الثلاثاء ٣٠ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم سميرة جدي

جئنا أم أبينا

منذ أن كان طفلا صغيرا، كان نادر يعتقد أن حياته دور في مسرحية أسند له قبل وصوله للدنيا بوقت طويل، أو أن الحياة عقد أبرم باسمه دون أن يوقع عليه، فقد كانت أدوار مسرحيته موزعة والمقاعد فيها محجوزة وقوانين عقده موثقة وما كان عليه إلا أن يمثل بإتقان وكأنه شريك في كتابة النص.

كل صباح يستيقظ على ذات الإحساس، أنه داخل القصة التي لم يختر بدايتها وعليه أن يكمل فصولها مهما كانت رغبته في تغييرها.

رغم أن اسمه نادر إلا أنه لم يشعر بأنه نادر في شيء، مثله مثل الملايين غيره، الحركة بين المواعيد المعتادة، الوجوه المألوفة وحتى الأحلام المؤجلة، ما كان يميزه عن الباقي هو الاستمرار في طرح الأسئلة.

لماذا ولدت هنا؟ وفي هذا الوقت بالذات؟ وبهذه الملامح وبتلك الظروف؟

لماذا بهذه القيود؟

كل سؤال كان يرتقي به لما هو أكبر وأكثر تعقيدا، حتى أصبحت حياته كغرفة من المرايا كلما حسبه باب الخروج اصطدم بانعكاس جديد.

حاول التجاهل والمقاومة، غير مهنته، انتقل للعيش في بلد آخر، قطع العديد من علاقاته وجدد معارفه، لكنه في كل مرة كان يكتشف أن الهروب لا يغير شيء في رحلاته تلك وأنه في كل مرة كان يحمل نفسه وأعباؤه معه تماما كرجل يقل قطارا مسرعا يتنقل من نافذة إلى أخرى لتبديل المناظر الخارجية في حين السكة نفسها لم تتبدل.

ومع مرور سنوات وخبرته في التأمل لاحظ أن كل شخص ممن يلتقيهم يعتقد أنه القائد لزمام أموره في حين كان الجميع يخضع لقوى أكبر منهم تضمن لهم الزمن الذي لا يؤمن بالتوقف، والأعمار التي تتناقص ولا تتزايد، الظروف المتغيرة والفرص التي تأتي وترحل دون موعد أو استئذان.

حتى أقواهم، لم يقدر على تأجيل شيخوخته يوما واحدا، وأذكاهم لم يستطع توقع الغد وضمان المستقبل، ولا أغناهم كان قادرا على شراء دقيقة إضافية حين يأتي موعد رحيله.

هنا توقف نادر عند نقطة إدراك وعاد ليتساءل من جديد لكن بحكمة

هل المأساة تكمن في كون الإنسان مقيد بما يسمى القدر، أم أنها في انقضاء العمر متوهما أنه حر.

وفي إحدى الأمسيات الشتوية بينما هو يتأمل من خلال نافذة غرفته رأى الناس يهرولون خشية المطر القادم، فجأة شعر أنه يشاهد صورة مختصرة للحياة كلها.

الجميع يركض نحو شيء محدد، البعض يضحي لإنقاذ شيء... البعض يسعى لتحقيق حلم، والبعض الآخر يركض نحو الحب.

لكن الجميع يجهل أين هي نهاية الطريق.

أسدل نادر ستار نافذته فلا يزال يجهل حكمة الأقدار وسر الوجود ولم يجد من يجيبه عن أسألته القديمة، لكنه توصل إلى حقيقة تجمع بين البساطة والقسوة.

لقد جاء إلى هذا العالم دون أن يستشار، وسيغادره كذلك. والمسافة بين الميلاد والرحيل فهي ليست ملكه ولا خارجة عن إرادته بالكامل.

إنها مزيج غامض من الاختيار والإجبار، من الرغبة والرهبة، من السعي والتسليم.

ابتسم وأغمض عينيه، فقد فهم أخيرا أن الحياة لا تشترط أن نفهمها كي نعيشها.

فبعض الرحلات لا تبدأ بإرادتنا، ولا تنتهي بإرادتنا ومع ذلك لا خيار لنا إلا أن نخوضها... شئنا أم أبينا.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى