الاثنين ٢٠ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

تجسيد المجرد وتفكيك التجربة في ثلاث قصائد لـ عباس بيضون

يُعدّ الشاعر عباس بيضون أحد أبرز الأصوات التي أسهمت في ترسيخ قصيدة النثر العربية بوصفها فضاءً مفتوحاً للتأمل والاختبار، لا بوصفها مجرد بديل شكلي عن القصيدة الموزونة. فمنذ بداياته، انشغل بإعادة صياغة العلاقة بين اللغة والوجود، وبين الصورة والمعنى، حتى غدت قصيدته قائمة على اقتصاد لغوي شديد الكثافة، يقابله اتساع دلالي يجعل النص قابلاً لإنتاج قراءات متعددة.

لا يكتب بيضون التجربة بوصفها حدثاً مكتملاً، وإنما بوصفها حركة وعي تتجلى أثناء الكتابة نفسها؛ لذلك تبدو قصائده أقرب إلى مناطق الالتباس منها إلى مناطق اليقين، إذ يبتعد عن المباشرة والخطابية، ويستعيض عنهما بلغة تتقدم عبر الانزياحات والاستعارات والانتقالات المفاجئة بين الحواس، فتغدو الصورة الشعرية مجالاً للتفكير بقدر ما هي مجال للإحساس.

وتتسم شعرية بيضون أيضاً بقدرتها على تحويل المفاهيم المجردة، كالنوم والنسيان والحنين والرغبة والجسد والزمن، إلى كيانات حسية قابلة للبروز داخل النص؛ فلا تبقى هذه المفاهيم مجرد موضوعات، بل تتحول إلى عناصر فاعلة في بناء القصيدة. ولهذا تتراجع الحكاية التقليدية لصالح التدفق الإدراكي، ويغدو المعنى نتيجة لحركة النص لا مقدمة له.

كما تتضح من خلال قصائده أن الذات لا تستقر في موقع ثابت، بل تظهر بوصفها كياناً متحولاً يتردد بين الحضور والغياب، وبين التذكر والنسيان، وبين الامتلاء والفراغ. ومن هنا تتولد خصوصية صوته الشعري؛ إذ لا يمنح القارئ إجابات جاهزة، بل يدفعه إلى المشاركة في إنتاج المعنى، عبر نصوص مفتوحة لا تُستنفد في قراءة واحدة.

نحن هنا أمام ثلاث قصائد تمثّل نموذجًا واضحًا لهذه الشعرية؛ إذ تتوزع بين تأمل النوم بوصفه تجربة وجودية، والنسيان بوصفه معضلة للوعي، والجسد بوصفه فضاءً للرغبة والذاكرة والأسطورة؛ وهي موضوعات تتداخل جميعها ضمن رؤية شعرية تجعل من اللغة نفسها مجالاً لاختبار المعنى وإعادة بنائه.

(1) أغنية للنوم

كان يمكن أن يكونَ هذا

هو النوم

ذلك يعني أن أطبَعَ صورتي

على أواخر الليل

أفهمُ أنّ ذلك لن يكونَ دائماً في الإمكان

يحتاجُ الأمرُ إلى سقطةٍ على الأقلّ

لكنّي لا أزالُ أطفو

أحياناً يأتيني نشيدٌ من تحت

إنّه حلمٌ خادعٌ

يمكنُ أيضاً أن تغنّيَ لي عيناي

أن أنشرَ مِن حولي نِثاراً مِن نُعاسٍ

ودقائقَ كسولةً

يمكنُ أن يرفعَني شيءٌ إلى السقف

أعلى بقليلٍ من الحافة

حيث لا أقوى على الحراكِ فوق بساطٍ ممدود.

تبدو هذه القصيدة كأنها تفتح باباً خافتاً بين حالتين لا تلتقيان إلا في مناطق الالتباس: اليقظة والنوم. ومن هنا يمكن اتخاذ مدخل القراءة؛ إذ لا تتعامل القصيدة مع النوم بوصفه حالة بيولوجية بسيطة، بل بوصفه تجربة إدراكية ملتبسة، ومحاولة مستمرة للوصول إلى غيابٍ مكتمل لا يتحقق. فالمتكلم لا "ينام" بقدر ما يدور حول فكرة النوم، يقترب منها ويبتعد، يعرّفها بالنفي أكثر مما يعرّفها بالحضور، وكأن النوم نفسه فكرة مؤجلة أو مستحيلة التحقق الكامل.

في هذا الأفق، تبدأ القصيدة بجملة شرطية تحمل إمكاناً لم يتحقق: "كان يمكن أن يكون هذا هو النوم"، وهي صيغة تضعنا مباشرة في منطقة الافتراض، لا في التجربة المتحققة. هذا الافتتاح لا يصف النوم، بل يضعه في خانة الاحتمال الضائع، ويحوّله إلى صورة ذهنية أكثر منه حالة واقعية.

ثم يتبع ذلك بفعل "أن أطبَع صورتي على أواخر الليل"، وهو تعبير ينطوي على رغبة في ترك أثر داخل زمن يتلاشى، أي أن الذات لا تريد أن تختفي في النوم، بل أن تظلّ مُثبّتة فيه، وهو تناقض جوهري؛ فالنوم محوٌ للأثر، بينما الطبع تثبيت له. من هنا يتشكل التوتر الداخلي للنص.

تتعمق هذه المفارقة حين يعترف المتكلم بأن الأمر "لن يكون دائماً في الإمكان"، وأنه "يحتاج إلى سقطة على الأقل"، وكأن النوم سقوط لا بد منه، أو انقطاع وانهيار طفيف في وعي الذات. غير أن هذا السقوط لا يحدث؛ لأن المتكلم "لا يزال يطفو"، والطفو هنا حالة وسطى، لا هي يقظة مستقرة ولا هي نوم مكتمل. إن الطفو يرمز إلى تعليق الوجود، إلى حالة لا قرار فيها، وهو ما يعيد تعريف النوم كفعل يحتاج إلى حسم، بينما الذات عاجزة عن هذا الحسم.

تنتقل القصيدة بعد ذلك إلى بناء مشهدي أكثر غموضاً عبر "نشيد يأتي من تحت"، وهو تعبير يفتح أفقاً سمعياً داخلياً، كأن اللاوعي نفسه يغني، أو أن الأعماق تبعث بإشاراتها المشوشة. لكن هذا النشيد يُوصَف فوراً بأنه "حلم خادع"، مما يسحب منه صدقيته ويعيده إلى دائرة الشك. هنا لا يعود الحلم ملاذاً، بل خدعة إضافية، وطبقة أخرى من الالتباس بين الحقيقة والوهم.

وفي لحظة لافتة، تُسنِد القصيدة فعل الغناء إلى العينين: "يمكن أيضاً أن تغني لي عيناي"، وهو تحويل للحواس عن وظائفها المعتادة، حيث تصبح الرؤية صوتاً، وتتحول العين من أداة إدراك خارجي إلى مصدر داخلي للإيقاع. هذا الانزياح يعكس تداخل الحواس الذي يميز حالات ما قبل النوم، حين تتفكك الحدود بين الإدراك الحسي والتخييل.

ثم تتسع الدائرة عبر صور مثل "نثار من نعاس" و*"دقائق كسولة"*، وهي صور تنتمي إلى اقتصاد لغوي ناعم، يشتغل على التبديد والتفكك لا على التماسك. فالنعاس لا يأتي ككتلة بل كنثار، والزمن لا يمضي بوحدات دقيقة صارمة بل بدقائق متراخية. إن الزمن نفسه يفقد صلابته ويتحول إلى مادة رخوة قابلة للتشظي.

تبلغ القصيدة ذروتها في صورة الارتفاع: "يمكن أن يرفعني شيء إلى السقف، أعلى بقليل من الحافة"، وهي صورة توحي بانفصال الجسد أو الوعي عن الأرض، لكن هذا الارتفاع ليس تحرراً بل تعليق جديد؛ لأن المتكلم يصل إلى "حيث لا أقوى على الحراك". فالصعود هنا لا يقود إلى انعتاق بل إلى عجز آخر، إلى شلل يذكّر بحالات النوم غير المكتمل. وينتهي المشهد بـ*"بساط ممدود"*، وهو سطح يوحي بالاستعداد، لكنه في الوقت ذاته يرسّخ حالة السكون القسري.

ما تكشفه القصيدة في مجملها هو أن النوم ليس نهاية للحركة، بل ذروة توترها الداخلي. إنه حالة يُراد بلوغها ولا تُنال، ويُظن أنها راحة لكنها تنطوي على خداع. اللغة نفسها تواكب هذا الاضطراب؛ إذ تعتمد على أفعال الاحتمال "يمكن"، وعلى صور غير متضحة تماماً، وعلى انتقالات مفاجئة بين الحواس. لا يوجد سرد خطي، بل تدفق إدراكي متشظٍ يعكس طبيعة التجربة.

بهذا المعنى، تنجح القصيدة في تحويل النوم من موضوع إلى إشكالية، ومن حالة إلى سؤال مفتوح. إنها لا تمنح القارئ يقيناً، بل تدخله في تجربة التردد نفسها، حيث يظلّ المعنى معلقاً، كما يظلّ المتكلم طافياً في مساحة لا تستقر على حال، وتبقى قابلة للتأويل مع كل قراءة جديدة.

(2) أمثولة للنسيان

أحياناً أفكّر أنّ شيئاً ما يحدث

كلَّ مرّةٍ أنسى

ثمّة إنشاءاتٌ للنسيان

لكنْ من الصعب أن أدخل

إذ ما الفائدةُ أن تكونَ حياتي خلفي

أو أن يكونَ كلُّ شيءٍ آثارَ أقدام

ما الفائدةُ في أن أمنحَها اسمي

وأن أقضيَ القليلَ الباقي

في العودة إلى الوراء

أو أصدّقَ أنّ هذا الهديرَ بلا معالم

قد مرّ فيه إنسان

عليّ أن ألتقيَ بالحنين

وأن يكونَ ذلك سهلاً ورخيصاً أو بلا سِعر.

بدايةً، يمكن القول إن ثمة نصوصاً لا تُقرأ بوصفها بنية حكاية، بل بوصفها عتبةً لوعيٍ يتراجع، أو يحاول أن يلتقط نفسه في مرآةٍ متأخرة. من هذا المنطلق يمكن الاقتراب من قصيدة "أمثولة للنسيان"، حيث لا يكون النسيان موضوعاً خارجياً يُحكى عنه، بل حالةً داخلية تتكاثر وتعيد رسم العلاقة بين الذات وزمنها. إنّ القصيدة تفتح بابها من فكرة تبدو عابرة: التفكير في حدوث شيء ما كلما وقع النسيان، لكنها سرعان ما تُحوّل هذا العابر إلى مركز ثقل، كأن النسيان نفسه فعلٌ مُنظَّم، أو مشروعٌ قائم بذاته، لا مجرد خلل عارض في الذاكرة.

في هذا السياق، يبرز التعبير "إنشاءات للنسيان" بوصفه استعارة لافتة؛ إذ ينقل النسيان من حيّزه النفسي إلى حيّز مادي شبه معماري، وكأن الشاعر يقترح أن النسيان ليس فراغاً بل بناءً له جدرانه ومساراته، وله أيضاً صعوبة الدخول إليه. هذه المفارقة تكشف عن توتر داخلي: فالرغبة في النسيان تقابلها عتبة يصعب تجاوزها، كأن الوعي يقاوم هذا البناء الذي يسعى إليه، ليتحول النسيان إلى مهمة معقدة تحتاج إلى خسارة مسبقة.

يتكثف هذا التوتر حين يطرح النص سؤال الجدوى: "ما الفائدة أن تكون الحياة خلفي؟" إنّ هذه الجملة لا تُعالج الماضي بوصفه ذكرى، بل بوصفه كتلة تُثقل الحاضر وتدفع الذات إلى التفكير في موقعها الزمني. فالماضي في القصيدة امتداد يحاصر الحاضر ويعيد تعريفه، لذلك تتوالى الصور المرتبطة بالأثر: "آثار أقدام"، "العودة إلى الوراء"، وكلها إشارات إلى أن الزمن لا يُمحى بل يُترك كعلامة تدلّ على عبورٍ لا يمكن إنكاره.

ومع ذلك، فإنّ القصيدة لا تستسلم لهذا الثقل دون مساءلة، بل تذهب إلى تفكيك فكرة الهوية نفسها حين تقول: "ما الفائدة في أن أمنحها اسمي". هنا تتبدى أزمة أعمق؛ إذ لا يعود السؤال عن النسيان وحده، بل عن العلاقة بين الاسم والتجربة. كأن الشاعر يشكك في جدوى نسب الماضي إلى الذات، وكأن الاسم ذاته عبء إضافي يرسّخ ما تحاول الذات أن تتحرر منه.

وفي مستوى آخر، تشتغل القصيدة على صورة الصوت أو "الهدير الذي بلا معالم"، وهو تعبير يفتح أفقاً تأويلياً واسعاً؛ إذ يمكن قراءته كصدى للزمن، أو كضجيج الذاكرة. لكن المفارقة أن هذا الهدير، رغم افتقاره إلى المعالم، يُفترض أنه "مرّ فيه إنسان". هذه الإشارة تعيد الاعتبار للوجود الإنساني وسط الفوضى، لكنها في الوقت ذاته تُبرز هشاشته، إذ يبدو هذا المرور بلا أثر محدد، كأنه حدث ولم يحدث في آنٍ واحد.

أما اللقاء بالحنين، الذي يُفترض "أن يكون سهلاً ورخيصاً أو بلا سعر"، فيحمل سخرية خفية؛ إذ يُقدَّم الحنين كسلعة يمكن الحصول عليها بسهولة، بينما هو في الواقع أحد أثقل التجارب وأكثرها تعقيداً. هذه المفارقة تضعنا أمام نقد ضمني لمحاولة تبسيط المشاعر العميقة وتحويلها إلى أشياء قابلة للاستهلاك العابر.

بهذا المعنى، تكتب القصيدة عن استحالة النسيان الكامل في ظل وعيٍ لا يتوقف عن مساءلة ذاته. إنها تقيم في المنطقة الرمادية بين التذكر والنسيان، وتتحول إلى فضاء شعري يتكاثر فيه السؤال حيث لا يكون الزمن خطاً مستقيماً، بل دائرة أو متاهة تحاول الذات أن تجد فيها مخرجاً.

(3) ضوء جسدي

ضوءٌ قَويٌّ

ضوءُ شهرٍ

مضغوطٌ في وجهكِ

الرَّغبة تجدُ إيقاعاً

إنَّها رجع الوِصال

الذي يَفوح

بعد عودة الجسدِ إلى إغماضتهِ

الجسدُ الذي نتفقدهُ

بيدِ الحبيبِ

بيدِ الحبيسِ

متذكِّر دائماً

مغفل دائماً

ليس عليكِ أن تَنتقلي

مكانكِ.. انطبقَ الجسدُ على ودائعهِ

مكانكِ ابتل

وعاد للنسيم

مكانكِ خرجَ واضحاً

من الموج.

مكانكِ

ولد فوراً على الرابية

أشياء الحجرة وحدها

تعرفُ تاريخهُ

جميعها كانت تَشيخ

بمعرفته وشكِّها

قبل أن تدخل إلى الأسطورة

ليس عليكِ أن تَنتقلي

بيدين قليلتين:

تصبحُ اليابسة مُمهَّدة

ترجع الأشياء

إلى عُلبة النذور

بحركاتٍ أقل:

تُعدين الصباحَ للشموع

ترمينَ منديلاً في الأسطورة

تقفين على البلاط

ويطلُّ عليكِ العموم

من نوافذ الزفاف

الرِّقَّة أختٌ أخرى

والصمتُ يشيعُ كالحرارة

ليس عليكِ أن تتركي مكانكِ

إننا على الأبهاءِ لا السِّكَكِ

البحيرةُ تدخلُ في مريولكِ

الثلجُ في الآنية

القبلةُ ستطول

أكثر من حفلةِ القَصر

كلماتُكِ أيضاً قليلة

كبذورٍ لغابات غد

كلماتٌ قليلةٌ

على هلال جسدكِ

على الحَلمتيْنِ كوكب

الذَّاكرة

والصرخةُ التي تخرجُ

من جذركِ

أنا بعيدٌ

الأيامُ تسقط كندى

عليكِ وعليّ

ووصالكِ من شَهرٍ

ضوءُ جَسدي.

تدخل هذه القصيدة من باب مغاير، إذ لا تستدعي الجسد بوصفه مادة عابرة، بل بوصفه فضاءً للاتصال، وانغماساً في ذاكرة الرغبة والوصال. فالقصيدة تتخفف من صخب العالم الخارجي لتصغي إلى الإيقاع الأعمق، إيقاع الجسد وهو يستعيد ذاته. بهذا المعنى، يصبح الضوء الذي يفتتح النص ليس ضوءاً فيزيائياً، بل كثافة شعورية وضغطاً داخلياً يتجمع في "وجهكِ" ليعلن منذ البداية أن العلاقة بين المتكلم والمخاطبة ليست علاقة وصفية، بل علاقة تداخل حسي يتماهى فيها الضوء والجسد.

تتحرك القصيدة على هذا التوتر بين الامتلاء والانكماش، بين "ضوء قوي" و*"شهر مضغوط"*، لتبني عالماً تتجاور فيه الصور دون أن تنصهر تماماً، وكأن الشاعر يعمد إلى تفكيك التجربة الحسية ثم إعادة تركيبها عبر ومضات متقطعة. الرغبة هنا "تجد إيقاعاً"، أي أنها تبحث عن نظامها الخاص داخل التدفق الشعري، وهذا ما يمنح النص طابعه الحلمي، حيث الأشياء لا تتحدد بصرامة بل تتشكل عبر انتقالات سريعة.

ومن اللافت أن الجسد في القصيدة كيان يتبدل موقعه ووظيفته باستمرار؛ فهو مرة "يعود إلى إغماضته"، ومرة "نتفقده بيد الحبيب"، ومرة ينطبق على "ودائعه". هذا التحول المستمر يخلق شعوراً بأن العلاقة مع الآخر تتأرجح بين الحميمية والاحتجاز، وهو ما يتجلى في المقابلة الذكية بين "الحبيب" و*"الحبيس"*، حيث تتحول اليد ذاتها إلى أداة وصل وأداة قيد في آن واحد.

تتقدم القصيدة عبر تكرار لافت لجملة "ليس عليكِ أن تنتقلي"، وهي جملة تحمل في ظاهرها طمأنة، لكنها في عمقها تكشف عن رغبة في تثبيت اللحظة الحميمية ومنع التلاشي. هذا الثبات ليس سكوناً مطلقاً، بل هو امتلاء داخلي يجعل المكان نفسه كائناً حياً يتفاعل مع الجسد ويعيد إنتاجه ("مكانكِ انطبق الجسد على ودائعه"، "مكانكِ ابتل وعاد للنسيم"). المكان هنا امتداد للجسد، ولذلك تكتسب التفاصيل الصغيرة، مثل الحجرة وأشيائها، قيمة الشاهد على تاريخ سرّي لا يُروى إلا عبر الإيحاء.

ومع دخول الأسطورة في النص، يتسع الأفق الدلالي ليوجه الأفعال البسيطة نحو طقوس شعائرية: "ترجع الأشياء إلى علبة النذور"، "تعدين الصباح للشموع"، "ترمين منديلاً في الأسطورة". هذه الصور ترفع الحب إلى ممارسة ذات بعد رمزي يتجاوز اللحظة المباشرة، ومع ذلك، يظل النص حريصاً على إبقاء هذا البعد الأسطوري مشدوداً إلى تفاصيل حسية ملموسة (البلاط، النوافذ، المريول) مما يحمي القصيدة من التجريد الجاف.

الإيقاع الداخلي للنص يتشكل من التوازن الدقيق بين القلة والكثرة، بين "بيدين قليلتين" و*"كلمات قليلة"* وبين امتداد الدلالة. القلة هنا تكثيف، إذ تتحول الكلمة القليلة إلى بذرة "لغابات غد"، ما يضفي على اللغة بعداً زمنياً مستقبلياً، يلتقي مع صورتي "الهلال" و*"الكوكب"* ليتحول الجسد إلى فضاء كوني مصغر تتقاطع فيه الذاكرة والصرخة الحية.

في المقطع الأخير، يعود الصوت إلى الاعتراف بالمسافة: "أنا بعيد"، لكنها مسافة وسيطة لا تلغي الاتصال؛ فالأيام تنهمر كـ*"ندى عليكِ وعليّ"*، ويأتي "وصالكِ من شهر" ليغلق النص على دائرته الدلالية الأولى، حيث الضوء والجسد والوصال عناصر متداخلة في بنية واحدة.

ينتهي النص بإبقاء المعنى في حالة تبلور مستمر، مؤكداً شعرية عباس بيضون القائمة على فتح النص أمام تأويلات القارئ دون استنزاف طاقته الإيحائية.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى