الخميس ١ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٦
بقلم هديل نوفل

آخر القلب

صعدت في حافلة
كأنني أعود إلى بيتي،
لولا رقمها الذي يذكرني أنني غريبة.
جلست قرب النافذة،
لاسترجاع شريط ذكرياتي،
لأنها تحب الضوء الخافت،
وتركتُ المقعد المجاور فارغًا
لمن غاب
ولم يعد.
كان الطريق طويلًا
كجملةٍ لم تُكمل معناها،
وكلما ابتعدنا
اقترب شيءٌ في داخلي
ثم انكسر.
رأيت وجهي
ينعكس على الزجاج،
لكنّه لم يكن لي،
كان وجه طفلة
بجدائلها الطويلة،
تخبئ في يديها قطع السكاكر
لتفرح قلب أخيها
المنتظر على باب الدار.
طفلة تحمل بيتًا صغيرًا
في جيبها
وتخاف أن تضيعه.
مررنا بأزقةٍ
تشبه الذاكرة،
ضيقة،
حميمة،
وتعرف أسمائنا
من وقع الخطوة.
رأيت أبوابًا
تفتح من تلقاء نفسها،
وسلالم تعدّ أنفاسي،
وشبابيك تلوّح لي
ولا تسأل:
لماذا تأخرت؟
كان الشوق يجلس خلفي،
يضع يده على كتفي،
ويهمس:
لا تلتفتي،
فكل التفاتة تزيد المسافة.
قلت للوقت:
تمهّل،
فأنا لم أزر هذا المكان منذ سنة،
قال:
ستمرّ سنة أخرى،
وأنتِ ما زلت تشيرين ولا تصلين.
في الحقيبة ملابس مطرزة بدعاء أمي،
وفي القلب غبار طرقات،
وفي الذاكرة بلدٌ كامل
يأبى أن ينزل.
كل محطة كانت تشبه وعدًا،
وكل وعد كان يؤجَّل
إلى إشعارٍ آخر.
تعلمت في الطريق
أن الغياب ليس سفرًا،
بل إقامة طويلة في الحنين،
وأن الوطن حين يُفقد
يتحول إلى وجعٍ يمشي معنا
ولا يلوّح.
تعبت من العدّ،
سنة تجرّ سنة،
وأنا ما زلت أكتب الاسم على زجاج الحافلة
وأمسحه كي لا أبكي.
وحين وصل الباص إلى آخر القلب،
توقفت،
نزلت وحدي،
أشد قبضتي على قطع الحلوى خوفًا من ضياعها،
نظرت إلى هذا الوجع
الذي يشبه بيتًا
وحارةً
وشمسًا لا تشبه أي شمس.
وحين همست باسمه،
ابتلعني الشوق،
حتى صارت الذكريات كلها
نارًا وريحًا
وألوانًا لا تعرف التوقف،
ورأيت كل شيء
كما لو أن القلب كله
يرسم الحنين
على شكل مدن باردة،
أعيدت لي كل الحارات،
كل الباعة، كل رائحة الخبز، كل ضحكات الأطفال،
المقاهي الصغيرة حيث جلسنا نتحدث عن كل شيء بلا كلام،
الليل الذي يمر من فوقنا
كأنه يكتب على جدران الحارة اسمي.
أدركت أن الغربة
صارت أعمق من المكان،
وأقوى من الزمن،
وأن كل خطوة
تعدّ رحلة العودة
إلى بيتٍ لم أغادره
إلى طفلةٍ ما زالت تحتفظ بقطع الحلوى
لأخيها
وإلى ضحكات لم تُنسَ،
وذكريات لم تُحرقها الأيام،
وحنينٍ يبقى معي
كما يبقى الليل مع القمر،
كما يبقى المطر مع الأرض.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى