وحيدة المي: من رواية إلى أخرى
قراءة في التّناصّ السردي والجمالية الشعرية.
إن الرواية الثانية "رغبة بيضاء" لوحيدة المي الصحفية والكاتبة التونسية ،والتي صدرت في طبعتها الأولى سنة 2021 شغلت النقاد والباحثين، لا لأنها سُبقت بروايتها "نوة"، التي كانت إيذانا بولادة كاتبة متمكنة من فن الرواية. وإنما إضافة إلى ذلك ما في "رغبة بيضاء"، من مسارب فنية لا تترك الناقد محايدا أمامها. فهي تحمله على أن يدلي بدلوه ، ويتقصى خباياها. ولايتمّ للناقد موقف إلا بإدراك "أن الفوارق بين العمل القصصي عمل ولا والعمل النقدي ،أن الثاني لا يتيسر ولا يكون إلا بتمزيق نسيج الأول وتفكيكه وتجزئته"1
وما أغراني ب"تمزيق النسيج"، هو ما جال بخاطري من ظلال خفية شفيفة، لا تغيب عن أي منجز أدبي ،والتي تكون عادة قد استقرت في ذهن الكاتب بعيدا في الزمن ،ربما من اليوم الذي بدأ يقرأ فيه. وهي تلك النصوص والمطالعات..التي تناولها عبر سنين عمره وترسبت في الذاكرة ، ورفدتها خبراته في الحياة.. فكل "نص يحمل رمادا ثقافيا من نصوص سابقة "2، وهو ما يكوّن رصيده المعرفي مثله مثل الناقد تماما .وإذا ما تصدى للكتابة يوما ما تسلل إلى نصه الكثير من سابق النصوص. إما عن وعي منه. فتكون خيارا فنيا مقصودا، له منه غايات. وإما عن غير وعي منه. وفي كلتا الحالتين هي إغناء لنصه وفتح له على عوالم أوسع. وهذا الانفتاح يكون ظاهرا حينا وخفيا أحيانا.هذا هوما يُطلق عليه بالتناصّ .وقد عرّفته جوليا كريستيفا على أنه "ترحال للنصوص, وتداخل نصي معين، تتقاطع وتتنافى ملفوظات عديدة مقتطعة من نصوص سابقة "
اللافت أن وحيدة المي قد أشارت ـ عن وعي تام ـ في "رغبة بيضاء" إلى روايتها السابقة "نوة". وهو ما يدخل في باب التناص الذاتي. وهو وإن كان سمة حداثة في الرواية ، فهو ينمّ عن تملكها لآلياتها، ورغبتها في إضفاء سمة التجريب على منجزها. ولعلها سعت بذلك إلى إضفاء البعد جمالي و تعميق البعد المضموني. وقد ألقت بالأخير الضوء على الشخصيتين الرئيسيتين في الروايتين في آن واحد: " نبهان" و "نوة". ففي الحوار الدائر بين بنبهان ووديان مساعدة الحياة في مأوى العجز الذي يُقيم به. وهي شابة تهتمّ به، وتقرأ له. وهي من اختارت - ومن ورائها الكاتبة - أن تبدأ معه طريقة "علاج" تعيده بها إلى الحياة التي عزف عنها. وتربطه بالناس الذين قطعهم وانعزل عنهم في غرفته. ولأنه "لا نختار الأشياء صدفة" ص 213 ، فقد قرأت له رواية "نوة". "وقد اشتدّ شغفه بذلك منذ اخترت له رواية نوة والتقى مع البطلة في تلك المعاناة التي تجبرها على القبول بالحياة والتأقلم معها رغم المآسي "ص 213.هو اختيار مقصود من وحيدة المي، لضرب من الكتابة ،هو الميتاسرد في تناصّ جليّ بين روايتين للكاتبة نفسها .وقد جاء على لسان مساعدة الحياة ،وهي في هذا المقطع من الرواية ،القناع الفني ،الذي اختارته الكاتبة ليمثل القارئ مطلقا، كل قارئ يقرأ النصوص قراءة واعية متبصّرة .فهي من اختارت الرواية .وهي من عقدت مقارنة بين بطلتها وبطل رغبة بيضاء نبهان .فإذا بالقارئ يُسحب خارج النصين. ويتلقى رسالة الكاتبة . وهي ألاّ يتماهى مع "نوة" وحكايتها ،بل أن يدرك ما في حكايتها من بعد إنساني مطلق، بقطع النظر عن كون البطل ذكرا أو أنثى . وفي الان نفسه يُدرك أبعاد الشخصيتين، وتقاربهما في المصير، وفي الإحساس بالحياة وإكراهاتها ."وأنا أقرأ فصولها عليه أشعر أنه ينبش في جرح البطلة ويقيم. قال ذات مرة إن العبثية شكلت حكايتها مثله تماما، فلولا إلقاء القبض عليه مع زمرة المعارضين، لولا جلباب أبيه الذي لبسه منذ الصغر، لولا المأوى لما كان مصيره هذا السرير البارد...ومثله نوة لو لم يغتصبها والدها لو لم تعش الفقر، لو لم تبتعد عن عائلتها وتطرد من عملها ،لولا خذلان حبيبها نوّار والوقوع في يد الغريب لما انتهت إلى الرصيف جسدا باردا على أسرة الحرام"ص212
وتظل القارئة وديان توسع الدلالة، بتفويض خفي من الكاتبة كاشفة لغاياتها من الروايتين ومن الشخصيتين "جمعتهما نفس الوجيعة هكذا يقول دائما..إنه العبث"ص214 . فتتوسع دائرة التناص. ولا تقف الكاتبة عند جعل شخصيتيها ضحايا الحياة ببعديها الاجتماعي والسياسي. بل تُعمّق الطرح. وتجعلهما ضحية العبثية. وهو موقف فلسفي تناوله سارتر محضا في مقولاته "عالم التفسيرات والأسباب ليس هو عالم الوجود". وتناوله كامو في "الغريب" حكيا. وتظل في تواصل مع نصوص كثيرة غائبة ،تحضرها كظلال شفيفة ،هي جسر لأفكارها ومقاصدها. هذه العبثية التي يرتدّ صداها في أقصوصة شهيرة في الأدب التونسي ،"مجرم رغم أنفه" لعلي الدوعاجي، الذي عاش هو نفسه عبثية الحياة، فقرا وتهميشا ومرضا. وتناول في أقصوصته واقع الإنسان حين تنحرف الحياة به عن مسارها ،وتخبئ له سجنا وفقرا وألما .ويكون للأهل يد في ذلك. يلتقي "نبهان" المي مع" قاسم " الدوعاجي في مصير متشابه. فإن كان الأول معارضا إرهابيا رغم أنفه. فإن الثاني مجرم رغم أنفه. ويلتقي ثلاثتهم نوة ونبهان وقاسم في مصير أسود لا يدّ لهم فيه. وفي ملفوظ قاسم ما يرسم التشابه التام بين تجربة الرجلين على وجه الخصوص. فيقول بطل علي الدوعاجي "إني أصرخ الآن.. أمام العدالة والقضاء بأني مظلوم ولم أفعل ما يوجب تحمّل ما تحملته لقد كنت سجينا أجر قيد الحديد ...لماذا سجنت؟ لأني دافعت عن شرف فتاة أحبها"3. كلاهما كان ضحية الأهل. وكلاهما سُجن ظلما سنين طويلة. وكلاهما كان الحب بشكل من الأشكال لعنة غيّرت مسار حياته. وكلاهما كان واقعا تحت سلطة قامعة، أطبقت عليه مخالبها زورا وبهتانا.
إن التناصّ المقصود والواعي بين مصير نوة ومصير نبهان ،قد لا يكون كذلك مع قاسم الدوعاجي. بل هو تسلل إلى رواية المي تسللا. .ولكن للقارئ أن يتلقفه، ويعقد الصلة بين الأثرين لأنه -هو نفسه -تعجّ برأسه النصوص ، وتفرض عليه بطريقة لا واعية، تقريب النصين من بعضهما بعضا. فإن كانت وحيدة المي لم تقصد هذا التناص بصفة واعية ،فإن المتلقي شأنه شأنها ،لا فكاك له من هيمنة نصوص غائبة، حاضرة ،استقرت في ذاكرته .وتحضر دون إعلام. وهو ما أكده أحمد السماوي بقوله "إن هذه المتناصات جميعها إذ تحضر في النصّ مهمة، لا يسعها أن تخفي طبيعة المتلفّظ المتشبع بالرواية يقرؤها وبالأدب عموما يهفو إليه. وهل بوسع أيّ كان أن يسلم من عدوى النصوص التي يتشرّبها ويمتصها ليتجاوزها؟"4
إن التناص الداخلي في "رغبة بيضاء "برز صريحا واضحا في موقع مهم منها .وذلك حين قاربت على نهايتها فقد أُحضرت "نوة" للقارئ ولنبهان عنوة "نوة تقتحم علينا الغرفة.. تأتينا بكافكا وحبيبها نوّار...تضخنا بجرعات من الأمل.. تصدح بصوت حلم..
صوتها يخرج من صوتي مثل الأجراس" ص 213
حضور نوة أنار جانبا من شخصية وديان، مساعدة الحياة. فكأنها لم تسلم هي الأخرى من تأثير نوة. فقد ضخت فيها أملا. وغيّرت منها. وبهذا تكون شخصية من كتاب سابق تطوّر من شخصية أخرى في كتاب لاحق. وهذا من لطائف الكتابة . ذلك أن "نص المرأة هو النص القادر على التحريض والإدهاش والتمرد على سلطة السائد"5
ونخرج من "رغبة بيضاء" لندخل رواية "نوة"، عبر تضمين مقطع طويل منها في الرواية ،يعبر عن علاقة نوة بحبيبها وتصويرها له: "نوّار الرجل الذي أسكت أناتها ،أكبر فيها الأنثى على نخب الإحساس النبيل ..ورد أحلامها.. كرمة وارفة تتأرجح على سقف حياتها.. حبات مشمش تعتّقت فوق أغصانها.. برعم زهرة تفتّحت في القلب أرض يعودها العائدون من رحلة الضياع.." .
أ يكون ما يحمله نوار لنوة هو نفسه ما قد تحمله ماجدة لنبهان ؟ إنه اختزال سردي، وانزياح عن المألوف في الكتابة ،التي لا تقول كل شيء .بل تتوسل شعرية سردية، للقارئ فيها مجال للتأويل والاستنتاج. ولئن حضرت في رواية نوة الموسيقى بقوة، موسيقى كلاسيكية، تجمع بنغماتها مشاعر حبيبين، كاشفة انسجامهما، فإن في "رغبة بيضاء" كان لأغنية بياف "الحياة الوردية :العيون التي تجعل عيوني منخفضة /الابتسامة التي تضيع على فمه/ها هي الصورة بلا تجميل/للرجل الذي إليه أنتمي" إن الكلمات تشفّ عن طبيعة العلاقة بين نبهان وماجدة، وتبشر بأمل، يكون الحب فيه الملاذ لهما ، كما فيه لنبهان انعتاق من سجنيه : العمى والماضي المرير.
أترى الكاتبة تبث وعيا لدى المتلقي بمقاصدها من كتاب لها سابق؟ فلبست له جبة الناقد. ففككت شخصيات روايتها، مبيّنة منزلة الرجل الحق في حياة المرأة، الرجل المداوي لجراحها وأعطابها. ومنزلة المرأة في حياة الرجل، وما لها من قدرة على احتوائه، ومساعدته على تبني الأمل بعد ضياع العمر غدرا. أم هي تزلزل وعي القارئ، وتخرجه من التماهي الذي يفرضه الحكي، مسقطة الجدار الرابع على حد تعبير بريخت؟ أم هي تغرسه عمدا في إيهام بأن نبهان رجل حقيقي ،وأن نوة شخصية من ورق؟ والحقيقة أنها في الحالات كلها تتلاعب فنيا بالمتقي. فتخلق بينها وبينه وبين النص، ضربا من المحاورة الضمنية، تشكّل جماليته، وتعمّق الوعي به.
ولا يغفل القارئ عن إدراك مقاصد الكاتبة القصصية. فها هي ترهص بأن نوّار نوة قد يكون شبيها "بياف/ماجدة" نبهان، وأن تشابههما منذر بانقطاع علاقته بها ،وذلك من خلال منطوق وديان وتعليقها على ما تقرأ لنبهان "أتعبتنا هذه النوّة وهي تبثّنا حبّها المستحيل وأوجاعها"، مقرّة بأثر حكاية نوّة فيه "أنقر على قلبه نقرا موجعا ..نبهان يطلق زفرة من أعماقه ..يشدّ على يدي لأتوقف عن القراءة" ص214
وقد أشارت منية قارة بيبان إلى أن هذا التناص يخدم فكرة أن "الإبداع وحده هو القادر على كسر شرنقة الكائن الذي يسكن القوقعة "في إشارة إلى أن نبهان قد عاد إلى التواصل مع الأخر من خلال تأثره برواية نوة، وصوت ماجدة، وهي تغني للفنانة الفرنسية إديت بياف، أغنيتها التي تنعقد معانيها على أن الحب هو طوق النجاة للأرواح المتعبة.
إن استحضار الكاتبة لروايتها الأولى في رواية لها ثانية، وجعلها موضوعا لحوار بين شخصيات الثانية، لم يكن بريئا. وإن الغاية منه فنية بالأساس، وقد كان لها جليل الأثر في إنتاج المعنى، وتشكّله، وكشف بواطن الشخصية في كلا الأثرين ، ودفع الأحداث والإرهاص بها.
وأكثر من ذلك توسلت هذا التناص الداخلي لمناقشة فكرة نقدية حول ما تكتبه المرأة عن المرأة في الأدب. وعن علاقة ما يكتبه الكاتب بحياته الخاصة. وقد نقل الحوار بين نبهان ومساعدة الحياة وجهة نظر ربما تتبناها وحيدة المي نفسها . وقد تبنتها شخصيتها الروائية، مبينة أن المرأة حين تكتب عن المرأة هي تكتب "عن الكائن المضطهد "ص 213.ذلك أن الوجود المهمش، ومظاهر الاستيلاب الواقعة على المرأة ،لا تترك الأديب محايدا، وهي لم تتناول المباحث المتعلقة بالمرأة لأنها امرأة، بل من واقع مسؤولية الأدب والأديب .وهي " تتكئ على التعرية الفكرية قصد تصحيح المفاهيم ، وتوضيح الروى"6. وأن الكتابة عن المرأة وأوضاعها ومشاغلها، قد يكون شبيها بما يعانيه الرجل، لأنهما يعيشان الوضع نفسه، وما تفتقده هي، يفتقده هو من " الجوع للحرية والتوق للأفضل" ص 214، وهذا ما قاله نبهان.
إن تناصّ الكاتبة مع نفسها كان آلية لتفكيك المعنى، وأسلوبا لبنائه وتوسيع دلالته، وتعبيرا عن وعي النص بذاته. ما مكّن من النفاذ إلى فهم المتن والغوص في أعماقه. غير أنه قد يكون في جانب منه عرقلة لذهن القارئ، وحدّ من جهده الشخصي في فهم الرواية. فهل كانت وحيدة المي ترى أنه عليها مساعدة القارئ حتى يلج عوالمها الروائية ،ويدرك مقاصدها، لأن ما كتبته قد يكون عسيرا أو معقدا؟
أم أنها أرادت فقط أن تجعل كتابتها السابقة تتنافذ مع اللاحقة ،تأكيدا لسيرورة فكرية تتبناها ، ولتصوُّر لها عن الإنسان والعالم؟ فتكون الكتابة عندها شبيهة بأمين معلوف الذي يرى أنها "هي الطريقة الوحيدة التي وجدتها لأتنفس من خلالها. ولأمنح صوتا لمن لا صوت لهم".
الشعرية السردية في رواية وحيدة المي
إنه ليس لنا أن نُغْضي عن ظاهرة أسلوبية جوهرية تعاضد التناص في كتابات المي – في هذه الرواية والرواية التي سبقتها- وتُبشر بحسّ فني شفيف ،تجلّى في لغة سردية ذات مياسم شعرية، صاحبت متنا حكائيا واقعيا: حدثا وزمانا ومكانا وشخصيات. وهذه المسحة الشعرية تعبر عن اختيار الكاتبة لها عن وعي .فهي ككل كاتب و "صانع النص القصصي المتخيّل، ومتخيّله وهو في وجهه الثاني الذي ينعكس في النص يدل عليه أسلوب الكتابة "7 وهي في نظرنا ظاهرة تجميلية. وإن كانت لها غايات أخرى سنتبيّنها في طيات هذه القراءة. فالنصوص "الروائية تراهن على لغة غير تقليدية في نجاحها وتأخذ من اللغة الشعرية نصيبا لتطريز نصها بالشعرية لكي تكون قادرة على إثارة الحس الجمالي" 8. وقد تكون المي أفلحت في جعل الشعرية السردية ضلعا متينا في تشكيل المعنى وبناء الدلالة. وقد وظفتها في مجملها توظيفا موفقا. إذ كانت كشّاف مشاعر نبهان وأفكاره في الرغبة البيضاء، ومشاعر نوة وأفكارها في رواية نوة. كما عبرت عن الصراعات النفسية التي "تسعى الشعرية الأسلوبية في مجملها إلى كشف المشاعر الداخلية والصراعات بكافة أشكالها وأجناسها فهي تكشف الأمور المشتركة بين البشر مهما اختلفت أحوالهم الاجتماعية والوظيفية والحياتية" 9 .وأمارة استخدام الشعرية كأداة فنية لتجميل النص وتجلية دلالته، أن الشخصية الرئيسية نبهان ظهر بضمير المتكلم . شأنه شأن نوّة .فكان منطوقه الشعري متناغما مع خلفيته الجامعية - كنوة - متمثلة في دراسته القانون ،وحفظه القران في صغره . فهي ليست لغة مسقطة على الشخصية بل هي متناغمة مع مياسمها العامة. اختفى السارد الغفل، وتكلم "أنا" نبهان بلا وسيط قد يخلّ بنقل مشاعره إلينا . فقال "أمدّ يدي ألمس قلبي.. أتحسس دقاته.. هذا القلب الشاب على الدوام رغم الكبوات مازال يخفق، يرتع كأرنب بري ..قلبي طيور حالمة تنفلت من الأقفاص تصنع من الغمام مناطيد وردية تعانق قوس قزح.. تخضب أجنحتها بألوان الفرح وتعود مرتوية بماء الحياة "ص 31
إن التشابيه والمجازات التي شكلت الصور في ما سبق، شابهت الشعر. والتصقت بأساليبه. فبدا الكلام كشعر منثور، كانت غايته تصوير توق الشخصية إلى الحرية والانعتاق واستعدادها للحياة، متجاوزة كل الأعطاب، في غنائية محببة ،عبر وظيفة اللغة التعبيرية متمثلة في ضمير المتكلم . وهو ما أضفى وجدانية شفيفة على السرد، وقد بُنيت اللغة على الاختزال والتكثيف والتصوير. وولّدت إيحاء بَان في سميائية الملفوظ المنعقد على رموز التحرر "الأرانب البرية والطيور والمناطيد..". أما التصوير فقد رفدته التشابيه المرسلة والمؤكدة "كأرنب" و"قلبي طيور حالمة". وهو ما ينوب عن المباشرتية الفجة ،إذاما تعلق الأمر بحديث الشخصية عن دقيق مشاعرها. وهو ما يضاعف إحساس القارئ بما تشعر به الشخصية .فتنتفي الحواجز بينهما ،وتُمرر إليه المشاعر نفسها. لقد نابت الشعرية عن اللغة الواقعية اليومية جرداء في جل الرواية وخاصة في استرجاع الشخصية لماضيها أو تحليلها لدواخلها. وفي موضع أخر من الرواية يصف نبهان شعوره إثر لمسة من ماجدة "هذا الإصبع يربكني. كحبة تمر طرية، كفاكهة لذيذة على شفتي رجل جائع منسي"ص156. تشبيه نبهان للمسة ماجدة بالتمر وبالفاكهة هو تصوير للمتعة الحسية التي استشعرها . فقد عقد علاقة حسية بين المشبه وهو الإصبع والتمر.. المشبه به .وكان وجه الشبه هو اللذة في إشارة ضمنية للمتعة الجنسية والاستثارة ،التي أتت عقب اللمسة . فالصورة القائمة على التشبيه بيّنت حاجة نبهان إلى الحضور الأنثوي ،وما يوفره من متعة، افتقدها بعد حرمان طويل من الحب والمرأة. وفي الرواية مقاطع كثيرة كهذه تلامس الشعر وتعري المشاعر.
إن المشاعر المختلفة، وطبيعة تعالق الأزمنة ،وروابط الشخصيات ببعضها بعضا ،قُدّم كله للقارئ من خلال صور بلاغية، انزاحت عن مألوف القول .واستعاضت عنه بتلميح خفي وبناء علاقات لغوية تتولد عنها صور، تشكلت بها معان أعمق. يبدو أن الكاتبة راهنت على ثقافة القارئ، وذائقته الشعرية لنقل الحكي."ارتخى في لحظة حالمة.. طيف ريحانة يفتت السنوات المتراكمة يخرج من صوت "بياف" يجمع نُتفي ..ترشقني بتلك الكلمات ...تلامس كليّ المعطوب.. تتلوى على، ذراعي كخيط حرير..تفيض حبا "ص41
إن الشعرية في الرواية انزياح عن اللغة اليومية إلى اللغة بديلة ،هي لغة الشعر، "إذ تستفيد من لغته المجازية بصورها ومجازاتها ورموزها وانزياحاتها. فترتقي لغة الروائية ..وتحقق وظيفتها الشعرية " 10 . وهي انفتاح على فن أثير من فنون القول ذي مكانة في تراثنا الثقافي الإبداعي، رُبيت عليه ذائقة المتلقي. وهو لا يكون في هذا المضمار، إلا إضافة للرواية التي لم تعد وافدة من الغرب، بعد ان تجذرت في الأدب العربي، وصارت لها مياسمها العربية وكما قال صلاح فضل "إذا كانت اللغة هي جلد الرواية وبشرتها الظاهرة للعيان فإن التاريخ الأدبي يشهد أن الرواية العربية غيّرت جلدها عدة مرات..ثم لم يلبث بدوره أن ارتقى باللغة إلى معاريج شعرية تخلصت من الآثار الرومانسية والبلاغة السلفية السابقة ".
إن اللغة الشعرية كانت جسورا ومراقي جمالية ،عبّرت بعمق عن الإنسان ، الإنسان في رحلة الحياة والوجود، الإنسان حين يتألم وحين يأمل..
وهي شعرية في "رغبة بيضاء" لا تتجلى فقط في اللغة ذات المياسم الشاعرية. بل تجلت في المعمار السردي الذي بنيت عليه الرواية. فقد تشكلت الأحداث تشكلا متقطّعا .تسوقها الذكرى والاستحضار.ويذهب فيها الراوي /الشخصية، ذهابا وإيابا في زمنه الداخلي، محكوما بمشاعر قلّ فيها الفرح، وطغى عليها الحزن والألم .وهو يجّرنا خلف خواطره، يدفعنا إلى بناء حكايته من خلال لمّ شتات أحداثها ،ونظمها في خيط زمني ناظم لها، واضح.
ففي الصفحة الأولى والتي ضمت فقرة وحيدة، منفصلة ورقيا عن باقي الرواية. وقد بدت كاستهلال يشي بما سيأتي من قادم الحكي. تناوب فيها البياض والسواد ، المكتوب ونقاط الاسترسال، الظاهر والباطن ،ما تقوله الشخصية، وما على القارئ أن يدركه بنفسه. هو استهلال يختزل أهم نقطة في حياة الشخصية، النقطة التي غيّرت حياته – السجن- مصورا عبر حواسه، أثر التعذيب فيه. هذه الفقرة ستكون مثالا لأسلوب الكتابة في كل الرواية في علاقة بالمتلقي .جاء فيها "التحمت الخطوط والأشكال وتداخلت...صار المكان قطعة سوداء قاتمة أتلمسها لأعرف حدودها. خذلتني قدماي عندما اشتّد بي الظلام أول الأمر...حبوت، اصطدمت بجدار...تلقفني آخر ...قذفتني زاوية آوتني أخرى...درت بين الزوايا الأربع...ثم انهرت ممددا على ظهري وغبت في الضوضاء وأصوات العصي تنهال على رأسي الممرغ بالدّم والصداع"ص7
إن الوصف في هذه الفقرة التي كان فيها نبهان يُعذب، نُقل إلينا عبر الحواس: البصر و اللمس والسمع. فنقلنا من إدراك المشهد إلى الانفعال به ، ومن الاستثارة الحسية، إلى مشاركة البطل وجدنيا فيما تعرّض له "حبوت، اصطدمت بالجدار.." فتشكلت صورة الراوي في أذهاننا مؤلمة، موجعة.
وتظل الرواية تعزف على الوتر نفسه، من اللغة إلى المتخيل إلى المشاركة الوجدانية. معتمدة الذكرى والاسترجاع أسلوبا لبناء الزمن الذي لا نراه، إلا من خلال ما انعكس على مشاعر الراوي الشخصية. وهو في ذلك مثله مثل الأحداث والأمكنة في الرواية لا تصلنا إلا ملونة بمشاعره.
في ختام هذه المقاربة، لا يسع الدارس إلا أن يُقّر بأن كتابة وحيدة المي الروائية ،كتابة تسائل نفسها فنيا ،وتلتقي مع الآخر. بها طلاوة الشعر ومتعة الحكي، وفيها من التجديد الفني الشيء الكثير، ومن مشاغل الإنسان الدائمة الشيء الأكثر.
المصادر
رغبة بيضاء: وحيدة المي. دار الكتاب 2021
نوة: وحيدة المي. تونس الشركة التونسية للنشر وتنمية فنون الرسم 2016
المراجع
1 -عبد الفتاح ابراهم :البنية والدلالة في مجموعة حيدر حيدر القصصية "الوعول" الدار التونسية للنشر 1986 ص11
2 - د. أحمد بالحاج آية وارهام :أنهار تغسل تجاعيد الذات :دراسات في اللغة والبلاغة والفكر والشعر .مركز الكتاب الأكاديمي .ط1 عمان 2022
3 - علي الدوعاجي :سهرت منه الليالي ط1969 .جمع عز الدين المدني
4 - أحمد السماوي: الرواية مشروعا على الدوام. مكتبة علاء الدين صفاقس 2015 ص102
5 - د. الأخضر بن السائح: سرد المرأة وفعل الكتابة. دراسة نقدية في السرد وآلياته. دار التنوير الجزائر ص 42
6 - المصدر السابق
7 - علي عبيد: المقومات السردية في الكتابة القصصية. مطبعة
التسفير الفني 2004 ص68
8 – د. فاتن عبد الجبار: اللغة الشعرية في روايات محمد حسن علوان. كلية التربية للعلوم الإنسانية جامعة تكريت
9 - مجلة الآداب مجلد 32 ع 1جامعة الملك سعود الرياض 1441 ه
10 - د .حورية حمو: شعرية اللغة الروائية: الروائي السوري إبراهيم الخليل نموذجا
