوى خطوات الريح

وهي تعزف على سياج الروح

لحن النهاية الأولى.

(2)

تحت وطأة الذهول تتلاشى المسافات،

الجهات تفرغ من احتمالاتها،

والبوصلة تتكسر في يد المسافر،

يبدأ الصمت بتدوين سيرة أخرى للضوء.

أمشي، لا كي أصل،

بل لأترك للأرض ذاكرة قدمي،

وللريح شبهة وجهي حين كان يصدق الجهات.

النافذة التي نسيتها مفتوحة،

تنفسَت الآن غباراً يشبهني،

وعلى أطرافها تعلق بقايا مواسم لم تُزهِر إلا في الخيال.

هناك، في الزاوية التي لا تراها العين،

ينمو ظلي ببطء،

أسمع ارتطام الأزمنة ببعضها، كأكواب زجاجية في يد ثَمِلة،

وأرى وجوهاً تخرج من وجهي لتجرب حياة أقل وطأة.

هل كنت أنا؟ أم مجرد خطأ في ترتيب الضوء؟

أسير نحو مرآة أخرى،

علماً أنها لا تعكسني،

بل تفتح في صدري ممراً يمر منه الغياب هادئاً كأنه لم يكن.

الخطوات التي تركتها خلفي تتقدمُني الآن،

ترشدني إلى هاوية أعرفها ولا أتذكر كيف سقطت فيها أول مرة.

كل شيء يتكرر، لكن بوجوه أكثر تعباً،

بأسماء تمحى قبل أن تنادى،

وبأحلام تنام واقفة كجنود نسيهم القائد في منتصف المعركة.

وأنا أجر ظلي كحقيبة قديمة،

ممتلئة بأصوات لم أعد أملكها،

أحاول معرفة كيف أكون أقل حضوراً في عالم يزدحم بي.

في النهاية التي لا تشبه خاتمة،

أكتشف أن الأفق لم يكن بعيداً كما ظننت،

بل كان معلقاً داخلي،

ينتظر فقط أن أنكسر بما يكفي كي أراه.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى