ذكريات
أُطلُّ على ذاكرتي، فأجدُكِ مزروعةً في كلِّ زاويةٍ كانت الحياةُ فيها تتنفّسُ ببطءٍ جميل، كأن الزمنَ كان يتوقّفُ احترامًا لخطواتي الصغيرة. أفتحُ دفاترَ الماضي، فتنبتُ منها رائحةُ مساءاتٍ كنا نعجنُ (…)
أُطلُّ على ذاكرتي، فأجدُكِ مزروعةً في كلِّ زاويةٍ كانت الحياةُ فيها تتنفّسُ ببطءٍ جميل، كأن الزمنَ كان يتوقّفُ احترامًا لخطواتي الصغيرة. أفتحُ دفاترَ الماضي، فتنبتُ منها رائحةُ مساءاتٍ كنا نعجنُ (…)
يا مطارَ العيون... كم من دمعٍ تأخّرَ عن موعدِ الطائرة، وكم من قُبلةٍ ظلّتْ معلّقةً بينَ صبرٍ ونداء! أعودُ إليكما، أحملُ عامًا من الغربةِ في حقيبتي، وعطرًا من البلادِ التي لا تشبهُ وجهيكما، (…)
تحت مطرٍ قديمٍ يشبه صوتكِ، كنتُ أمدّ يدي إلى الهواء، لعلّي أقبضُ شيئًا منكِ، شيئًا من دفءِ الذي كان يملأ البيت، حين كانت رائحةُ الطبخ تعلو مثل صلاةٍ صغيرةٍ من مطبخكِ إلى السماء. كان البخارُ على (…)
علّمتني الغيمةُ أن أرى وجهي في المطر، وأن أصدّقَ ظلّي حينَ يمرُّ خفيفًا على حجارةِ الطريق. قالت: لا تسألِ الريحَ إلى أينَ تمضي، فكلُّ الجهاتِ إذا مشيتَ، تصيرُ بيتًا مؤقّتًا. علّمني أبي أن أزرعَ (…)
أبي... رجلٌ لا يشيخ، ولا يهادنُ التعب، عرفتُه قويًّا كالنهر، عنيدًا كحجرٍ يرفضُ الانكسار، يضحكُ قليلًا، لكنّ ضحكتَه كانت تُصلحُ ما في الدنيا من تعب. ... أبي، زرعَ عمرَه في الغربة، لكي نكبرَ نحن، (…)
في المدينة التي تفتحُ ذراعيها للعابرين، كنا نَمشي… شارعُ المعزّ كان يحفظُ ضحكتنا، والأهرامُ تلوّحُ لنا من بعيدٍ كأنّها تشهدُ على صداقةٍ نادرةٍ في زمنٍ متعب. في الزوايا كانت رائحةُ الخبزِ السوريّ (…)
يا وطني الصغير… يا وردةً نبتت بين كفّين من صلاة، كم من مساءٍ علّقَ روحه على غيمةٍ، وانتظر أن تعود الأصوات من البحر. هناك، يمشي الحلم حافيًا فوق وجع المسافات، يحمل على ظهره حقيبة من ضوءٍ، وفي (…)
في ليلِ كانونَ، حينَ يتعبُ المطرُ من طرقِ النوافذِ، نفتحُ له صدرَ البيت، ونجلسُ حولَ ضحكةٍ تأتي من بعيد، كأنها مدفأةٌ بلا نار، وكأنها أرضٌ تستعيدُ طفولتَها. كنا نعرفُ أنَّ للشتاءِ ظلًّا آخر، (…)
كان الصبح يتدلّى على شرفات القاهرة، وكان النيل يلمع مثل مرآةٍ سماوية، وأنا أجلس في السيارة، أوراق سفري بين يديّ، ووجه فيروز يملأ الأفق من المذياع. "دقّ الهوى عالباب..." آه يا فيروز، كم من مرّةٍ (…)
في بهوِ المطار أحصي ظلالي على الزجاج... كلُّ مسافرٍ يُشبهني، وكلُّ حقيبةٍ تُخبِّئ وجهي الآخر. تلوِّح لي يدٌ لا أُميّز ملامحها، كأنها آخر ما تبقّى من طفولتي، وأنا ألوِّحُ بدمي، كأنني أكتب قصيدتي (…)