السبت ٦ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم نجيب طلال

أين الفنان زكي الهواري؟

بداهة من حق أي كان أن يتكلم أو يكتب عن الملحمي"بريشت"أو"الطليعي"جان كوكتو"أو سوسيولوجي"إدغار موران"أو الممثلة"لوبوف أورلوفا"السوفياتية الأصل أو الممثل الفرنسي"روبرت مور"أو المخرجة"أريان موشكين"أو الممثل السوري"انذري سكاف"أو الشاعر والناقد"لويس بورخيس"أو الفنان المصري"يحيى الفخراني"أو الممثل الأمريكي"مورغان فريمان"... ولكن ليس من المشروعية أن نهمل أونتغافل في كتاباتنا وأبحاثنا المسرحية عن طاقات وفعاليات مبدعة بشكل مثير و فعال في المشهد الثقافي والفني ببلادنا، لأننا نحن من نجعل مطرب الحي يطرب أو لا يطرب (؟) ارتباطا بممارسة اللامبالاة التي أمست ظاهرة شديدة التعقيد وتتداخل فيها أبعاد متعددة، كأي ظاهرة اجتماعية ونفسية وسلوكية، لكن حتى لا نتيه في سراديب السفسطة، فاللامبالاة لم تعد مجرد سلوك فردي و لا تعبر أصلا عن التحولات الإجتماعية والثقافية، بقدر ما ترتبط بالعنف الرمزي الذي نمارسه فيما بيننا( !) نتيجة تفاقم المناورات وتناسج الحساسيات والفوضى الميدانية التي يعيشها المثقف والمبدع تجاه رفيقه وزميله نموذج (اتحاد كتاب المغرب) أو النقابات الفنية المهنية( !) إذ يفترض فيما بيننا الدفاع عن قيم الحوار والتنوير والانفتاح. فبدل أن تتحول الاختلافات إلى مصدر للإثراء الفكري والجمالي، أضحت في كثير من الأحيان سببًا للقطيعة والتنافر وصناعة الجدران الوهمية بين الفاعلين الثقافيين. وهكذا تتسع دائرة اللامبالاة، لا باعتبارها موقفًا سلبيًا فحسب، بل بوصفها آلية غير معلنة لإقصاء الآخر وتهميش حضوره الرمزي. أوبالأحرى أعتبر[ اللامبالاة] في سياق موضوعنا: آلة للمحو أو الإبادة الناعمة التي تحقق أهدافها وبدون ضجيج.وفي ظل هذا المناخ، يصبح الإبداع نفسه مهددًا بفقدان أحد شروطه الأساس، وهو التفاعل الخلاق بين الذوات والتجارب المختلفة. فالإبداع أو الثقافة بشكل عام لا تزدهر بالعـزلة والمناورات، ولا تنمو في مربعات الإقصاء والتهميش؛ وفي بيئة يسودها الشك المتبادل وتصفية الحسابات الضيقة....

لكن المفارقة المثيرة: أقلام وأسماء تحضر بل تسقط من كل فج عميق لتدون ما لا تعلمه ولم تعشه مع الفقيد، وهنا أفواه تنفتح وتطنب بلاغة لحظة وفاة أحد الأدباء أو فنان في الفنون المشهدية، تذكر وترتل في مناقب وخصال الراحل كأنه (كان) مطرب الحي الذي يطرب، إنه النفاق الفني، والرياء الإيديولوجي، ناهينا عن الذين رحلوا في صمت رهيب، صمت قصدي مدخله [ اللامبالاة]؟ مدعاة هذا القول الجارح قضية وفاة الراحل"نبيل لحلو"(1) وذاك الإطناب اللغوي/ الديماغوجي، الذي أعقب رحيله،أما"الطيب الصديقي"برحيله (هناك) ركام من النعي الباطل (؟) ويمكن أن نلطف المفردة، بأنه لا رغبةً لنا في التجريح، بل تعبيرًا عن خيبةٍ إزاء مشهدٍ ثقافي وفني تُمنح فيه المكانة أحيانًا على أساس المجاملة وتبادل المصالح، أكثر مما تُمنح على أساس الكفاءة والإبداع.

يا لها من حماقة (؟) وكما يعـبر [سوفوكليس] في بعض مسرحيات بأن: الحـمـاقـة أخــت الــشــر. ومن الحماقة ألا يكون لدينا إعلام فني مواكب ويواكب المستجدات، وبين الحين والحين يتذكّر ويُذكـرنا بالفنان المحلي ومنحه المساحة التي يستحقها وفاء واعترافا له. وإشراكه في دينامية ثقافية تعترف بعطائه، وفي الوقت نفسه يصالح الجمهور مع رموزه الفنية. ويساهم إلى أبعد حـد في فتح زاوية من زوايا الحلم والأمل حاملا رداءه الأبيض ليس سلما ولا استسلاما بل إشراقة وضاحة.. وفي هذا السياق فلا أحد منا استطاع أو حاول أن يطرح سؤال العنوان"أين هو الفنان زكي الهواري؟(2) طبعا هو على قيد الحياة، رفقة العمر المديد والصحة والعافية له ولغيره. لكنه اختفى من الساحة الفنية والإذاعية والسينمائية، ماهي الأسباب والدواعي، بعيدا عن مفهوم"التقاعد"لأن الفنان كالمحامي لا تقاعد له، وبالتالي فمثل هذا المبدع"زكي الهواري بدل أن يكون واجهة ثقافية ومادة للإشتغال سواء في فنية الإلقاء والتشخيص والتأليف الإذاعي وتجربته السينمائية. يُقصَى عن طريق التناسي و التجاهل التام ولاسيما أنه طاقة من الطاقات الوطنية، والذي يحمل تاريخا إبداعيا منذ انخراطه في إحدى الجمعيات بمدينة فاس أواسط الأربعينيات من (ق،م) والتي أسسها"أحمد العبدي"وبعدها في جمعية أسسها"عزيز السغـروشني الذي انفصل عن"العبدي"وإبان الاستقلال انخرط في جمعية كانت تضم نخبة لها رصيد فني وتجربة تستحق الاحترام من بينهم الراحل عبد الوهاب الدكالي. وكان يقودها مخرج فرنسي(3) حيث شارك في مهرجانات مسرح الهواة في بدايته، وبعدها التحق بفرقة المعمورة وفرقة التمثيل العربي بإذاعة"الرباط"حيث ساهم في كتابة نصوص للتمثيل الإذاعي مثل"البشارة/

حيث شارك في العديد من المسرحيات والمسلسلات والأفلام الأجنبية والمغربية، باللغة العربية الفصحى والدارجة المغربية ولهذا:"كان فنانا كبيرا وليس بالصدفة، بل هو فنان أصيل له طموحات كثيرة، والذي لا يعلمه الكثير هو أن زكي الهواري في كبره درس اللغة الإنجليزية واللغة الإيطالية وبفضلهما شارك في السينما الإنجليزية والسينما الإيطالية.وهكذا أصبح يتوفر على لغتين أجنبيتين بالإضافة إلى الفرنسية. أما اللغة العربية فحدث ولا حرج. اللغة العربية كان متحكما في أدواتها وكان متعصبا لها، لا يسمح لأي كان أن يتجنى عليها أو يخطئ أو يلحن فيها...(4) دون أن نغفل صوته المتميز عن بقية رفاقه في الفرقة. كأنه واقف أمامك وليس عبر الأثير، وبالمناسبة فإثارتي الفنان"زكي الهواري"أنموذج بعطائه وسلوكه المتميز مثل العديد من المبدعين والفنانين الذي هم خارج الأضواء، ولا يفضلون البهرجة، ولكنهم طاقة و ذاكرة فنية،مثل من تم تغيبهم وعدم النبش عنهم كنماذج فاعلة في فن التشخيص والإلقاء وتركوا بصمات مائزة ثم تواروا للخلف أو حجبهم ستار الكواليس (مثل) لطيفة العذراوي/المكي المنصوري/ محمد الطبعي/مصطفى تاه تاه/ إبراهيم وردة/سميرة الهواري/عبد العزيز الناصري/أحمد الخمليشي/ محمد الخمسي/.../ وبالتالي فإنصافهم وهم أحياء بالتأكيد ليس ترفًا أو شهوة عابرة، بل قاعدة أخلاقية قبل أن يكون واجبا ثقافيا مستقبلًا عن عوالم اللوبيات والكولسة.

الاستئناس:

1- انظر - مأساة المسرح في المغرب: لنجيب طلال صحيفة ألوان المغربية في30 مايو2026

2- طرحنا السؤال قصدا كالعادة في جدارية الفايس بوك بتاريخ- 04/06/2026- لجس نبض التفاعل إشكالية[اللامبالاة] قائمة، والأرقام تشهد بشهادتها علينا:عدد المتفاعلين (22) عدد المشاهدين (1377) عدد المعلقين(3)

3- لم نذكر اسم الجمعيات،لأن هنالك بعض المترصدين والمتربصين، بعضهم يعلنون أنهم يوثقون للحركة المسرحية في المغرب(لكن) بدون عناء وبحث مضني، ولاسيما أنهم لم يمارسوا المسرح إطلاقا، ولم يتمرغوا في غبار الركح

4- شهادة عزيز موهوب: زكي الهواري الممثل المحترف الحريص على اللغة العربية - جريدة بيان اليوم في 22/يونيو/2012


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى