الأحد ١٢ نيسان (أبريل) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

شرفة للانتظار

(1) ماءٌ يتذكّر

الحكاية هبطت دفعةً واحدة، كأن السماء فقدت توازنها.

شيءٌ انفكّ في الأعلى، فتعلّم السقوط شكلاً، واختار لنفسه اسماً: المطر.

الشرفة تتدلّى كفكرةٍ أخطأت موضعها؛ حافةٌ بين داخلٍ يتكاثر بصمته وخارجٍ يفيض بما يُرى ويُخفى معاً. هناك، حيث يتراجع البحر خطوةً كلما تقدّم النظر، وقفت سلمى. كانت تمسك الانتظار من طرفه، كأنها تخشى أن يفلت فيتحوّل إلى شيءٍ آخر.

المطر يعيد كتابة الأشياء بصيغةٍ أثقل. الجدران تتنفس من مسامٍ جديدة، الزجاج يكتسب جلداً، والهواء يشيخ على مهل.

على الامتداد الضيق الملاصق للماء، تستقر أربع مساطب: اثنتان تنزلقان خلف جذعين عتيقين كأنهما حارسان لذاكرةٍ خضراء، واثنتان مكشوفتان تتلقيان البلل بجرأةٍ خام. في الوسط، حانوت صغير يوزّع ما يُقضم ويُشرب ويُدخّن، ويُبقي في أدراجه ما يعجز عن البيع.

في أحد الداخلات القريبة، كان جابر يُصغي لارتطام القطرات على الزجاج. الصوت لا يصل كصوت، بل كأثرٍ ينقص من الداخل شيئاً فشيئاً. يداه معلّقتان بين فعلٍ مؤجّل وذكرى لم تنطفئ.

وفي جهةٍ أخرى من هذا التلاصق، كانت مريم ترتّب الأكواب، ترفعها وتعيدها، كأنها تبحث عن عددٍ يهدأ عنده القلق.

تحت الشجرتين، ظلٌّ يثقل، وعلى المسطبتين المكشوفتين بللٌ يتدرّب على الشفافية.

رجلٌ عابر جلس قرب الحانوت، أشعل سيجارةً وتركها تحترق وحدها؛ تجربةٌ للنار أكثر منها حاجة.

سلمى تحدّق دون أن تختار جهةً. الأشياء تتجه نحوها بهدوءٍ غامض.

همست داخلها: "الانتظار هيئةٌ نقف فيها أكثر مما نمشي."

في تلك اللحظة، خرج جابر إلى المطر. كل قطرةٍ تنزع عنه اسماً، وتتركه أخفّ، أقرب إلى فراغٍ يعرفه جيداً.

مريم بلغت العتبة، توقّفت، كأن الأرض بعدها فكرةٌ لم تُحسم.

لم يحدث لقاء، ومع ذلك جمعهم خللٌ واحد في التوقيت، انزلاقٌ خفيف في نسيج اللحظة.

وحين هدأ المطر، ظلّ أثره معلقاً في الهواء، كذاكرةٍ قررت البقاء.

(2) فائضُ النهار

اليوم المشمس أتى بوجهٍ آخر للضوء.

الأشياء ازدادت حوافاً، كأن لكل منها ظلاً إضافياً يتسلّل خلف المعنى.

الشرفة على حالها، غير أن ظلّها طال، وراح يتمدّد ككائنٍ يبحث عن مخرج.

سلمى جلست هذه المرة. الوقوف صار فائضاً، والجلوس طريقةً للاقتصاد في التعب. البحر اقترب بخفة، حضوره ضغطٌ شفيف على الصدر، مثل ذكرى تقف عند الباب.

على إحدى المساطب المكشوفتين، جلس جابر كجملةٍ انفلتت من سياقها. عيناه تمرّان فوق الأشياء دون أن تستقرا، كما لو أن اللمس يحدث عبر النظر.

الحانوت مفتوح، وصبيّه يراقب المارّة؛ كل عابرٍ احتمالٌ مؤجل.

مريم وصلت إلى الكورنيش، اختارت المسطبة التي يقطعها ظلّ الجذع. ظلٌّ يكفي كي يخفّ وهج الحضور، ويمنحها جزءاً من الانسحاب.

الأزمنة اقتربت حتى كادت تتلامس. إمكان الحدث صار واضحاً، وهذا الوضوح بذاته مربك.

فكّر جابر بصوتٍ يخصّه: "الوصول يحتاج جرأةً لا تُدرَّب في الانتظار."

الجملة استقرت في الهواء، مثل غبارٍ اختار مكانه بعناية.

سلمى قرأت ترتيب المساطب: اثنتان تُخفيان، اثنتان تُظهران.

ورأت في ذلك انقساماً يشبه الإنسان حين يتوزّع بين ما يُقال وما يبقى.

ثم جاء اليوم الثالث، كتعطيلٍ ناعم للزمن.

السماء صفحةٌ مغلقة، الضوء غائبٌ أو متأخّر، والذاكرة تتردّد في تأكيد أي شروق.

في هذا الفراغ المتماسك، تحرّك الثلاثة في لحظةٍ واحدة.

سلمى نزلت من الشرفة كما ينزل معنىً من جملةٍ اكتملت.

جابر نهض، تاركاً هيئة جلوسه تتشبّث بالمكان.

مريم خرجت من ظلّ الجذع، تاركةً له بقايا حضورها.

التقوا في مساحةٍ لا تفرض شكلاً محدداً. مسافةٌ تحفظ الاختلاف وتسمح بالتجاور.

قالت سلمى، بصوتٍ يوازن بين البوح والكتمان: "نحن موزّعون داخل انتظارٍ واحد."

الصمت اتسع، واحتوى العبارة دون اعتراض.

الحانوت مغلق، المساطب تحتفظ بأثر الأجساد، والبحر يراقب بثباتٍ يشبه العين المفتوحة.

بينهم حضورٌ رابع، كثافةٌ غير مرئية: الانتظار حين يترك الزمن ويستقر في الجسد.

ثم عاد كلٌّ إلى موضعه. المكان ظلّ كما هو، غير أن عمقه تبدّل.

الانتظار لم يعد مسافةً تُقاس، بل طبقةً تُعاش.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى