الخميس ١٦ نيسان (أبريل) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

نبضٌ تحت الأنقاض

تُرى المدينة بقدر ما تُسمع؛ صوتٌ طويل يشبه شهيقًا متقطعًا، كأنها تحاول أن تتذكّر كيف تتنفس. الأزقة التي حفظت وقع الأقدام صارت تُخفيه، والوجوه التي اعتادت الضوء اكتفت بوميضٍ عابر ينجو من بين الغبار.

في قبوٍ نجا صدفةً من السقوط، ظلّ ما يشبه الحياة عالقًا في زواياه. يصل زين في كل مرة كأنه يخرج لتوّه من داخل الجرح؛ يخلع عن كتفيه أثقال التعب ويتركها عند الباب.

عند الزاوية، حيث الضوء خافتٌ بما يكفي ليكون حنونًا، تُعيد ليلى ترتيب العالم على هيئة حكاية. الأطفال يلتفون حول صوتها، يستمعون للكلمات كأنهم يبحثون في نبرتها عن مكانٍ لم يُصب بعد. كل قصة تقولها تنجو بطريقة ما، حتى حين يتعثر كل شيء.

لم يسأل أحد كيف بدأ الأمر؛ فالأشياء التي تولد في الظلام تتجاوز التعريف. يكفي أن تتقاطع نظرةٌ بينهما ليعرف كلٌّ منهما أن ما يُقال كثير، لكن تأجيله أكثر ضرورة.

حين اشتدّ الصوت حتى كاد يبتلع الجدران، اقترب زين منها. بدا السؤال ثقيلاً قبل أن يُنطق: لماذا البقاء؟ مرّت أصابعها على حافة الجرح الذي يضمده، كأنها تختبر إن كان الألم ما يزال قادرًا على الكلام، ثم تركت ابتسامةً صغيرة تتكفل بالباقي. كان جوابًا مؤجلاً، يشبه البقاء نفسه.

يعود زين في كل مرة دون تفسير. الطريق، مهما تغيّر، يحتفظ بصورةٍ واحدة في نهايته.

يمرّ الوقت بلا علامات واضحة. الأيام تتراكم بدل أن تتشابه، والمسافة بينهما تصبح شيئًا ملموسًا يُقاس بالانقطاع. ينتقل زين إلى طرفٍ آخر من المدينة، وتبقى ليلى في مساحةٍ يضيق بها العالم.

يبقى بينهما ما يمكن إخفاؤه: كلمات قصيرة تُكتب على عجل، وتُترك في جيوب العابرين. تصل الرسائل أحيانًا متأخرة، وأحيانًا تضيع، لكن كليهما يتصرّف كأنها وصلت دائمًا. الفكرة وحدها تكفي: أن أحدًا ما يزال يفكّر بالآخر.

ثم جاء الانفجار كأنه يعرف وجهته جيدًا. انكسر شيءٌ داخله قبل أن يفهم السبب. ركض. المسافة تتسع، والأوامر تتساقط، وكل ما يمكن أن يبطئه يختفي. وحين وصل، لم يجد المكان بل ما تبقّى منه.

تحوّلت الحفر إلى صمتٍ كثيف. يداه تعرفان ما تبحثان عنه حتى حين تتردد عيناه. يتشظى الوقت ثم ينكمش، حتى تظهر قطعة قماش صغيرة، كافية لتكون دليلًا، وكبيرة بما يكفي لفتح بابٍ للأمل.

يسحبها من بين الركام. أنفاسٌ خافتة تتردد، وشيءٌ في صدره يعود للحركة. يحملها ويركض، لا يرى سوى وجهها، ولا يسمع سوى ذلك الخيط الرفيع من الحياة.

في المستشفى الميداني، يهدأ كل شيء دون أن يطمئن. يجلس قربها طويلًا، كأنه يحرس ما تبقّى من العالم. تفتح عينيها أخيرًا، فيمرّ بينهما صمتٌ ممتلئ لا يحتاج تفسيرًا.

مع الفجر، تمتلئ الحافلة بوجوهٍ تترك خلفها أكثر مما تحمل. المدينة تتلاشى ببطء في الأفق، كأنها ترفض الاختفاء دفعةً واحدة. يضع زين رأسه على كتف ليلى، وتبقى هي ساكنة كأنها تحفظ التوازن الأخير.

يمتد الصمت بينهما، لكنه هذه المرة لا يُشبه الغياب؛ بل يقول ما يكفي: الحرب تهدم كل شيء، لكن في الركام دائمًا نبضٌ يصرّ على البقاء.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى