السبت ٢٩ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢٥
بقلم هديل نوفل

ذكريات

أُطلُّ على ذاكرتي،
فأجدُكِ مزروعةً
في كلِّ زاويةٍ
كانت الحياةُ فيها
تتنفّسُ ببطءٍ جميل،
كأن الزمنَ
كان يتوقّفُ احترامًا
لخطواتي الصغيرة.

أفتحُ دفاترَ الماضي،
فتنبتُ منها رائحةُ مساءاتٍ
كنا نعجنُ فيها
قصصًا من ضحكٍ خفيف،
ونعلّقُ أمنياتٍ
على حبالِ الشمس،
ظنَنّا أنها لن تسقط أبدًا.

كانت الذاكرةُ
حديقةً واسعة،
يكفي أن ألمسَ
أول وردةٍ فيها،
حتى تهتفَ بقيةُ الأزهار
وتتفتحَ القصصُ
كأبوابٍ من نور.

أتذكّر ذلك الطريق
الذي حفظَ وقعَ قدميّ،
وكأنه كان يعرفُ
أن امرأةً
تعلّم قلبَها الطيران
تمرُّ من هنا.
أتذكّر نافذتي
التي كنتُ أكتبُ عليها
أحلامًا صغيرة،
فتُطلُّ نجمةٌ
وتبتسمُ لي
كما لو أنها صديقةٌ قديمة.

وفي ليالي الشتاء،
كنتُ أقتربُ من ذاكرتي
كمن يقتربُ من موقدٍ
يشتهي الدفء.
فتسقطُ عليّ أصواتٌ
من زمنٍ بعيد،
تجلسُ معي،
وتضعُ يدها على كتفي،
ثم تقول:
“لا تخافي…
فالأشياءُ التي أحببتِها
لم تغادرْكِ،
إنها فقط تغيّرتْ أماكنها
وتعلّمتِ الصمت.”

ويا لجمالِ اللحظات
التي تأتي دون إذن،
تجرُّ خلفها نورًا
ورائحةَ قهوةٍ
وأغنيةً كنتُ أظنّ
أنني نسيتُها.

أعرفُ الآن،
أن الذكرياتِ
ليست خيطًا يعودُ إلى الوراء،
بل نافذةٌ تُفتحُ
على نسخٍ أجمل مِنّي،
امرأةٌ كانت تبتسمُ
لأصغرِ سبب،
وتُحبّ من قلبها
دون أن تخشى الخسارة.

ولهذا…
كلما هاجرتِ اللحظةُ
وهاجرَ الفرح،
أعودُ إلى داخلي
إلى تلك الحدائق
التي لا تزالُ
تتفتحُ كلما ناديتها،
لأكتشفَ أنني
ما زلتُ أملكُ
ما يكفيني من الضوء
لأبدأ يومي
من جديد.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى