أسرّة الخنادق
تتدلى من أصابعه سيجارة مطفأة، نسي منذ متى أشعلها. وحين مرّت الشاحنة في أول الزقاق، اهتزّت يداه دفعة واحدة، كأن عجلات الحديد ما زالت تطحن عظامه.
عاد ناجي إلى الحي بعد أربعين خريفًا؛ جسد أنهكته الأوامر، وذاكرة تعجز عن التمييز بين ما حدث وما ينتظر الوقوع. انكمش وجهه حول وجنتين حادتين، وغارت عيناه كنافذتين في بيت مهجور. لم يكن يتحدث عن الحرب كسائر العائدين، بل كان يلتفت إلى فراغ عن يساره، ويصمت فجأة، كأن صوتًا بعيدًا استدعاه وحده. أما أهل الحي، فكانوا يفسحون له الطريق في صمت، كأن في رأسه جرحًا قابلًا لأن يستيقظ من غفوته بكلمة عابرة.
على الدكّة الحجرية عند منعطف الزقاق، كان يراقب المارة بعينين مغربتين. وكان أطفال الحي يطوفون حوله، يرمونه بالحصى ويهربون.
قال أحدهم وهو يتهيأ لرمي حصاة نحوه:
ــ انظروا، إنه لا يتحرك إطلاقًا!
ردّ عليه آخر ضاحكًا:
ــ ارمِها في حذائه، لن يشعر بشيء!
نظر إليهم من دون أن ينبس ببنت شفة، أو يطاردهم، أو يشتمهم؛ كأن الحجارة تسقط في مكان آخر لا يراه سواهم.
عند المساء، عاد الأطفال إلى الدكّة، وبينما كان أصغرهم يتهيأ لقذف ناجي بحجر كبير، أمسك الأخير بمعصمه فجأة. كانت أصابعه باردة، أشد صلابة مما توحي به هيئته. تجمّد الصغير، فيما تراجع رفاقه خطوة إلى الخلف، وهم يتهامسون:
ــ أمسكه!
ــ اركض يا سيف!
قال ناجي وهو ينظر إلى الحجر في يد الصغير:
ــ لا ترمِه... ستحتاج إليه غدًا.
سحب الطفل يده بارتباك، وجفّ حلقه.
ــ ولماذا أحتاج إليه؟
رفع ناجي عينيه، وكأنه يبحث عن وجه جندي اختفى خلف ملامح الصغير:
ــ لأنهم سيأتون.
في اليوم التالي، لم يرمِ أحد ناجي بحجر. اقتربوا منه على مهل، واحتشدوا أمام دكّته.
قال أكبرهم سنًّا بصوت خفيض:
ــ أتعتقدون أنه يمزح؟
ردّ آخر وهو يضم ركبتيه إلى صدره:
ــ اصمتا... انظرا، إنه يلتفت إلينا!
مال ناجي إلى الأمام، كمن يفضي بسرّ محظور:
ــ اقتربوا يا صغار... أريد أن أحكي لكم عن الغد.
كان صوته جافًّا، كأنه يقرأ من ورقة احترقت أطرافها. أخبرهم أن الجنود لن يأتوا من الطريق الكبير، بل من المسافة الضيقة بين الشارع الذي يوشك على ابتلاع خطوات المارة والبيوت التي بدأت أبوابها تنغلق على أسرارها. بلا وجوه، يرتدون خوذًا سوداء تبتلع الملامح، ويطرقون الأبواب طرقات خفيفة قبل أن يقتحموا الخزائن، ويجمعوا الألعاب من فوق الرفوف وتحت الأسرّة.
سأله طفل يحمل سيارة حمراء بلا عجلة:
ــ ولماذا يأخذون ألعابنا؟ هل يريدون اللعب بها؟
قاطعه صديقه:
ــ أحمق! الجنود لا يلعبون بالسيارات!
نظر ناجي إلى السيارة الحمراء برهة، ثم قال:
ــ بل لأنهم لا يريدونكم أن تكبروا كما ينبغي.
توقف اللغط تمامًا. أطبق الطفل كفّه على لعبته حتى ابيضّت مفاصله.
قال أحدهم بنبرة متشككة، محاولًا طرد الخوف:
ــ أمي تقول إن الجيش يحمينا، فكيف يأخذون ألعابنا؟
همس صاحبه وهو يلتفت خلفه نحو الشارع:
ــ هؤلاء ليسوا جيشنا... ألم تسمعه؟ قال إنهم بلا وجوه!
واصل ناجي تحذيره، مؤكدًا أن الجنود سيتركون في البيوت أثرًا من الألم لا يزول.
مرّت امرأة تحمل رغيفًا ساخنًا، فتباطأت ثم واصلت طريقها. لم تسأل عمّا يرويه؛ ففي بيتها قدر على النار، وفي آخر الزقاق غسيل لم تجمعه، ولم تكن الحروب في ذلك المساء من أولوياتها. أما الأطفال، فظلوا يتزاحمون حول حكايته.
ومع الأيام، تحولت الدكّة إلى موعد. وصار ناجي، في بعض الأمسيات، ينسى الأطفال ويخاطب الجدار:
ــ لا تفتحوا الباب... قلت لكم لا تفتحوه.
ثم يحرّك رأسه كأنه يسمع جوابًا:
ــ ليسوا هم... هؤلاء ليسوا هم.
تبادل الأطفال النظرات المذعورة.
قال أحدهم بصوت مرتجف:
ــ إنه يكلم شخصًا يقف عند الجدار... هل ترون أحدًا؟
ردّ الآخر وهو يتراجع إلى الخلف:
ــ هيا بنا نغادر... لا تنظر في عينيه!
وبينما كان العصر ينسحب ببطء من الأزقة، توقفت شاحنة عند أول الشارع وأطلقت بوقًا طويلًا. لم يكن الأمر سوى سائق ضلّ طريقه، لكن ناجي نهض دفعة واحدة وأسقط سيجارته. حدّق في الشاحنة حتى اختفت، ثم راح يتحسس جيوبه، باحثًا عن ورقة فقدها بلا جدوى، وعاد إلى جلسته صامتًا حتى غابت الشمس.
في تلك الليلة، لم يتحدث الأطفال عن واجباتهم. في زاوية الشارع، قال أحدهم لرفيقه قبل أن يدخل بيته:
ــ هل أغلقتم نافذة غرفتكم؟
ــ نعم... وأخبرت أخي ألّا يترك سياراته عند الباب.
في سكون الليل، صاروا يسمعون أصواتًا متوهَّمة؛ هديرًا بعيدًا ووقع أقدام. أما الصغير الذي سأل عن الحرب، فلم ينم. ظل يراقب الزجاج المظلم، وحين مرّ ضوء سيارة، تحولت الظلال على الجدار إلى خوذ معقوفة فوق أسرّة نائمة. مدّ يده وضمّ لعبته إلى صدره، متذكرًا كلام ناجي.
وحين سمع في منتصف الليل صوتًا معدنيًّا قريبًا، أيقظ أباه.
ــ بابا! إنهم عند الباب... يفتشون العلب!
نهض الأب متثاقلًا وفتح الباب. لم يكن هناك أحد؛ مجرد غطاء حاوية قمامة تحرّك مع النسمة الباردة.
ــ إنها الريح يا بني... اذهب إلى نومك، ودع عنك خرافات العم ناجي. رجل أصابه الجنون، فلا تأخذ بكلامه.
أغلق الأب الباب، لكن الطفل ظل في فراشه يتابع حركة الظل تحت العتبة، وعيناه مفتوحتان تنتظران أن يتخذ الظلام شكلًا.
في صباح اليوم التالي، عاد كل شيء إلى طبيعته؛ البقال، والخباز، والنساء اللواتي نشرن الغسيل. مرّ الأطفال بصوت خافت من دون أن يقتربوا من ناجي. تهامسوا وهم يعبرون الزقاق:
ــ انظروا... إنه يجلس هناك كالعادة.
ــ هل نذهب إليه؟
ــ لا... ليس اليوم.
استدار الصغير ليمضي، فسمع صوت ناجي من خلفه:
ــ لا تنسَ حجرك يا بني.
توقف الطفل مذهولًا. نظر إلى يده، فوجد نفسه قد أحضر الحجر الذي التقطه أمس من دون أن يشعر. فتح كفّه ببطء؛ استقر الحجر الخشن في وسطها، تاركًا أثرًا أحمر. حدّق فيه طويلًا، ثم رفع عينيه نحو ناجي، فلم يجد سوى ذلك التعب القديم المشترك.
في آخر الشارع، ارتطم غطاء الحاوية بحافتها مجددًا. التفت الطفل إلى الصوت القصير، لكنه لم يترك الحجر من يده.
أشاح ناجي بوجهه نحو الجدار، محرّكًا شفتيه بأسماء غامضة. أمّا الصغير، فبقي واقفًا، يقبض على حجره كأنّه يخشى أن يتسرّب من بين أصابعه ما لا يستطيع استرجاعه. سمعتُ ناجي يقول:
ـ الحرب لا تبدأ دائمًا بانفجار، بل قد تبدأ بحجر صغير في يد طفل، وبحكاية يضحك منها الجميع... إلى أن يأتي اليوم الذي لا يعود فيه أحد قادرًا على الضحك.
