موسم قطف الزيتون في فلسطين
موسم قطف الزيتون في فلسطين.. من فرح الحصاد إلى قهر وبؤس
كان موسم قطف الزيتون، في شهر تشرين الثاني من كل عام، لدى فلسطينيي الداخل وفي الضفة الغربية، فسحةً للفرح، تتجدّد فيها طقوس جميلة توارثتها الأجيال، على الرغم ممّا يرافق عملية القطف وجني المحصول من مشقّة وتعب. ففي هذا الموسم، كان أفراد العائلة يلتقون، ويتعاضد الأقارب والجيران، وتختلط رائحة الأرض بفرحة جني ثمار الزيتون في مشهد يجسّد علاقة الفلاح الفلسطيني بأرضه وارتباطه بها.
ففي عقود ماضية، كان طلاب المدارس في بعض بلدات وقرى الداخل الفلسطيني، مثل قرى الشاغور، على سبيل المثال، يتغيّبون عن المدارس لبضعة أيام لمساعدة عائلاتهم في قطف الزيتون. أما في الضفة الغربية، فكانت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية تمنح المدارس التابعة لها عطلة رسمية خلال هذا الموسم، نظرًا إلى أهميته الاقتصادية والاجتماعية الكبرى.
وعلى الصعيد الشخصي، لن أنسى شعوري بالفرح والسعادة حين كنت أشارك في فعاليات "أسبوع الزيت والزيتون" التي كانت تنظمها مدارس الناصرة والبلدات المجاورة لها، مثل عين ماهل وكفر كنّا. فبحكم عملي موجّهةً لأساليب التعليم البديلة، كنت أزور المدارس في هذه البلدات، وأشارك في يوم القمة لفعاليات الأسبوع، بعد أن تكون المدارس قد نظّمت، على مدار أسبوع كامل، فعاليات متعددة ومتنوعة.
كانت هذه الفعاليات تتضمن أنشطة تراثية، مثل إعداد مأكولات يدخل زيت الزيتون في مكوّناتها، كالمجدرة والمسخّن والتبولة والمناقيش والملاتيت، وغيرها من المأكولات، إلى جانب تنظيم زيارات ميدانية للتلاميذ إلى كروم الزيتون والمعاصر المحلية. كما كانت تُجرى مسابقات لحثّ التلاميذ على البحث عن الأمثال والأقوال الشعبية المتعلقة بالزيت والزيتون. وكانت معظم المواضيع والدروس التعليمية تتمحور حول موسم قطف الزيتون، فضلًا عن إقامة معارض مدرسية وصفيّة لعرض الأدوات والمواد التراثية والعروض المحوسبة التي تتناول موسم قطف الزيتون، وتُبرز أهمية الزيت وشجرة الزيتون، وذلك بهدف ربط الأجيال الناشئة بأرضها وتراثها.
فشجرة الزيتون في فلسطين ليست مجرد شجرة مثمرة، وليست ثمارها محصولًا زراعيًا يُقاس بوزنه أو بقيمته في الأسواق. إنها حكاية متجذّرة في الذاكرة، تمتد من أيدي الأجداد الذين غرسوا أشجارها ورعوها، إلى أيدي الأبناء والأحفاد الذين يواصلون الاعتناء بها عامًا بعد عام. ففي ظلالها اجتمعت العائلات، وعلى أرضها نمت حكايات الناس، وبين أغصانها تعلّم الأطفال أن للأرض أصحابًا يرتبطون بها برباط يتجاوز حدود الملكية المادية إلى الانتماء والذاكرة والكرامة.
لكن هذا الموسم، ومنذ عدة سنوات، لم يعد يحمل الفرح ذاته لفلسطينيي الضفة الغربية؛ إذ تحوّل، ولا سيما لدى أصحاب كروم الزيتون، إلى موسم محفوف بالخوف والقلق والخطر، وبمعاناة جسدية ووجودية تمسّ أمنهم وكرامتهم وحقهم في أرضهم. وكيف لا يتحوّل موسم الفرح إلى موسم للقهر والبؤس، في الوقت الذي يتعرّض فيه أصحاب كروم الزيتون لاعتداءات متكررة من المستوطنين المتطرفين، حيث يمنعونهم من الوصول إلى كرومهم، أو يسرقون ما جنوه من ثمار الزيتون، أو يعتدون عليهم بالضرب؟ بل إن الاعتداءات تمتد إلى أشجار الزيتون نفسها، فتُكسَّر أغصانها وتُقتلع أشجارها.
إن ما يتعرّض له المزارعون الفلسطينيون في الضفة الغربية خلال موسم قطف الزيتون لا يمكن اختزاله في خسارة محصول أو تضرّر أشجار فحسب، بل هي ممارسات تمسّ حقوقهم ومصدر عيشهم وكرامتهم الإنسانية. فعندما يُمنع صاحب الأرض من الوصول إليها، أو يواجه خطر الاعتداء عليه وهو يحاول جني ثمارها، يصبح السؤال أكبر من مجرد موسم زراعي مهدّد؛ فأيّ معنى يبقى لحق الملكية حين يُحرَم صاحب الأرض من الانتفاع بها؟ وأيّ أمان يمكن أن يشعر به الإنسان حين يتحوّل الطريق إلى كرمه إلى مصدر للخوف بدلًا من أن يكون طريقًا إلى رزقه؟
إن الاعتداء على الفلاح الفلسطيني، وسرقة محصوله، وتخريب كروم زيتونه؛ ممارسات تمسّ حقّه في العيش بكرامة. وحين تتكرر هذه الاعتداءات وتُترك من دون محاسبة، فإنها تثير أسئلة جدية حول قدرة الفلاح الفلسطيني، صاحب الأرض، على ممارسة حقوقه الأساسية، وحول مسؤولية الجهات المعنية في توفير الحماية له وضمان وصوله الآمن إلى أرضه.
فموسم الزيتون ليس مجرد موسم زراعي، والأرض ليست مجرد مساحة قابلة للامتلاك أو الاستثمار؛ إنها ذاكرة وهوية وانتماء وحق. ومن حق الفلاح الفلسطيني أن يقطف ثمار أشجار زيتونه بأمان وكرامة، وأن يورّث أبناءه أرضًا يستطيعون الوصول إليها والاعتناء بها، لا أرضًا يخشون الاقتراب منها. فشجرة الزيتون التي صمدت في وجه الزمن لا ينبغي أن يصبح الوصول إليها مصدرًا للخوف، ولا ينبغي أن يتحوّل موسم العطاء والفرح بجني ثمار الزيتون إلى موسم للقهر والحرمان.
