الأربعاء ٣١ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٢٥

من أدب الرحلات

بدل رفو

قرية الشيخ حسن وجبل الصوامع..خطواتي على دروب التاريخ في كوردستان

من مدينة غراتس النمساوية، حقيبتي على ظهري وقلبي متعطش لكل جديد. منذ اللحظة الأولى التي غادرت فيها، شعرت بأن الرحلة ليست مجرد مسافة، بل عبور بين الزمن والحياة. الريح الباردة تحمل معي رائحة القهوة الصباحية من غراتس، ومعها ترنيمة الطبيعة في الطريق، أصوات الطيور، وحفيف الأعشاب البرية، التي تمتد على جانبي الطريق كأنها تهمس لي: قريبًا ستلتقي بجذورك في كوردستان

مع كل خطوة، تزداد الجبال خضرة، تتعانق مع السماء الزرقاء، وتنبض الصخور والوديان برنين تاريخ يمتد آلاف السنين. أقترب من قرية الشيخ حسن، وأرى جبل الصوامع شامخًا، صامدًا، يحمل صوامعه الحجرية المحفورة في الجبل منذ ما قبل الميلاد. كل فجوة في الجبل، كل صخرة، كأنها تهمس لي بأسرار الأجداد، عن الصبر والإبداع والصمود، عن حياة عاشت على هذه الأرض منذ القدم.

أدخل الأزقة الضيقة للقرية، وأسمع أصوات الأطفال يركضون ويلعبون بين البيوت الترابية، أصوات ضحكاتهم تتماهى مع هدير الرياح في الأشجار. النساء يعجنّ الخبز في بيوت مفتوحة على الطريق، والروائح العطرة تمتزج بالتربة الدافئة والشمس التي تداعب وجوه البيوت. كل شيء حولي يروي قصة عن حاضر يمزج الماضي بالحياة اليومية.
أتذكر حين حدّثني الشاعر الراحل صديق شرو عن جيش الإسكندر المقدوني الذي مرّ من هنا، ووجد في القرية ملاذًا وراحة قبل مواصلة رحلته الى بابل. أتصور الجنود يسيرون ببطء، الريح تحمل الغبار، والأهالي يراقبونهم بصمت، وكأن القرية تعرف منذ آلاف السنين كيف تستضيف التاريخ قبل أن يترك أثره.
أتذكر أيضًا الشاعر خيري هه زار، الذي أحب الشاعر رسول حمزاتوف، واستلهم من أعماله مثل بلدي وكيف احب خيري قريته

وأراد أن يوثقها في شعره بعنوان قريتي الشيخ حسن، لكنه ودّع الدنيا قبل أن يرى ثمرة جهده، فقد كان مشغولًا بحكايات بهلول، الشخصية الطيبة التي تجمع بين الحكمة والفكاهة.

أما أنا كاتب هذه السطور من مواليد هذه القرية، أحملها معي في قلمي، وأحمل كوردستان في العالم، لأروي حكاياتها في محاضراتي ومقالاتي، لأبقي روح المكان حيّة في ذاكرة كل من يسمعني. كل خطوة هنا تجعلني أشعر أن قلبي متصل بجذور الأرض.

أتوجه إلى ضريح والدي، أضع يدي على الحجر البارد، أشعر بهدوء يعم المكان. ثم أتوقف عند قبر والدتي، التي صعدت روحها إلى السماء، وأشعر بمزيج من الحزن والطمأنينة. أتذكر طفولتي وجدتي وايام الشباب مع حكايات الانسان الخالد علي عبدي الطيبة، التي كانت تنسج حكمة الإنسان في داخلي قبل أن يرحل هو الآخر.

ألتفت لأرى الأشجار القديمة، شاهدة على مرور القرون، تنحني أحيانًا وكأنها تروي أسرار الماضي، وتعلن عن صمود الحياة. أستمع إلى أصوات العصافير، وأشمّ رائحة التراب بعد المطر، وأرى ضوء الشمس وهو ينعكس على الجدران الحجرية للأزقة، على وجوه السكان، على كل شيء في القرية.

الشيخ حسن اليوم قرية نابضة بالحياة،وتحمل روح الأدب والثورة والفن كما عرفتها. من هنا انطلق جيل من الفنانين والتربويين وأهل العلم والقانون، حاملين اسم القرية في المحافل ومنهم من حملها إلى العالمية،مثل المخرج شورشفان صديق شرو، وغيرهم الذين تركوا بصماتهم في الفن والتعليم والقانون.

وعندما أنظر إلى جبل الصوامع من الأسفل، أرى الصخور تتوهج بألوان الغروب، وكأنها تقول لي: ها هي قصتنا مكتوبة بالحجر، اقرأها بعينيك وقلبك. كل فجوة، كل صخرة، كل صومعة، تذكّرني بأن الإنسان يعيش ويبدع ويترك أثره مهما مرت القرون

رحلتي إلى الشيخ حسن لم تكن مجرد رحلة جغرافية، إنها رحلة عبر الزمن، بين صخور جبل الصوامع، وبيوت القرية، وأصوات أهلها، وذكريات عائلتي، وحكايات الشعراء والفنانين. كل خطوة تجعلني جزءًا من قصة مستمرة منذ آلاف السنين.
في الشيخ حسن، يتلاقى التاريخ، الطبيعة، الفن، الثورة، والذاكرة الشخصية في لوحة واحدة، لوحة أقرأها بعيني وقلبي، لأفهم أن الإنسان ليس مجرد ساكن للأرض، بل صانع للحضارة والذاكرة والجمال، وأن روح القرية ستظل حية في كل من يحمل اسمها وفكرها وفنه إلى العالم.

رحلتي إلى الشيخ حسن لم تنتهي، فكل حجر وصخرة هنا تحمل قصة لا تنتهي، وذكريات المكان ستظل حيّة في قلبي، تهمس لي أن الإنسان يعيش ويبدع ويترك أثره مهما مرت القرون.

الشيخ حسن وجبل الصوامع سيظلان معي، حيث التاريخ والحياة يختلطان في قلبي وروحي.

بدل رفو

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى