رسائل تائهة «1»
لأنها لن تصل أبداً، فلن يتلعثم لساني، ولن أسبح باستسلام في سيل الأفكار المتزاحمة، كما يفعل كل كاتب حين يمسك قلمه ويتأمل الورقة البيضاء بتردد، فلا يدري كيف ينسج نصاً مقروءاً متسلسلاً لا يشبه كلام المرء في خلواته مع من يحب.
ينتظرني ساعي البريد أمام الباب وهو متذمر، رغم المبلغ المجزي الذي دسسته في جيبه لينتظرني دقائق إضافية، فأكتب رسالتي الأولى، ويحملها في حقيبته المهترئة.
أخبرته بأن الشوق لكتابة رسالتي الأولى سيدفعني إلى إتمامها بسرعة، تنهد بضجر وجلس على الدرج، ثم توجهت بخطوات مسرعة إلى طاولتي، لأكتب لك، هذه الكلمات.
لا أملك رفاهية التذمر أو الشكوى، فهي تُقلق كل من أبتسم في وجهه كل صباح، ولذلك، أقول لك كما أقول لهم دائماً:
"إنني بخير".
وأخيراً، خرجت من غرفتي الصغيرة، وهذا ما أفعله كل يوم، لا أذهب إلى المدينة، ولا إلى الحي المجاور، أمشي في الشارع الذي تجنبت النظر إليه من نافذة غرفتي لسنوات طويلة، أتلفت على الأبواب والنوافذ، على غير ما اعتدت سابقاً، وأحاول اقتناص فرصة حديث عابر أكسر به قيود الوحدة.
استوقفتني امرأة مسنة منذ شهرين تنادي بلهجة بدوية: "يا بني". التفتُ على الفور مبتسماً فسألتني عن الوقت، أجبتها واستأذنت بأدب لأتابع المسير.
راودني شعور بأن الموقف سيتكرر كثيراً، فمن في زمن التكنولوجيا والهواتف المحمولة يستوقف الناس ليسألهم عن الوقت؟
خرجت في اليوم التالي في ذات الوقت، فوجدتها واقفة عند الباب تتأمل المارة ثم رأتني فأشارت إليّ. اقتربت منها وسألتني عن الوقت كما فعلت في اليوم السابق فأجبتها وحين هممت بالانصراف سألتني عن اليوم الذي نحن فيه فأجبت. نظرت إلي وسألتني: "هل أنت متأكد أننا في يوم الأربعاء؟ وأن الساعة الآن الرابعة والنصف عصراً؟ أريد إجابة دقيقة".
أخرجت هاتفي من جيبي ونظرت فيه للحظات ثم رفعت رأسي وأجبتها: "لقد تحققت الآن، نحن في يوم الأربعاء والساعة الآن الرابعة والنصف تماماً".
تكرر الموقف لأيام عديدة، وعرفت أن الحي الذي أقطن فيه منذ سنوات ليس إلا سجناً أكبر من غرفتي، وأن الوحدة هي السجان الذي يحبسنا جميعاً فيه.
لم أشعر بالملل، رغم أنه أشد خطراً على الإنسان من الوحدة، وتغافلت عن كوني رجلاً بالغاً وارتديت ثوب الطفولة في كل مرة أمر فيها من منزلها، وأمنحها فرصة لإجراء أي حديث كما منحتني فرصة للخروج من وحدتي، ولأنها شعرت بالراحة، تجاوزت أحاديثنا العابرة اليومية سؤالها الذي لا يعني شيئاً لمن يحيا في هذه البلاد.
عرفت أنها تعيش وحيدة تنتظر كل يوم أن يزورها أولادها، فيجلبون لها أفخر أنواع الطعام ولكنهم لا يجالسونها، ولذلك، تترك الطعام على الطاولة حتى يفسد، وتدخن الكثير من السجائر، وهو ما قالته لي حين طلبت مني بعض السجائر.
اعتدت تدخين السجائر مع الرفاق في أيام مضت، وفي الليل بين جدران أربعة، وبعد طعام دسم. أما البارحة، جربت التدخين مع امرأة مسنة سئمت من الحياة، واستمعت إليها وهي تخبرني بما سيؤول إليه حالي بعد ثلاثين عاماً.
مررت في اليوم التالي من منزلها فوجدتها تتحدث مع فتاة عشرينية تسألها عن الوقت، توقفت أمامها وألقيت التحية فلم تنظر إليّ، كتمت ضحكتي وغادرت مسرعاً بلا عودة.
لا بأس في ذلك، لعل الحديث مع الفتيات أكثر دفئاً.
عدت إلى المنزل في ذلك اليوم، وكانت المرة الأولى التي لم يستقبلني فيها ابني عند باب المنزل بلهفة، يبدو أن صورة البطل الذي كنته في عينيه قد بدأت تتلاشى، ولن يطول الوقت حتى يدرك أنني لست إلا شخصاً عادياً تطحنه الحياة كل يوم.
لا بأس، لعل الوقت كان متأخراً، دخلت إلى غرفته فوجدته مستلقياً على السرير يحدق في السقف ويحتضن سيارته الحمراء بيديه الصغيرتين. وضعت الحلوى بجانبه وقبّلته على جبينه ثم خرجت من الغرفة.
لست شخصاً مملاً، فها هو ساعي البريد ينتظرني بكل رحابة صدر، رغم تأخري في تسليم الرسالة.
أما ضرباته القوية على باب المنزل، فلا بدّ أنها مزاح، إنني أعرفه جيداً؛ فخلف وجهه الصارم روح مرحة لا تظهر إلا لأصدقائه!
لم ينته الحديث بعد، سأعطيه الرسالة الآن، قبل أن يهوي باب المنزل فلا أظنه يحتمل الصدمات كما نحتملها في هذا الحيّ.
وللحديث شجون، وتتمة، كوني بخير!
