الثلاثاء ٣ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢٦
بقلم إنتصار الخشت

سُهادي

ما عاد الليلُ يعرفني كما كان؛ كلما أقبلتُ عليه، أقبلتْ معي حكاياتٌ لم أروِها، ووجوهٌ غابت عن العين، لكنها تركت في الروح نوافذَ لا تُغلق. أجلس إلى صمته، فيجلس الصمتُ قبالتي كخصمٍ قديم، يعرف مواضع ضعفي، ويُحسن استنطاق ما أخفيه حتى عن نفسي.

يا لهذا السُّهاد! كأن في رأسي مدينةً لا تنام، تتعاقب في شوارعها خيولُ الذكريات، وتتصادم على أبوابها رسائل لم تصل، ووعودٌ أكلت الريح أطرافها، وأحلامٌ ما زالت ترتدي ثياب العرس، وإن شاخت المواعيد. وفي أزقتها مصابيحُ أضناها الانتظار، ونوافذُ تطلُّ على جهاتٍ لم تعد إليها الخطى.

أُغمض عينيَّ، فتفتح الذاكرة أبوابها على اتساعها؛ يمرُّ العمر أمامي كقافلةٍ أضاعت دليلها، فلا هي بلغت الواحة، ولا هي استطاعت العودة إلى أول الطريق. أرى ما تمنّيتُه يومًا، وما ظننتُ أن الأيام ستمنحني إياه، ثم أرى المسافات التي اتّسعت بيني وبين أشياء كانت أقرب إليَّ من نبضي، فأدرك أن بعض الفقد لا يأتي في هيئة غياب؛ قد يبقى الشيء في مكانه، وتغادره روحه، ونظل نحن أوفياء لصورته الأولى.

وفي هدأة الليل، تتبدّل ملامح الأشياء؛ يصبح ظلُّ الستارة عابرًا يحمل سرًّا، وتبدو عقارب الساعة كأنها تسوق الوقت إلى محكمةٍ لا قاضي فيها غير الذاكرة. أراقبها وهي تمضي، وأتساءل: كيف يستطيع الزمن أن يعبر فوق أعمارنا بهذه الخفّة، بينما تعجز قلوبنا عن تجاوز لحظةٍ واحدة علقت في حناياها؟

لستُ أخشى الليل، ولا أرتاب من عتمته؛ إنما أخشى تلك المساحة التي يتركها حين يسكت العالم، فأسمع في داخلي أصواتًا ظننتُ أنني أودعتها بئر النسيان. هناك، في أقصى الروح، تسكن كلماتٌ لم أقلها، وعتابٌ لم يجد طريقه إلى صاحبه، وحنينٌ يتخفّى خلف كبرياءٍ أتقنتُ ارتداءه حتى كدتُ أصدّق أنه وجهي الحقيقي.

كم من ليلةٍ ظننتُ أنني أغلقتُ أبوابها إلى الأبد، فإذا بها تعود بمفاتيحها، تطرق نوافذ الروح، وتبعثر في أرجائها رسائل لم تكتمل، وأسماءً غابت عن النداء، ووجوهًا ما زالت تحتفظ في الذاكرة بملامحها الأولى.

وكم من مرةٍ قلتُ لنفسي: انتهى الأمر، وأغلقتُ الحكاية بإحكام، ثم جاءت رائحةٌ عابرة، أو نغمةٌ قديمة، أو كلمةٌ تشبه صوتًا بعيدًا، فانهار الباب الذي ظننته من حجر، وعادت الحكاية تمشي في دمي كأنها كُتبت اليوم. ولعلّ الذاكرة لا تحفظ الأشياء كما وقعت، بل كما تركت فينا؛ تزيد من وهج ما أحببنا، وتمنح الوجع أجنحةً، ثم تطلقه في الليل ليحطّ على صدورنا.
وللسُّهاد وجوهٌ لا يعرفها النائمون؛ وجهٌ يفتّش عن إجابةٍ في سؤالٍ مضى عليه العمر، ووجهٌ يخاصم القدر لأنه لم يأتِ بما انتظرناه، ووجهٌ ثالث يجلس في ركن القلب، لا يطلب شيئًا، ولا يشتكي من شيء، لكنه يرفض أن يبرح مكانه. ذلك الوجه الأخير هو الأشدُّ مراوغة؛ لا يُبكيك كي تنساه، ولا يبتسم لك كي تطمئن إليه، وإنما يظلّ حاضرًا كنجمةٍ بعيدة، تراها ولا تبلغها.

ومع ذلك، لا أكره هذه الساعات التي يطول فيها السهر؛ ففيها ألتقي المرأة التي أخفيها عن ضجيج النهار؛ تلك التي لا تضطر إلى التظاهر بالقوة، ولا تُطالب قلبها بأن يكون صخرًا كلما طرقه الحنين. أتركها تتأمل ما مضى، وتتحسّس مواضع الشروخ، وتجمع من شتات الأيام ما استطاعت، دون أن تلوم نفسها على ما لم تملك تغييره.

وفي أعماقي مدينةٌ أخرى لا يعرفها المارّة؛ شوارعها من الحنين، وأبوابها من الانتظار، ونوافذها تطلُّ على أزمنةٍ لم تعد. فيها أشياء لا يطالها الغياب، وإن غاب أصحابها، وأصواتٌ لا تزال تعبر المسافات، كأن الزمن لم يجرؤ على إطفاء آخر مصابيحها.

ربما كان السُّهاد مرآةً لا تجامل؛ ينزع عن الروح زينتها، ويتركها أمام حقيقتها الأولى، بلا شهودٍ ولا أقنعة. وفي تلك المواجهة، أعرف أنني لم أخرج من كل معاركي منتصرة، لكنني لم أخرج منها فارغة اليدين أيضًا؛ فقد تركت فيَّ الأيام بصيرةً لا تُشترى، وصمتًا يعرف متى يتكلم، وقلبًا تعلّم أن يحمل أوجاعه دون أن يجعل منها سيفًا في وجه الآخرين.

ها هو الفجر يطلّ من شقوق الليل، خجولًا كأنه يستأذن أحزاني قبل أن يدخل. تتراجع الظلال قليلًا، وتستعيد الأشياء أسماءها، وتغادر الذكريات مقعدها إلى حين. أرتّب وجهي للحياة، وأحمل ما تبقّى من الليل في زاويةٍ خفيّة من صدري؛ لا أنكره، ولا أسمح له بأن يكون كلَّ الحكاية.

فما زال في الروح متّسعٌ لضوءٍ لم يأتِ، ولأمنيةٍ لم تذبل، ولنهارٍ قد يحمل على كفّيه ما عجزت عنه الليالي.

أما سُهادي، فليس عجزًا عن النوم بقدر ما هو ازدحامُ حياةٍ كاملة في قلبٍ لا يعرف كيف يُطفئ مصابيحه؛ كلما أغمضتُ عينيَّ، أضاءت في داخلي حكاية، وكلما هممتُ بالنسيان، نهض من رماد الذاكرة طيفٌ يقول لي: ما زال في القلب كلامٌ لم يُقَل.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى