الأحد ٣٠ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢٥
بقلم غدير حميدان الزبون

اليومُ العالَميُّ لِلتَّضامُنِ مَعَ الشَّعبِ الفِلَسطينيّ

مقدّمة

في كلِّ عامٍ، يتوقَّفُ العالَمُ في التاسعِ والعشرينَ مِن تشرينَ الثانيّ/نوفمبر، لِيُصغي إلى النَّبْضِ الذي لا يخفتُ منذ أكثرَ مِن قرنٍ: نبضُ فلسطين. يومٌ يَتَّخذُ فيه الكونُ هيئةَ شاهدٍ يُجدِّدُ العَهدَ مع شَعبٍ ما انكسرَ، وما انطفأتْ في يدَيْهِ قناديلُ البقاء.

إنَّه اليومُ العالميُّ للتضامنِ مع الشَّعبِ الفلسطينيّ؛ مناسبةٌ أقرَّتْها الأُممُ المُتَّحدةُ عامَ 1977 (قرار 32/40 ب) ليبقى الجرحُ المرئيُّ على طاولةِ العالم، ولِيبقى الحقُّ حَيًّا في الذاكرة الدوليّة.

ومع أنّ هذا اليومَ سياسيٌّ في جوهره، إلّا أنّه يَحمِلُ بُعدًا أدبيًّا وروحيًّا عميقًا؛ إذ يَصيرُ الإنسانُ، أيّ إنسان، شريكًا في الدَّمْعِ والآهة، وفي الحكاية الممتدّة مِن غزّة المُحاصَرة إلى قدسِ اللهِ المُحتلّة، ومن الخليل ونابلس إلى يافا التي ما زال بحرُها يُلوِّحُ للمُهجَّرين.

فصلٌ أوّل: معنى التَّضامن ووعي المقاومة.

التضامنُ ليسَ شعارًا، ولا بيانًا يُتلى في افتتاحيّة مهرجان.

التضامنُ – في فلسفتهِ الأخلاقيّة – هو قدرةُ الروحِ الإنسانيّة على ألّا تنفصلَ عن آلامِ الآخرين. وهذا المعنى يَغدو أكثرَ انتفاضًا حين يتعلَّقُ بالشعبِ الفلسطينيّ، لأنّ فلسطين لم تكن يومًا قضيّةً وطنيّةً فحسب، بل تحوَّلت إلى بوصلةٍ أخلاقيّة تُقاسُ بها إنسانيّةُ الإنسان.

وحين تُعلنُ الأممُ المتحدةُ يومًا عالميًا للتضامن، فإنّها تُقرُّ ضمنيًّا بأنَّ هذا الشَّعبَ خَبِرَ من الظلمِ ما يجعل الاحتفاءَ بتاريخهِ واجبًا، لا مجرّد خيارٍ سياسيّ.

إنَّ التضامن مع الفلسطينيّ هو انحيازٌ للعدالة قبل أن يكون انحيازًا لِجغرافيا أو هويّة.

فصلٌ ثانٍ: لماذا فلسطين؟

لأنّ فلسطين رمزٌ قبل أن تكون خريطة.

ولأنّ القضيّة ليست نزاعًا على أرضٍ فحسب، بل صراعًا على معنى الإنسان في هذا العالم.

في فلسطين:

تُولَدُ الأمُّ وهي تحملُ في صوتها نداءَ الأرض.

ويشبُّ الطفلُ وهو يَحفظُ خارطةَ الوطنِ أكثرَ ممّا يحفظُ جداولَ الضرب.

ويتعلَّمُ الشابُّ أنّ الحُريّةَ ليست أمنيةً، بل فريضةٌ تُؤدّى على عتباتِ البيوت التي هُدِّمَت.

وفي فلسطين، تُصبحُ الأيّامُ كلُّها يومًا عالميًّا للتضامن، لأنّ الوجودَ نفسهُ فعلُ مقاومة.

فصلٌ ثالث: صورٌ من ذاكرة التضامن.

منذ 1977، تحوَّل هذا اليومُ إلى منصّةٍ تلتقي عندها الشعوبُ، وتُرفَعُ فيها الأصوات:

في الجامعات: تُقامُ الندواتُ والمناقشات حول حقوق الإنسان والقانون الدوليّ.

في الشوارع: تُرفعُ الأعلامُ واليافطات، وتُعزَفُ أغاني فيروز ودرويش، ويهتف العالمُ بلغاتٍ مختلفة: “فلسطينُ حرّة”.

في المراكز الثقافيّة: تُعرضُ الأفلامُ الوثائقيّة التي توثّق النكبة، وتُقرأُ قصائدُ محمود درويش وسميح القاسم وراشد حسين.
في المؤسّسات الدوليّة: يُعادُ التأكيدُ على القرارات الأمميّة، وفي مقدّمتها القرار 181 الذي صودفَ إعلانُ اليوم في ذِكرى صدوره.

بهذا، يصبحُ يومُ التضامن ذاكرةً مشتركة تُذكّر العالم بأنّ الظلمَ لَم ينتهِ بعد، وأنّ العدالةَ ليست مفهومًا افتراضيًّا، بل مسؤوليةٌ أخلاقيّةٌ على الجميع.

فصلٌ رابع: فلسطين في الضمير العالمي.

لم تكن فلسطين يومًا قضيّةً مُنغلقةً على أصحابها.

لقد تحوّلت إلى رمزٍ تتجمّعُ عنده أخلاقيّاتُ البشرية:

في جنوب أفريقيا، انحازَ نيلسون مانديلا للشعب الفلسطينيّ مُعلنًا: "حُريّتنا غيرُ كاملةٍ دون حرية الفلسطينيين" (انظر: مانديلا، خُطب 1997، ص 51).

وفي أميركا اللاتينية، رأى كتّابٌ كبار مثل إدواردو غاليانو أنّ فلسطين هي “مرآةُ الضمير البشريّ” (غاليانو، كتاب أبناء الأيام، 2012، ص 134).

وفي أوروبا، كتب الفيلسوف جان بول سارتر عن حقِّ الفلسطينيّ في تقرير مصيره (سارتر، أوراق سياسيّة، 1968، ص 89).

هذه المواقف تُظهر أنّ فلسطين ليست شأنًا جغرافيًا، بل قضيةُ الإنسان حيثما كان.

فصلٌ خامس: اليوم العالمي للتضامن بين السياسة والشعر.

لأنّ فلسطين ليست قضيّةً سياسيةً فحسب، فقد امتدَّ هذا اليومُ إلى فضاءات الأدب والفنّ:

في الشعر، يصبح التاسع والعشرون من تشرين الثانيّ عيدًا للقصيدة التي تكتبُ نفسها على شواطئ غزّة وفي دروب القدس.

وفي الرواية، يظهرُ هذا اليوم في أعمال غسان كنفاني بوصفه نداءً دائمًا لِتجديد الوعي.

وفي الموسيقى، تُرفعُ الأناشيدُ التي تحفظُ الذاكرة من الذوبان.

إنّ التضامنَ، حين يدخلُ الأزقّة الأدبيّة، يتحوَّل من فعلٍ سياسيّ إلى طقسٍ روحيّ يُجدّدُ انتماءَ الإنسان إلى الحقّ.

فصلٌ سادس: الواقعُ المعاصر… جرحٌ يتجدّد.

ما زال الشعبُ الفلسطينيّ يعيشُ تحت الاحتلال والحصار؛ يواجهُ:

استيطانًا يلتهمُ الأرض.
حصارًا اقتصاديًا خانقًا.
اعتقالاتٍ يوميّة.
قصفًا يُحوِّلُ الليلَ إلى رماد.

وفي المقابل، ينهضُ التضامنُ العالميّ كصفٍّ طويلٍ من الأصوات التي تقول: لا.

لا لِقتلِ الأطفال.
لا لهدمِ البيوت.
لا لمحو الذاكرة.
لا لِأن يتحوّل العالمُ إلى متفرّجٍ على دمٍ نازف.

فصلٌ سابع: التضامن مسؤولية… لا مناسبة.

إنّ اليوم العالمي للتضامن لا ينبغي أن يبقى مجرّد احتفالٍ سنوي.

التضامن الحقيقيّ هو أن:

نُعيد قراءة التاريخ كما حدث، لا كما يُراد لنا أن نراه.
ندعمَ الحقوقَ الفلسطينيّة في المحافل الدوليّة.
نُعزّز مناهج التعليم التي تشرحُ القضية بموضوعيّة وأمانة.
نُقاوم الرواية المزيفة التي تحاول طمسَ الحقائق.
نُنتج فنًّا وأدبًا وموسيقى تُخلّدُ الذاكرة.
فلسطين لا تطلبُ من العالم أن يحزنَ معها، بل أن يقف معها.

خاتمة

إنّ اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني ليس حدثًا رمزيًا، بل تجديدٌ للعهد: عهدٍ بين الإنسانِ وأخيهِ الإنسان.
يومٌ يقول فيه العالمُ، ولو همسًا: "لن تُطفأ القنديل".

فلسطين، التي علّمتنا أنّ الجراحَ يمكن أن تكون أجنحة، لا تزالُ تنتظرُ فجرًا يليقُ بتاريخها، وتراثها، وناسها، وأشجارِ زيتونِها التي تُصلّي كلَّ صباح.

وحين يأتي الفجرُ، سيكتبُ التاريخُ أنّ التضامنَ لم يكن كلمة، بل كان جسرًا من نورٍ عبرَ عتماتِ العالم.

المراجع والإحالات:

الأمم المتحدة، القرار 32/40 ب، الدورة الثانية والثلاثون للجمعية العامة، 2 كانون الأول/ديسمبر 1977.
مانديلا، نيلسون، خطابات مختارة، منشورات مؤسسة نيلسون مانديلا، 1997.
غاليانو، إدواردو، أبناء الأيام، دار الجنوب، 2012.
سارتر، جان بول، أوراق سياسيّة، منشورات غاليمار، 1968.
كنفاني، غسان، الأعمال الكاملة، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت.
درويش، محمود، ديوان محمود درويش، الطبعات المتعددة.
تقارير المفوضيّة السامية لحقوق الإنسان بخصوص الأراضي الفلسطينية المحتلة، دورات 2010–2024.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى