الخميس ٤ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم سميرة جدي

أشباهي التسع وثلاثون

يقولون ... * يخلق من الشبه أربعين *

كنت أظنها عبارة عابرة، .... لطالما ضحكت منها وتخيلت أن لي تسعة وثلاثين نسخة أخرى تتجول في العالم تحمل وجهي وعيني وأحلامي وآلامي .... حتى جاء اليوم الذي التقيت فيه أشباهي التسعة والثلاثين.

لم يكن ذلك في حلم كامل ولا في يقظة كاملة، ...كان مكانا بينهما، حيث لا يكذب الخيال ولا تقول الحقيقة كل شيء.
وقفوا أمامي في دائرة واسعة.

أربعون وجها متطابقا.

الملامح نفسها ...القامة نفسها ...وحتى طريقة الوقوف نفسها.

مددت يدي نحو أقربهم، فشعرت بالخوف، لم أخف منه، بل من فكرة أن أكون هو
سألته:

 من أنت؟

قال: أنا أنت .... لو استسلمت أول مرة سقطت فيها.

ثم تقدم آخر:

 وأنا أنت .... لو انتقمت ممن ظلمك.

وقال الثالث:

 وأنا أنت ... لو قلت كلمة الحب التي أخفيتها لسنوات.

أما الرابع، فكان يحمل في عينيه حزنا عميق يشبه الحزن الذي في عيناي:

 وأنا أنت... لو رحلت يوم أردت الرحيل ولم تبق من أجل من يحبونك.

بدأوا يمرون امامي واحدا تلو الآخر.

كل واحد منهم كان نسخة من حياة لم أعشها ....

قرارا لم أتخذه، ... طريقا لم أسلكها...

كنت أراهم فأشعر أن بيني وبينهم خطوة واحدة فقط، خطوة صغيرة كان يمكن أن تغير كل شيء.

هناك نسخة مني أصبحت مشهورة لكنها فقدت خصوصيتها.

ونسخة أخرى عاشت مجهولة لكنها احتفظت بقلبها.

واحد مات وحيدا لأنه اختار الكبرياء.

وآخر عاش محاطا بالناس لأنه تعلم الاعتذار.

عندها أدركت أن الإنسان ليس ما حدث له، بل ما اختار أن يفعله بما حدث له.

وفي آخر الدائرة وقفت نسخة صامتة.

لم تتكلم.

كانت تنظر إليّ فقط.

اقتربت منها وسألت:

 وأنت ...من تكون؟

فأجابت بصوت يشبه صوتي تماما:

 أنا الشخص الذي كان من الممكن أن تصبحه لو توقفت عن الخوف.

سكت الجميع.

أما أنا فشعرت أن الأرض تميد تحت قدميا.

التفت إليهم وسألت بثقة:

لكن .... أيكم الأسعد؟

نظر بعضهم إلى الأرض، وأشاح بعضهم بوجهه، وابتسم آخرون ابتسامات باهتة.

ثم أجاب أكبرهم.

 لا أحد.

 كيف؟

 لأن كل واحد منا قضى عمره يتمنى أن يكون واحدا من الآخرين.

ساد الصمت ...وعندها فقط فهمت المأساة.

لم يكن بيننا تعيس وسعيد...ولا رابح وخاسر.

كان بيننا أربعون إنسانا يحدق كل منهم في حياة ليست له، ويظن أنها كانت ستكون الأجمل والأفضل.

للمرة الأولى لم أر شبها في الملامح، بل رأيت الفرق بين ما أنا عليه وما يمكن أن أكون عليه.

وقبل أن يختفوا، قالوا بصوت واحد:

 نحن لسنا أشباهك لأننا نحمل وجهك ...نحن أشباهك لأننا نحمل احتمالاتك .... نحن لم نخلق إلا لنعلمك أن الندم يملك ألف وجه، أما الرضا فله وجه واحد.

ثم تلاشى المكان.

واستيقظت.

وقفت أمام المرآة طويلا.

رأيت وجها واحدا فقط.

لكنني عرفت أن خلفه تسعة وثلاثين إنسانا ماتوا حين عزمت الاختيار وعاشوا حين ترددت، وانتظروا في الطرق التي لم أسلكها.

ومنذ ذلك الحين ...كلما سمعت المثل القائل * يخلق من الشبه أربعين * أبتسم وأقول في سري:

لا... * يخلق من الوجه أربعين * أما الروح فلا يخلق منها إلا واحدة، ولذلك يكون فقدانها أفدح من فقدان العالم كله.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى