موت حمامة زرقاء
أنهى الشاعر قصيدته. كان قد أمضى عشر دقائق يحفر نفقًا بين الواقع والحلم. عشر دقائق كاملة، لم يكن يسمع خلالها إلا صوته، وهو يصعد وينزل بين الكلمات، كمن يمشي في بيت قديم لا يعرف عدد غرفه. توالدت (…)
أنهى الشاعر قصيدته. كان قد أمضى عشر دقائق يحفر نفقًا بين الواقع والحلم. عشر دقائق كاملة، لم يكن يسمع خلالها إلا صوته، وهو يصعد وينزل بين الكلمات، كمن يمشي في بيت قديم لا يعرف عدد غرفه. توالدت (…)
في البدءِ... لم يكنْ إلا حجرٌ يحلمُ بشجرة. وكانتْ عشتار تنثرُ على التراب قلبَها، فتنهضُ السنابلُ من نومِ الطين. وفي الجهةِ الأخرى... كانتْ عناة تشحذُ الريحَ برمحٍ لا يصدأ. منذ ذلك الوقت... (…)
في عتمة القبو الذي تفوح منه رائحة القماش العتيق وزيت آلات الخياطة، كان مقصك يلتهم الفراغ بصوته الرتيب: «تك... تك... تك». لم تكن تخيط ثياباً للبشر، بل كنت تنسج، بيقين بارد، جلوداً بديلة لكيانات (…)
منذُ أنْ أضاعَ الليلُ أوّلَ نجمةٍ... خرجَ أول حزن في الوجود كائناً لا اسمَ له كان يحملُ سلّةً من غياب. ويمشي... كلّما انكسرَ شيءٌ في الأرض، انحنى والتقطَ صوته. لم يقطفْ زهرةً. كان يقطفُ العطرَ (…)
في الحيِّ القديم كانت شجرةُ الليمون أجملَ امرأةٍ أعرفها. تسرِّحُ أغصانَها كلَّ صباحٍ وتنثرُ عطرَها في الطريق إلى المدرسة. كنتُ أمرُّ بها فتضعُ زهرةً بيضاء في جيبِ قميصي الصغير. أمي... كانت تجلسُ (…)
بعد ثلاثين عامًا من الغربة، لم يعد يتذكر الوطن جيدًا. كان يتذكره كما يتذكر المرء حلمًا قديمًا: شجرة قرب بيت الطفولة، صوت بائع متجول عند الظهيرة، وجه أمه عند نافذة مضاءة، وغبارًا ذهبيًا كان يسبح (…)
وكأنني غيمٌ يهاجرُ في متاهات الظلالِ أو نجمةٌ تاهت بليلٍ خلفَ أهدابِ التلالِ أو أنني وترٌ شريدٌ ضاعَ في صمتِ الليالي يستعيدُ النورَ حينًا ثم يمضي كالسؤالِ أو أنني نهرٌ بعيدٌ يبتغي عذبَ الزلالِ (…)
على ضفافِ البوسفور… كان الشتاءُ واقفًا، يميلُ على كتفِ السماء، كظلٍّ لا يكتمل. والغيومُ… منخفضةٌ، بطيئةٌ، كأنها تتعلّمُ كيف تفكّر. بين قارتين… كان القلبُ معلقًا، لا هنا تمامًا، ولا هناك تمامًا، (…)
هذا الصباح أعلنتِ الشمسُ إفلاسَها، وأصدرتِ السماءُ بياناً رسمياً تنفي فيه وجودَها. أما الحقيقةُ فمفقودةٌ منذ زمن، لكنَّ السلطاتِ تؤكدُ أن البحثَ عنها جارٍ في أقبية المصحِّ الكبير. دخلتُ، فلم أجدْ (…)
حين خرج من بيته ذلك الصباح، كان يحمل يومه تحت إبطه كملفٍّ قديم، ويجرُّ خلفه ظلاً متعباً من الأمس. لم يكن يتوقع أكثر من شوارع مزدحمة، وإشارات مرور تتثاءب عند المفارق، ووجوه عابرة تذوب في ضباب (…)