قصيدة وقراءة نقدية
الإصغاء ُ لصوتِ اﻷرض
د. جمال سلسع
أَسأَلُ كيفَ تعيشُ هُمومكَ،
والهمُّ الوطنيُ يعيشُ الموتْ؟
أَجوابُكَ يعرِفُ معنى الإصغاء،
لصوتِ اﻷرض.؟!
ﻻ شيءَ سوى الإصغاءِ لهذا الصوتْ!!
هو من يجعلُ روحَكَ
تسمعُ آهَ الوقتْ.!
هو من يجعلُ قلبَكَ
يقرأُ خطرَ الموتْ.!
هو من يجعلُ عينيكَ
ترى وجعَ الصَّمتْ.!
تسمعُ...!
تقرأُ...!
فترى...!
تاريخاً مسروقاً...!
يبكي مسلوبَ الصَّوتْ.!
الإصغاءُ لصوتِ اﻷرضِ،
يقودُكَ نحو طريقِ الشَّمس.
تسمعُ...!
تقرأُ...!
فترى...!
لما تسمعُ دمعةَ طفلٍ
ﻻ تُطفِؤها الكلماتُ
الساكنة اليأَسْ.!
لما تقرأُ صرخةَ أُمٍ
ﻻ تُسكتُها طلقةُ ليلٍ
يحمِلُ دربَ البؤسْ.!
لما سترى حرقَ اﻷرضِ
بنيرانٍ تخرجُ من عتمةِ بأَسْ!
الإصغاءُ لصوتِ اﻷرضِ،
يقودُكَ نحو طريقِ الشَّمس.!
لما تسمعُ...!
لما تقرأُ...!
لما سترى...!
يشتعلُ الإحساسُ بدمعِ الوجعِ
الساكنِ محرابَ الوطنِ!!
تعرِفُ أَنَّ المصلوبَ على أَعمدةِ الجلدِ،
يئّنُ أنينَ الشَّجنِ!!
ينطلقُ الجبلُ النائِمِ فيكَ
فيمحو أَعمِدةَ المِحَنِ!!
ﻻ تسأَلُ كيفَ تعيشُ همومَك،
والهمُ الوطنيُّ يعيشُ الموت.؟؟!
لا تسأَلُ كيفَ تعيشُ هُمومكَ،
وجوابُكَ يعرفُ معنى الإصغاءِ
لصوتِ الأرض؟؟!!
المقدمة
في هذه القصيدة جعل الشاعر من اﻷرض كائناً حيَّاً، واﻹصغاءُ لصوته ضرورة وطنية، فطرح رؤية شعرية وجدانية فريدة وعميقة، تجسد حقيقة اﻹرتباط باﻷرض، ﻷنها تعيش مسلوبة الصوت والتاريخ. إذ انتقل الشاعر من موقف المتأمل للوجع اﻹنساني والوطني، إلى موقف التفاعل وحتمية الوعي الحسي، ومن ثم فقد نقل الفعل الحسي إلى أداة لكشف المحجوب،ﻷنه يعيش في واق
عٍ سرق الرواية والذاكرة معا.
كيف جسَّد هذه المواقف؟
قام الشاعر بتجسيد هذه المواقف من خلال الوسائل التالية:-
التشخيص:-إذ حوّل المجردات إلى كائنات حية تتوجع وتبكي وتتأوه:-
(التاريخ يبكي،الوقت له آه، الصمت له وجع)
التراسل بين الحواس:- اﻹصغاء هنا يستنفر الحواس:-
(الروح تسمع آه الوقت، القلب يقرأُ خطر الموت، العيون ترى وجع الصمت)
المفارقة:- التاريخ يبكي مع أنه مسروق ومسلوب الصوت، والبكاء وحده الصوت الوحيد الذي لم يُنتزع منه.
الصور الشعرية الجديدة
قدم الشاعر عدة صور شعرية جديدة ومتميزة:-
تجسيد الزمان والحالات النفسية:-
إذ استطاع إضافة الحس اﻹنساني إلى الزمن والصمت، عندما جسد الوقت ككائن يتأوه، والصمت كوجع مرئي، فنجح في نقل تجربته الشعرية من المألوف، إلى مدى بصري وحسي مكثف.
الهم الوطني يعيش الموت:-
إذ جعل من الوطن وكأنَّه يعيش موتاً مؤجلا، من خلال انزياح دلالي متميز (فالهم يعيش في الموت).
طلقةُ ليلٍ يحملُ دربَ البؤس:-
صورة مكثفة للظلم المتنامي، حيث جسد الليل حاملا طريق البؤس.
نيران تخرج من عتمة بأس:-
هذا التناقض الذي يجمع بين النار والعتمة، يدل على عظمة الحرق الذي سببه الظلم والوحشية.
شعرية المصلوب:-
حيث تسقط معاني التضحية والفداء على الواقع المعاش:-
(المصلوب على أعمدة الجلد)
من خلال استحضار الموروث الديني المسيحي، الذي جسد اﻹلتحام ما بين الفداء والوجع اﻹنساني.
محراب الوطن:- تقديس الوطن
حيث نلاحظ ان هذا الوجع يحمل رسالة فيها عبادة وشهادة.
الجبل النائم فيك:-
حيث يقارن الشاعر بين شموخ الجبل وعظمته، والذات اﻹنسانية المشحونة بطاقات التحدي، إذ يتحول الجبل المادي إلى قوة قادرة على سحق (أعمدة المحن).
طريق الشمس:-
وضعها الشاعر كلازمة أمل داخل النص الشعري، وهو يجسدها كرمز للحرية واﻹنتصار.
محاور اﻹصغاء (تسمع...تقرأ...فترى) ودلالاتها:-
هذا الثالوث الحسي نقل التجربة الشعرية من انفعالٍ مؤقت، إلى يقظة وجدانية تشعل الوعي بحتمية العمل والتغير.
(يقودك نحو طريق الشمس)
وهي ليست حشوا تكراريا، ﻷنها بنية داخلية تنقل المتلقي من مرحلة اﻹحساس، إلى مرحلة الفهم، ومن ثم إلى مرحلة البصيرة، فيجعل اﻹصغاء رحلة وعي تقود إلى طريق الشمس.
هذا التدرج الحسي في اﻷفعال (تسمع... تقرأ... فترى)
شكَّل معماراً شعورياً وحقيقة ثابتة:-
١-محور تسمع:-(اﻹصغاء الحسي والوجداني)
يمثل أول أبواب اﻹدراك والتفاعل والتعاطف.
+ تسمع آه الوقت
+ لما تسمع دمعة طفل
الدلالة الوجدانية:-
لغة اﻷلم هي المسموعة، البكاء واﻷنين، والمفارقة أن الدمعة لا صوت لها،لكن الشاعر جعلها مسموعة، ﻷن اﻹصغاء الحقيقي يلتقط ما لا يُسمع.
الدلالة الوطنية:-
يجسد الطفل رمز المستقبل والبراءة، وفي القصيدة دموعه
(ﻻ تطفؤها الكلمات الساكنة اليأس)
مما يعطي دلالة بأن الشعارات والكلمات عاجزة عن القيام بالعمل، وعن علاج الدمع والجراح.
محور تقرأ (التأمل والوعي)
يجسد فهم الواقع وابعاده من خلال:-
+ يقرأ خطر الموت
+ لما تقرأ صرخة آه
حيث تتحول المشاهدات إلى دلالات عميقة، وتاريخ يُقرأ.
الدلالة الوجدانية:-
يُحوِّلُ الشاعر اﻷلم إلى نص يُقرأ، حيث ينتقل من السمع إلى القراءة، فينتقل بدوره من التأثر إلى اﻹدراك.
الدلالة الوطنية:-
القراءة تجسد حقيقة أن الظلم والقهر مهما طال،لا يستطيع اسكات صوت الحق، وصرخة اﻷم:-
(لا تسكتها طلقة ليل). كما أنَّ قراءة( خطر الموت)
تكشف إدراكا بالتهديد الوجودي للوطن.
٣-محور ترى (اليقين والرؤيا)
تجسد القمة الحسية والوجدانية التي يكتمل بها الكشف والمعرفة.
(ترى وجع الصمت)
(فترى تاريخا مسروقا يبكي مسلوب الصوت)
(لما سترى حرق اﻷرض)
الدلالة الوجدانية:-
الرؤية هنا بصيرة وليست بصرية، ﻷنَّ العين ترى ما وراء الظاهر( وجع الصمت، تاريخا مغيبا)، حيث ينتقل الشعور من التأثر، إلى الغضب العارم، إلى الوعي واليقظة.
الدلالة الوطنية:-
يكشف لنا المرئي(التاريخ المسروق، واﻷرض المحروقة)، مما يشعل الذاكرة برؤية عهد ونبوءة،ﻷن سرقة التاريخ هي سرقة الهوية. وقد ساعد على ذلك التحول من ( ترى) إلى (سترى) حيث ينتقل من الواقع إلى المستقبل كاشفا الحقيقة.
وهكذا نرى أن هذه المحاور تنقل القارئ من مجرد متفرج الى مشارك في العمل، ﻷن المحاور الثلاثة هي مراحل من الصمت إلى اليقظة ومن ثم إلى الحرية.
المواقف التي حملها النص الشعري
إدانة الرفض للموقف السلبي- الكلامي.
ﻻ تجدي الشعارات والكلمات مع الدمع والوجع
(دمعة طفل ﻻ تطفؤها الكلمات الساكنة اليأس)
اﻹنبعاث والتجدد.
اﻹصغاء الصحيح لصوت اﻷرض، يقود إلى طريق الشمس.
٣-اﻹلتحام بالهوية والتاريخ.
(التاريخ المسروق والمسلوب)
مما يدعو إلى استعادة الموقف المقاوم.
التوافق بين الموضوع والشكل الشعري
التوافق الشعري.
اعتمد الشاعر على شعر التفعيلة، فمنح النص مرونة وتدفقاً ينسجمان مع الحركة الداخلية للوجع والوعي.
تنوع اﻷسطر طولا وقصراً.
وهذا يحاكي روح المتأمل، ما بين الشجن والتأكيد.
علامات التعجب والنقاط.
(تسمع...! تقرأُ...! فترى...!)
تجسد لحظات الصمت واﻹصغاء
التكرار واﻹيقاع الداخلي.
جعل من تكرار صيغ اﻹستفهام واﻹستئناف ايقاعاً متصاعداً، يشبه النص المتسارع.
(لما تسمع... لما تقرأ... اﻹصغاء لصوت اﻷرض)، مما أعطى انسجاماً تاما، بين الفكرة اﻹيقاعية والتصويرية
القافية المتنوعة.
(الموت، الوقت، الصمت، اليأس، البؤس، )تمنح النص تماسكاً موسيقيا، يقوم على حرفي التاء والسين، وفيهما همس يناسب اﻹصغاء.
التكامل النصي.
جاءت بداية القصيدة ونهايتها، في حلقة دائرية متماسكة، إذ بدأت باﻹستفهام عن الهم الشخصي والوطني ( كيف تعيش همومك؟) وتنتهي بنفيه (لا تسأل)، بعد أن تشكل الجواب لدى القارئ، مما أدى إلى اكتمال المعنى ، واغلاق البناء الشعري بتناسق محكم.
قديم الهم الوطني على الهم الشخصي
يطرح الشاعر في بداية القصيد سؤالاً شخصياً
(كيف تعيش همومك؟)، هذا التساؤل وكأَنه يقلل من قيمة الذات والهموم الفردية، أَمام الهم الوطني الذي يعيش الموت، مؤكداً أن طريق الخلاص والحرية يمرّ عبر اﻹصغاء لصوت اﻷرض، هذا الصوت الذي يحوِّلُ الطاقة الفردية إلى طاقة جماعية،وهذا ما يؤكده اﻹستفهام اﻹنكاري في بداية القصيدة ونهايتها (ﻻ تسأل)، ﻷنَّ السؤال عن الذات في زمن اﻹحتلال ترف.
كذلك نلاحظ أن القصيدة تبدأُ بمخاطبة الفرد، وتنتهي والفرد ذائب في محراب الوطن، ﻷن الفرد ينفتح على وجع اﻷرض، فتتحول همومه الخاصة إلى طاقة، فينطلق الجبل النائم، ويمحو أعمدة المحن. وهكذا نرى أن الطريق إلى الحرية تبدأ باﻹصغاء، ثم الرؤية، ثم اﻹنعتاق.
الخاتمة
جعل الشاعر من (تسمع... تقرأ... فترى)مفاتيح ثلاثة للوعي الوطني : السمع يوقظ الوجدان، والقراءة تنمي الفهم، والرؤية تصنع الموقف. وبذلك انتقلت القصيدة من التعبير عن اﻷلم، إلى بناء طريق الخلاص، وربطت بين الحس الفردي والهم الجماعي في رؤية واحدة متماسكة.
