الاثنين ٢ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

القراءة والتأثر بين السلب والإيجاب

ربما تتجاوز القراءة ما يُظن أنها عليه من فعل بريء، فهي تتخطى مجرد العبور العابر فوق الكلمات، لتغدو عملية تداخل عميق بين ذات القارئ وما يُلقى إليه من أفكار وصور ورؤى. إنها عملية تنمية داخلية متدرجة للوعي، قد ترتقي بالإنسان إلى أفق أبعد، أو تُثقله بما لا يُحسن حمله. وبين هذين الحدّين، يبرز التأثر، لا بوصفه نتيجة مباشرة، بل كحالة مركّبة من التفاعل والاختزان والتحوّل.

ومن أجل أن تصبح القراءة جزءا فاعلا من حياة الإنسان، ينبغي أن تتحول من ممارسة عارضة إلى عادة يومية تستند إلى وعي وغاية. فالأمر يتجاوز اقتناء الكتب أو تصفح صفحاتها، ليصل إلى ضبط الصلة مع الوقت والمعرفة، وتحديد الدوافع التي تجعل القراءة حاجة مستمرة.

وفي هذا السياق يشير الكاتب عبد الكريم بكار إلى أن: «لا ريب أن جعل القراءة إحدى مفردات أعمالنا اليومية، لن يكون يسيرا؛ حيث يقتضي تغييرا جوهريا في سلوكاتنا وعاداتنا، كما يتطلب توفير المال والوقت، وقبل ذلك الأهداف والدوافع»([1]).

وهذا يعني أن القراءة الجادة تنطلق من الكتاب، وتتطلب استعداد القارئ لتغيير نمط حياته، وإدراكه أن المعرفة ضرورة تتصل ببناء الشخصية وتطوير الوعي، وتمثل ركيزة أساسية في تكوين الإنسان.

من الوجهة الإيجابية، تُعدّ القراءة واحدة من أعظم الوسائل التي تنتشل الذهن من حالة الفراغ إلى حالة الامتلاء الواعي. فالعقل الذي يبتعد عن القراءة يظل معلقا في منطقة خاملة، يدور في فضاء محدود من الأفكار، بينما تفتح القراءة أمامه نوافذ متعددة، تجعله يتنفس عوالم مختلفة، ويعيد النظر في ذاته وفي العالم. إنها تتجاوز إضافة المعلومات إلى تهذيب البنية الفكرية، وصياغة الحس، وتوسيع مدارك الإدراك.

غير أن بلوغ هذه الغاية يتطلب من القارئ امتلاك مهارات تمكّنه من اختيار ما يستحق وقته واهتمامه؛ فالكتب تتفاوت في قيمتها، كما أن كثرة القراءة ترتبط بمدى جودتها وحسن توجيهها. ومن هنا تبرز أهمية القراءة الاستكشافية أو التصفحية بوصفها خطوة أولى تساعد القارئ على تكوين تصور عن الكتاب قبل التعمق فيه، وتجنّبه استنزاف وقته في مؤلفات محدودة الإضافة إلى تجربته. وفي هذا المعنى يقول عبد الكريم بكار مؤكدا أهمية هذا النوع من القراءة: «إن إهمال القراءة الاستكشافية أو التصفحية، قد أدى بأعداد لا تحصى من البشر إلى أن يشتروا كتبا لا تستحق القراءة، لأنها لا تساوي ثمن المداد الذي كتبت به»([2]).

فالقراءة الواعية تقوم على استهلاك معرفي انتقائي، يستند إلى حسن الاختيار، والتمييز بين ما يثري العقل وما يراكم المعلومات دون جدوى.

لكن هذا الأثر الإيجابي قد يتخذ صورا خفية ومتدرجة؛ فالقراءة تعمل في أعماق الذاكرة، تُراكم وتُخزّن، وتعيد الظهور في لحظات غير متوقعة. وهنا يبدأ الوجه الآخر، حيث يتحول التأثر إلى حالة ملتبسة. فقد نجد شاعرا يكتب صورة شعرية تبدو قريبة من صورة قرأها في زمن بعيد، أو ربما في وقت قريب، دون أن يستحضر مصدر ذلك التشابه. وهذا التقارب قد ينشأ عن رسوخ الأثر في الذاكرة، حيث تختلط الذاكرة بالإبداع، وتتداخل الحدود بين ما هو مكتسب وما هو مبتكر.

إن الذهن البشري يتعامل مع الأفكار بوصفها مادة قابلة للتحويل والتطوير، فيعيد صياغتها باستمرار. وقد يبتعد الكاتب عن النص الأصلي إلى حدٍّ يصبح معه التشابه خفيا، لكنه يظل قائما في العمق، في النبرة أو في طريقة النظر إلى الأشياء. وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«الذاكرة الضمنية»، حيث تترسّب الأفكار في اللاوعي، وتُعاد صياغتها لاحقا دون استحضار واعٍ لمصادرها.

ومن هنا، قد يواجه المبدع نقدا يتهمه بالتقليد أو التأثر المفرط، بينما تتسم الحقيقة بمزيد من التعقيد. فالتشابه قد يكون وليد الذاكرة والتراكم المعرفي، والتأثر قد يمثل مرحلة من مراحل التكوين الإبداعي. بل إن القراءة الواسعة قد تمنح الكاتب قدرة أكبر على الابتعاد عن النماذج التي اطلع عليها، لأن تعدد المصادر يخلق توازنا داخليا يحرر الذهن من الانغلاق على نموذج واحد.

ومع ذلك، فإن للقراءة جانبا سلبيا حين تتحول إلى تبنٍّ غير نقدي للأفكار. فقد يقرأ الإنسان رأيا غير موفق، فيُعجب به أو ينسجم معه، ثم يتبناه دون تمحيص، ليصبح جزءا من منظومته الفكرية. وهنا تكمن خطورة القراءة غير الواعية، التي تضعف قدرة القارئ على التمييز بين ما يستحق الاحتفاظ به وما ينبغي تجاوزه. فالقراءة، في هذه الحالة، تدفع الذهن إلى الانضواء ضمن قوالب جاهزة، قد تنشأ عن قصور في التفكير أو استعجال في إصدار الأحكام.

ولا يتوقف أثر القراءة عند حدود المعرفة وتراكم الأفكار، بل يمتد إلى تهذيب السلوك وتوجيه الانفعالات، إذ إن ما يكتسبه الإنسان من معرفة ينبغي أن ينعكس على طريقة تفكيره وتعاطيه مع الآخرين ومواقفه من الحياة.

فالقراءة التي تثمر في الوعي والسلوك تتحول إلى تجربة إنسانية مكتملة، تتجاوز حدود المعرفة النظرية إلى الممارسة اليومية. وفي هذا السياق يوضح الكاتب منير لطفي جانبا جوهريا من أثر القراءة بقوله: «في تهذيب الشعور وضبط العاطفة وعقلنة التفكير، وهو ما ينتج سلوكا قويما يعود على صاحبه ومجتمعه بالنفع والفائدة»([3]).

وتكشف هذه الإشارة عن أحد أهم الأدوار التي تنهض بها القراءة؛ فهي تتجاوز تنمية الجانب المعرفي إلى الإسهام في بناء التوازن النفسي والأخلاقي معا، وتمنح الإنسان قدرة أكبر على فهم مشاعره وضبط ردود أفعاله، بما يعزز اتزانه في محيطه الاجتماعي، ويسهم في الارتقاء بمستوى الوعي والتنوير داخل المجتمع.

وهذا يقودنا إلى نقطة محورية: تتحدد قيمة القراءة من خلال الكيفية التي يمارسها بها القارئ. فالقارئ الفاعل هو من يحاور النص، ويستسلم لأسئلته بقدر ما يختبر أفكاره؛ من يشكّك ويقارن ويعيد بناء المعنى، ويكتفي بالتلقي في حدود الفهم الأولي. فالقراءة الحقيقية فعل نقدي يسبق الاستقبال ويتجاوزه، وهي التي تمنح الذهن قدرة على التمييز، وتجعله أكثر وعيا بما يستوعبه من معارف.

وفي هذا السياق تبرز القراءة التحليلية بوصفها مستوى متقدما من التعامل مع النصوص، لأنها تتجاوز الفهم الأولي إلى تفكيك الأفكار وبحث العلاقات الكامنة بينها، ومناقشة الحجج ومساءلة النتائج. وهي قراءة تستدعي حضور العقل بكل طاقته، فلا يكتفي القارئ بمعرفة ما يقوله الكاتب، بل يحاول فهم الكيفية التي بنى بها أفكاره والأسباب التي دفعته إلى تبنيها. وقد ذهب بعض الكاتبين إلى اعتبارها من أعمق مستويات القراءة وأكثرها فاعلية، إذ يصف الكاتب عبد اللطيف الصوفي هذه الأهمية بقوله: «القراءة التحليلية، هي قراءة كاملة للنص، بل هي قراءة جيدة بأفضل سبيل، لذلك، على القارئ في مثل هذه القراءة، أن يسأل كثيرا، وأن ينظم أسئلته حول ما يقرأ»([4]).

ومن هنا تصبح الأسئلة أداة أساسية في القراءة، لأنها تفتح النص على احتمالات متعددة، وتدفع القارئ إلى اختبار ما يرد فيه، وتتيح له تكوين موقف مستقل يستند إلى الفهم والمقارنة والاستنتاج.

كما أن التأثر، في صورته الناضجة، يمثل مرحلة من مراحل التكوين. فكل كاتب، في بداياته، يمر عبر بوابات الآخرين، ويتعلم من أصواتهم قبل أن يعثر على صوته الخاص. غير أن الفرق يكمن في القدرة على التحول: هل يبقى أسيرا لما قرأ، أم يتجاوزه ليخلق مساحته الخاصة؟ إن الأصالة تعني القدرة على استيعاب تجارب الآخرين وإعادة إنتاجها ضمن رؤية مستقلة، تحمل ملامح صاحبها وتحتفظ بخصوصيتها، مع الإفادة من منجزات من سبقه.

وتتجلى القراءة بوصفها سلاحا ذا حدين؛ فهي قادرة على بناء وعي عميق، وتحرير الفكر من ضيق التجربة الشخصية، كما يمكن أن تُثقل الذهن بتراكمات غير مهضومة، أو توجهه نحو تبنّي أفكار بعيدة عن قناعاته وتكوينه. وبين هذا وذاك، يبقى القارئ هو العنصر الحاسم، لأنه يحدد كيفية تعامله مع ما يقرأ، ويختار المسار الذي يحوّل المعرفة إلى وعي، والتأثر إلى إبداع، والاختلاف إلى مساحة للتفكير.

كما يمكن القول إن أهمية القراءة تتجلى في ما تضيفه وما تحرّكه داخل الإنسان. إنها تملأ الفراغ وتعيد تعريفه، وتمنح الإجابات وتفتح الأسئلة. وفي هذا التوتر بين التأثر والاستقلال، وبين الامتلاء والنقد، يتبلور الوعي الحقيقي، الذي يقرأ ويدرك كيف يقرأ، ولماذا يقرأ، ومتى يختلف مع ما يقرأ. فالقراءة تقاس بما تتركه صفحات الكتب من أثر في عقولنا وسلوكنا، وبمقدار ما تمنحنا من قدرة على فهم أنفسنا والعالم من حولنا.

[1]) القراءة المثمرة. مفاهيم وآليات، دار القلم، دمشق، د. عبد الكريم بكار، ص: 16.

[2]) القراءة المثمرة. مفاهيم وآليات، دار القلم، دمشق، المؤلف: د. عبد الكريم بكار، ص: 38.

[3]) مفاتيح القراءة، منير لطفي، دار اليقين للنشر والتوزيع، مصر، ص: 48.

[4]) فن القراءة: أهميتها، مستوياتها، مهاراتها، أنواعها، عبد اللطيف الصوفي، دار الفكر، دمشق، ص 161–162.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى