السبت ٢٦ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم صالح سليمان عبد العظيم

دفاعا عن هوية الأغلبية

دفاعا عن هوية الأغلبية: حين تعيد النخبة اختراع مصر بعيدا عن روحها الإسلامية

تكشف متابعة مؤتمر مكتبة الإسكندرية "الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة" عن مفارقة يصعب تجاهلها. فبينما يفترض أن يكون موضوع المؤتمر هو هوية المصريين كما تشكلت تاريخيا. وكما يعيشونها في حاضرهم. بدا الخطاب في جانب كبير منه أقرب إلى محاولة نخبوية لإعادة تعريف المصريين من أعلى. واختيار المكونات التي ينبغي إبرازها. وتحديد ما ينبغي أن يتراجع منها. ثم تقديم الناتج في صورة "هوية وطنية" مصاغة بعناية داخل المؤسسات. فالمؤتمر نفسه انعقد برعاية رسمية وبمشاركة كثيفة من الوزراء والمسؤولين ورؤساء المؤسسات والجامعات والمثقفين والخبراء، وانتهى إلى وثيقة تسعى إلى تحويل رؤيته إلى أدوار وسياسات تتولاها الأسرة والتعليم والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية والمجتمع المدني.

المشكلة هنا ليست في وجود المثقفين أو المتخصصين. وإنما في أن تتحول النخبة من دارس للهوية إلى صانع لها.

فالهوية ليست قرارا ثقافيا. ولا وثيقة تصدر عن مؤتمر. ولا مجموعة "روافد" يعاد ترتيبها وفق ذوق اللحظة. الهوية هي ما استقر في حياة الناس عبر قرون: لغتهم، طقوسهم، نظرتهم إلى الأسرة، معايير الحلال والحرام، مفهومهم للستر والرحمة والبر والصدقة والجيرة، وطريقة احتفالهم وفرحهم وحزنهم ودفن موتاهم. إنها ما يفعله المجتمع قبل أن يأتي الخبير ليضع له اسما. من هنا يبدو غريبا أن يصبح المصري موضوعا لمشروع يريد أن يعلمه ما هويته. بديلا أن يكون هو المصدر الأول لتعريف هذه الهوية.

والأشد إثارة للتساؤل أن الوثيقة النهائية تبدأ تاريخ الهوية من الدولة المصرية القديمة، وتؤكد الذاكرة الحضارية الممتدة. ثم تعرف القيم الدينية بصيغة عامة باعتبارها مستمدة من "الأديان السماوية". بينما تجعل العربية إحدى ركائز الهوية الجامعة. هذه الصياغة تبدو محايدة، لكنها تخفي مشكلة أعمق. فالإسلام هنا يتحول من عالم تاريخي واجتماعي كامل صنع جانبا هائلا من الشخصية المصرية خلال قرون طويلة إلى بند أخلاقي عام داخل قائمة من البنود. لا يختفي الإسلام لفظيا، لكنه يفقد كثافته التاريخية والاجتماعية.

والمسألة ليست مطالبة بوثيقة دينية ولا بإنكار المكونات الأخرى لمصر. القضية أن الإسلام بالنسبة إلى الأغلبية المسلمة في مصر ليس "رافدا" ثقافيا اختياريا يمكن وضعه إلى جانب عدد من الروافد المتساوية. إنه أحد أهم الأطر التي تشكلت داخلها الحياة المصرية نفسها. اللغة التي يتكلم بها المصري مشبعة بتعبيرات دينية. الزمن الاجتماعي يدور حول رمضان والعيدين والجمعة والمواسم. الأسرة تحمل مفاهيم البر وصلة الرحم والستر. الموت تحيط به طقوس الدعاء والقرآن والصدقة. مفردات الرزق والبركة والتوكل والحلال والحرام حاضرة حتى عند أشخاص لا يمكن وصفهم بالتدين الصارم. هذا كله ليس "إسلاما سياسيا". إنه الإسلام بوصفه ثقافة وحياة يومية وذاكرة.

لكن من اللافت أن برنامج المؤتمر وضع ضمن محاوره البارزة "أطروحات تيارات الإسلام السياسي تجاه الهوية"، إلى جانب المخاطر الرقمية والاجتماعية والاقتصادية. هنا تظهر إحدى علامات الخلل في التصور النخبوي. فالإسلام يصبح مرئيا بوضوح عندما يكون مشكلة سياسية ينبغي فحصها، بينما يقل حضور السؤال الأكثر أصالة: ماذا فعل الإسلام بالمجتمع المصري خلال أكثر من ألف عام؟ كيف تشكلت حول المسجد والأزهر والتصوف والوقف والفقه والمولد ورمضان والأخلاق الأسرية أنماط مصرية خاصة؟ وكيف أصبحت العربية والإسلام جزءا من المخيال الشعبي، لا مجرد "مرحلة" في كتاب التاريخ؟

ليس المطلوب الدفاع عن جماعات الإسلام السياسي، بل العكس تماما: إن اختزال الإسلام في هذه الجماعات يمنحها أكثر مما تستحق. الإسلام المصري أقدم منها جميعا، وأوسع منها جميعا، وأكثر تغلغلا في المجتمع من أي تنظيم سياسي. ولذلك فإن مناقشة الإسلام غالبا من مدخل "الإسلام السياسي"، بينما يجري الاحتفاء بالمصري القديم من مدخل الحضارة والجذور، تنتج اختلالا رمزيا واضحا. الفرعونية تظهر باعتبارها أصلا نقيا ومصدرا للفخر. بينما يصبح الإسلام مجالا يحتاج إلى تنظيم وتجديد وضبط.

هنا تبرز محاولة أخرى لإعادة تصنيع الهوية. تتمثل في تضخيم الماضي الفرعوني حتى يتحول من تاريخ عظيم للمصريين إلى هوية بديلة للمصريين. لا يوجد تعارض بين الاعتزاز بمصر القديمة وبين الإسلام، ولا يحتاج المسلم المصري إلى التخلي عن الأهرامات حتى يكون مسلما. لكن هناك فرقا كبيرا بين الاعتزاز بتاريخ مصر القديم وبين استخدام هذا التاريخ للبحث عن "مصري أصلي" سابق على العربية والإسلام. فالمصري المعاصر ليس تمثالا خرج من المتحف. لغته عربية، وذاكرته الاجتماعية تشكلت عبر عصور إسلامية ومسيحية وحديثة، وثقافته الشعبية نتيجة تراكم طويل. والبحث عن الهوية في أبعد طبقة زمنية ثم التعامل معها باعتبارها الأكثر أصالة ليس علما بالتاريخ. بل انتقاء أيديولوجي للتاريخ.

ربما يكون الماضي الفرعوني جذابا لبعض النخب تحديدا لأنه ماض آمن. الآثار لا تناقش الحاضر، والفرعون لا يعترض على نموذج ثقافي حديث، والمعبد القديم يمكن الاحتفاء به بلا صراع حول الأسرة والأخلاق والجسد والسوق والتعليم. أما الإسلام فهو مكوّن حي، ولذلك يظل قادرا على مقاومة بعض التصورات الحداثية للإنسان والمجتمع. هنا تتحول المسألة من الاحتفاء بالتاريخ إلى اختيار الماضي الذي لا يزعج الحاضر النخبوي.

في الاتجاه المقابل، يظهر مستقبل مرغوب فيه شديد القرب من قاموس الحداثة العالمية: الرقمنة، الابتكار، الذكاء الاصطناعي، الاستدامة، الانفتاح، والمواطنة النشطة. تستخدم الوثيقة نفسها هذه اللغة بكثافة، كما تجعل مواجهة "الهيمنة الرقمية" و"ثقافة الاستهلاك" و"الوعي الهجين" جزءا من مهمتها. غير أن السؤال المسكوت عنه هو: لماذا يظل نموذج الحداثة الذي تشكل أساسا في التجربة الغربية هو الأفق الضمني، بينما يعاد التعامل مع الموروث الإسلامي بوصفه شيئا ينبغي مواءمته باستمرار مع هذا الأفق؟ لماذا لا يكون السؤال: كيف تنتج مصر حداثتها من داخل بنيتها الأخلاقية والحضارية، بدلا من الاحتفاظ ببعض الرموز المحلية داخل نموذج مستورد للإنسان والمجتمع؟

تلك هي النخبوية في أكثر صورها عمقا. إنها ليست مجرد وجود عدد كبير من المسؤولين وأساتذة الجامعات على المنصة، بل اعتقاد ضمني بأن صاحب الشهادة والمؤسسة أقدر من المجتمع على معرفة هويته. إنها ما يمكن وصفه، بلغة بورديو، بنوع من العنف الرمزي. أن تملك جماعة اجتماعية القدرة على تقديم ذوقها ورؤيتها الخاصة بوصفهما التعبير الطبيعي عن الجميع، ثم يصبح المختلف معها محتاجا إلى "التوعية" أو "إعادة تشكيل الوعي".

المصري البسيط الذي يقول "ربنا يستر"، يقرأ الفاتحة على ميت، يجمع أسرته في رمضان، ويعتبر بر والديه واجبا دينيا وأخلاقيا، لا يحتاج إلى مؤتمر لكي يخبره أن الدين رافد في هويته. بالنسبة إليه الدين جزء من الطريقة التي يفهم بها نفسه والعالم. ويمكن للمثقف أن ينتقد بعض ممارساته، لكن لا يحق له أن يعيد ترتيب أعماقه الثقافية حتى يصبح أكثر توافقا مع صورة مسبقة للمواطن الحديث.

المشكلة إذن ليست أن مصر تملك تاريخا فرعونيا أو بعدا متوسطيا أو إفريقيا أو علاقات بالعالم الحديث. كل ذلك موجود. المشكلة تبدأ عندما تستخدم هذه المكونات لمعادلة أو تخفيف حقيقة اجتماعية شديدة الوضوح: أن العربية والإسلام أصبحا، عبر قرون طويلة، من أكثر المكونات التصاقا بالحياة الفعلية لغالبية المصريين. والاعتراف بذلك ليس إقصاء لأحد، بل رفض لتحويل التعدد إلى أداة تمحو الأوزان الحقيقية للمكونات داخل المجتمع.

ربما كان الأجدر بمؤتمر عن الهوية ألا يسأل النخبة كيف ينبغي أن تكون هوية المصريين، بل أن يخرج من القاعة ليسأل الناس ماذا بقي حيا فيهم فعلا. عندئذ قد يكتشف أن مصر التي يعيشها الناس أكثر إسلامية وعربية مما تسمح به بعض التصورات النخبوية، وأكثر تركيبا كذلك من أن تختزل في فرعونية متحفية أو حداثة مستوردة.

فالدفاع عن الهوية المصرية لا يبدأ بإعادة اختراعها. يبدأ باحترام ما اختاره التاريخ الطويل، وما أبقته حياة الناس حيا في قلوبهم وبيوتهم وطقوسهم. وأي مشروع يحاول تجاوز هذا الواقع أو إعادة ترتيب مكوناته من أعلى، مهما استخدم لغة التعدد والانفتاح والتجدد، يخاطر بأن يدافع عن مصر متخيلة صنعتها النخبة، لا عن مصر التي يعيشها المصريون.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى