الفقدان ومحاولات النجاة
يُروى في الموروث الديني أن الله خلق آدم ونفخ فيه من روحه، وكرّمه فأسجد له الملائكة وأسكنه الجنة، ثم خلق له من نفسه زوجاً ليسكن إليها، تدفعنا القصة إلى التأمل في حاجة الإنسان إلى الآخرين، فمهما بلغ الإنسان من التكريم والنعيم، لا يستطيع أن يحيا منفرداً بذاته.
وعلى خلاف الاحتياجات التي قد تبدو أكثر مباشرة في تلبيتها، فإن حاجة الإنسان إلى الآخرين أكثر تعقيداً، لارتباطها بجوانب نفسية متعددة، كالشعور بالأمان والانتماء والتقدير، وبالخبرات السابقة التي تؤثّر في طريقة تكويننا للعلاقات والتعامل معها.
من اللافت في تطوّر دراسة التعلّق أن اهتمام علم النفس به لم يبدأ من العلاقات العاطفية التي تشغلنا اليوم، إذ انطلق من دراسة العلاقة بين الطفل ومقدم الرعاية. وفي هذا السياق، فسّر فرويد الارتباط المبكر في ضوء نظريته في الدوافع، مبرزاً دور إشباع الحاجات الجسدية، ولا سيما من خلال الرضاعة.
ثم طوّر الطبيب النفسي البريطاني جون بولبي في أواخر خمسينيات القرن الماضي نظرية التعلق، مقدّماً تصوراً يختلف عن التفسير الفرويدي التقليدي؛ إذ رأى أن التعلق نظام سلوكي تطوري يدفع الطفل إلى البحث عن القرب والحماية من مقدم الرعاية، خاصة عند الخوف والضيق.
وقد دعمت تجارب عالم النفس الأمريكي هري هارلو عام 1958 أهمية التلامس والراحة الجسدية في تكوين الارتباط؛ وقد أظهرت تجاربه على صغار القرود أنها كانت تلجأ إلى الأم البديلة المصنوعة من السلك للحصول على الحليب، ثم تعود لتقضي معظم وقتها مع الأم البديلة المغطاة بالقماش.
ثم طورت عالمة النفس ماري أينسورث دراسة التعلق لدى الأطفال من خلال تجربة "الموقف الغريب"، التي راقبت فيها استجاباتهم للانفصال عن مقدم الرعاية وعودته. وأسهمت نتائجها في تحديد ثلاثة أنماط رئيسية للتعلق؛ الآمن، والتجنبي، والقلق المقاوم. وفي أبحاث لاحقة، أُضيف نمط رابع هو التعلق غير المنظم.
وكانت النقلة المهمة في دراسة التعلق حين بدأ الباحثون يتساءلون عمّا إذا كانت هذه النظرية تفسّر علاقاتنا بعد الطفولة أيضاً. وتحديداً في عام 1987، وضع الباحثان سيندي هازان وفيليب شيفر، دراستهما بعنوان "تصوّر الحب الرومانسي كعملية تعلق"، واقترحا أن العلاقات العاطفية لدى البالغين قد تتأثر بالنماذج الذهنية التي تتشكّل جزئياً بفعل الخبرات السابقة. ومن هذا المنظور، يمكن أن تؤثر تجاربنا المبكرة في الطريقة التي نطلب بها القرب، ونستجيب بها للرفض، ونتعامل بها مع الغياب.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال علاقات البالغين في أنماط التعلق في مرحلة الطفولة؛ فالعلاقات العاطفية تتداخل فيها الخبرات الشخصية والتوقعات والحاجة إلى القرب والاستقلالية، كما أن استجاباتنا قد تختلف باختلاف الأشخاص والظروف.
وهنا تبرز مفارقة العلاقات الإنسانية؛ نحن نحتاج إلى القرب كي نشعر بالأمان، لكن القرب نفسه قد يثير مخاوفنا أو يهدد إحساسنا بالاستقلالية. وهي المفارقة التي تختصرها معضلة القنافذ المنسوبة إلى الفيلسوف آرثر شوبنهاور؛ فكلما اقتربت القنافذ طلباً للدفء، آذتها أشواك بعضها، فتبتعد ثم تعود بحثاً عنه.
تثير نظرية التعلق تساؤلات كثيرة، وأضع أمام القارئ تساؤلاً مؤرقاً؛ ماذا يحدث حين يغيب الشخص الذي نحتاج إليه إلى الأبد، وتبقى حاجتنا إليه حاضرة؟
يشيع في الأزمات النفسية الاعتقاد بأن الوقوف على الأسباب هو الخطوة الأولى للتعامل معها، وهو ما اعتقدت بصحته سابقاً ولكنني لم أعد أراه كافياً، فقد يستطيع الإنسان أن يقضي ساعات طويلة في تحليل مشاعره والبحث عن جذورها، وأن يصل إلى تفسيرات متماسكة لما يعانيه، دون أن يجد في تلك التفسيرات ما يخفف وطأة معاناته ويساعده على تجاوزها. وقد يُردّ بعض ما يعيشه إلى تجارب طفولته، أو إلى أنماط علاقاته المبكرة، ثم يجد نفسه أمام سؤال لم يُجب عنه بعد: ماذا أفعل بكل ما أشعر به الآن؟
ما جدوى أن نشرح لمن يعاني من أزمة نفسية حادة أسباب معاناته إذا لم يساعده ذلك على التعامل معها؟ هل يستقيم أن نخبر الجائع بأن معدته أرسلت إشارة عصبية إلى الدماغ للتنبيه؟ ما الذي ستجنيه الثكلى إن أخبرناها أن ابنها قد رحل عن عالمنا لأنه قاد السيارة تحت تأثير الكحول وفقد السيطرة عليها؟ هل سيمنحها الفهم قدرة على مواجهة الألم؟
لا يعني ما تقدم تجاوز الأسباب والانتقال إلى الحلول مباشرة، ولكن، هناك فرق كبير بين فهم أسباب الألم وطريقة التعامل معه، وهنا، نجد أنفسنا أمام سؤال أكثر إلحاحاً؛ ماذا نفعل حين تنتهي العلاقة، بينما لا تنتهي حاجتنا إلى الشخص؟ هل ننتظر حتى تخفت مشاعرنا، ونؤجل حياتنا إلى أن يحدث ذلك؟ أم نحاول مواصلة الحياة بما نملكه من قدرة، حتى وإن ظلّ في داخلنا شيء لم نستطع تجاوزه؟
أعتقد أنني كنت أميل -في مرحلة ما- إلى الاعتقاد بأن فهم التجربة سيمنحني قدرة أكبر على التحكم في أثرها، لكن التجربة كشفت لي أن الأمر ليس بهذه البساطة. قد يكون الإنسان واعياً لاحتمالات الفقدان منذ البداية، ومدركاً أن بعض العلاقات قد لا تستمر، ومع ذلك لا يكون مستعداً بالضرورة لما سيتركه انتهاؤها فيه. فتوقع الألم ليس كوقوعه، والاستعداد المسبق للفقدان لا يكفي لتحصين النفس.
ولعلّ ما يجعل بعض التجارب العاطفية عصيّة على الاختزال حتى بعد انتهاء العلاقة، هو أن الفقدان أكبر من غياب الشخص عن حياتنا اليومية؛ إننا نفقد معه الكثير؛ مستقبلاً تخيّلناه، أو صورة عن أنفسنا لم نكتشفها إلا في حضوره، أو شعوراً فريداً لم نختبره سابقاً. عندها، يظهر سؤال آخر؛ كيف نتعامل مع كل هذه الارتباطات بعد الفقدان؟
كانت تجارب الفقدان الأخيرة موجعة للغاية، ولم تنفعني التجارب السابقة لاكتساب القوة التي تعينني عليها، فالفقدان، وفق تجربتي، لم يمنحني القوة مع تكرر التجربة، وإنما جعلني أكثر هشاشةً وتبلداً. لقد عجزت عن التعامل مع وحدتي كحقيقة أستوعبها مرة واحدة ثم أمضي في حياتي.
كان الألم أشدّ من قدرتي على احتماله، فوجدت نفسي أجرّب طرقاً مختلفة للتعامل معه. حاولت رفض الحقيقة بالإنكار والتجنّب، ثم لجأت إلى التبرير، وبحثت عن تفسيرات تجعل ما حدث أقلّ إيلامًا، وإلى العقلنة، فحوّلت التجربة إلى مسألة عقلية أحلّلها وأفكّكها، وكأن التعامل معها منطقياً يساعدني على الابتعاد عن مشاعري تجاهها، أو النظر إليها من مسافة آمنة.
ثم حاولت الابتعاد عمّا يعيدني إلى التجربة، بالانسحاب وغيره من السلوكيات التي لم أكن أفهم طبيعتها آنذاك، ومنها ما أستطيع اليوم أن أقرأه بوصفه نكوصاً؛ أي العودة إلى أنماط سلوكية أكثر طفولية تحت وطأة الضغط.
ومع استمرار الألم، انتقلت إلى محاولات أخرى أستطيع، بالنظر إليها الآن، أن أفهم بعضها من خلال آليات دفاعية مثل الإسقاط، حين ننسب إلى الآخرين مشاعر أو دوافع يصعب علينا تقبّلها في أنفسنا؛ والإزاحة، حين نوجّه انفعالاتنا نحو أهداف آمنة غير مصدرها الأساسي؛ والتكوين العكسي، حين نبالغ في إظهار موقف يناقض مشاعر يصعب علينا الاعتراف بها.
وحين لم تمنحني هذه المحاولات ما كنت أبحث عنه، بدأت أتساءل إن كان بوسعي أن أفعل بالألم شيئاً آخر، بدلاً من أن أظل منشغلاً بمحاولة إنكاره أو الهروب منه. ومن هنا بدأت أفكر في آليات أكثر نضجاً، تجعلني منشغلاً في مسار له قيمة في ذاته وليس لمجرد مقاومة الألم والهروب منه.
في إطار التحليل النفسي، يُنظر إلى التسامي بوصفه إحدى آليات الدفاع الأكثر نضجاً، إذ يتيح توجيه الدوافع والانفعالات نحو أنشطة بنّاءة، كالإبداع والعمل. أما التعويض، فيتمثل في محاولة موازنة شعور بالنقص أو العجز من خلال تنمية قدرات أخرى أو تحقيق أهداف تمنح الإنسان شعوراً بالكفاءة والفاعلية. غير أن السعي إلى الإنجاز قد يتحول أحياناً إلى وسيلة للمبالغة في إثبات الذات أو لتجنّب مواجهة الألم، حتى حين يبدو في ظاهره سعياً طبيعياً نحو النجاح.
وهنا وجدت نفسي أمام سؤال يصعب حسمه؛ متى يكون الانشغال بالعمل تحويلاً للألم إلى طاقة منتجة، ومتى يصبح وسيلة للهروب منه؟ وهل يجتمعا في آن واحد؟ أعتقد أن تجربتي تسمح بهذا الاحتمال؛ فقد يكون الإنسان صادقاً في رغبته في النجاح، وفي الوقت نفسه يسعى إليه بقوة لتجنب مواجهة مشاعر لا يستطيع احتمالها. وقد يبدأ الفعل بوصفه محاولة للنجاة من الألم، ثم يكتسب هذا الفعل مع الوقت قيمة مستقلة عنه.
في النهاية، لا زلت في قلب التجربة، أحاول فهمها بقدر ما أستطيع، ولا أملك إجابة شافية عن السؤال الذي بدأت منه؛ ماذا نفعل حين يغيب الشخص الذي نحتاج إليه إلى الأبد، وتبقى حاجتنا إليه حاضرة؟
إنني أخشى لحظات الفراغ التي تعيدني إلى دائرة الألم، ولهذا، أجد نفسي أميل إلى الأهداف الكبيرة؛ فالسعي نحوها يمنح أيامي اتجاهاً، ويتطلب منّي انضباطاً ومثابرة قد يمتدان لسنوات. وربما يخفّ الألم خلال هذه السنوات، وربما أجد نفسي -في أثناء السعي- أتعلم كيف أتعامل معه. ولا أعرف إن اخترت أهدافي لأنني أريد الوصول إليها فحسب، أم لأن الطريق إليها يبعدني عمّا لا أستطيع مواجهته بعد.
أريد أن تكون الأحلام التي أسعى إلى تحقيقها أكبر من مجرد وسيلة للهروب من الألم؛ أن تفتح أمامي أفقاً لحياة لها معنى، وأن أعيشها بتفاصيلها وأستمتع بها.
يجب أن تكون الأحلام كبيرة، كبيرة جداً، بحجم الحياة التي نستحقها ونريدها، وبحجم الألم!
