الثلاثاء ١٦ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم أمينة شرادي

هموم نسائية

رغبة في عدم العودة

أخذت حقيبتها وخرجت دون أن تعرف وجهتها. قررت في نهاية المطاف، ان تتوجه الى محطة القطار. صور الأمس واليوم تتراقص أمامها. صراع بين رغبتها في الهروب والبقاء. ذلك البيت الذي تركته دامعة ومنكسرة وحائرة وحزينة، ورمت جسدها وروحها من أعلى قمة كانت تجلس عليها، يحمل لمساتها، وآهاتها، ضحكاتها وفرحها. يحمل متمنياتها، احلامها، سهر الليالي والاستيقاظ في الصباح الباكر جدا قبل الجميع. تتذكر، وهي تخطو بخطوات مترددة، تجر حقيبتها ورائها، كيف كانت تتحسس جدار غرفة نومها عندما تستيقظ، ولا تشعل النور وتغادر الغرفة في هدوء حتى لا توقظه، متجهة الى المطبخ في صمت لأعداد وجبة الفطور.

كادت سيارة أن تدهسها وهي تسير شاردة، مضطربة، تشعر بالاختناق. وتتمنى لو امتلكت عصا سحرية تعيد بها الزمن الى الوراء وتعيد كتابة حياتها من جديد..

انتظرت سيارة أجرة، اتجهت الى محطة القطار والذكريات تهاجمها من كل جانب. جلست، تنظر الى الناس الذين يتسابقون بشكل ميكانيكي الى القطار، ربما أول مرة تنتبه إليهم. أجساد طويلة، عريضة، صغيرة، كبيرة...تتأملهم، تبدو على ملامح بعضهم فرحة هجرتها منذ زمن. وعلى ملامح البعض الآخر قسوة غريبة وهناك من بدوا بدون ملامح. يتحركون بشكل آلي. انتظرت، تسمرت رجلاها ولم تعد تستطع الحركة. جاء قطار وغادر قطار، وهي تعيش لحظة غير طبيعية وغير متزنة، وشريط حياتها يمر من أمامها دون استئذان. غيرت اتجاه نظراتها ورمقت آخرين ترميهم سيارة الأجرة الصغيرة بشكل غير انساني، وعينهم على القطار. لمحت وجها تعرفه جيدا وأحبته بجنون، وجه اختفى عنها منذ زمن. بحثت عنه في المستشفيات، في محطات القطار، على الطرقات. تاهت بعدها وسط ضجيج وصخب وعنف. وجه يشرئب بعنقه من زمن الطفولة واللحظات الصغيرة والجميلة، وجه أبيض منور كالبدر، تشع منه رائحة الحب والصدر الطيب. وقفت، خرجت تجري لا تلوي على شيء تبحث عنه، تاهت من جديد وأدركت أن قدميها تتجهان الى البيت الذي هجرته مرغمة. بيت يسكنها بماضيه وحاضره، تذكرت دموعها، جرت بشكل هيستيري الى غرفتها وأقفلت الباب بالمفتاح. كمن أوصد قلبه في وجه حب قديم.

صراخ في الليل

ولجت بيتها بعد اجتماع طويل، كانت مرهقة ومحتاجة الى الراحة. اتجهت نحو المطبخ بعدما غيرت ملابسها. مطبخ فارغ لا أثر للحياة فيه، تلك الحياة التي غرستها ورعتها حتى كبرت وتمددت وأصبح لها جذورفي الأرض وفروع ممتدة في السماء. سألته وهومستلق على فراشِه، يشاهد التلفاز وفي نفس الآن يحرك هاتفه بين يديه، عن الأكل وخصوصا أنها خرجت مسرعة هذا الصباح بعدما حضرت الغذاء بسرعة جنونية. أجابها دون النظر اليها" كيف تجرئين على طرح هذا السؤال وأنت عائدة في هذه الساعة المتأخرة من الليل" أدركت انه يستعد لحرب نفسية أخرى. فهي منذ ولوجها عالم السياسة وانخراطها، تغير تماما وأصبح كالثور الهائج كلما حضرت متأخرة أو كانت في اجتماع. تركته وانصرفت لأنها غير مستعدة لحرب أعصاب جديدة. لم يعجبه صمتها. قام بعنف شديد، واتجه نحوها. كانت تعد أكلا سريعا وترغب في النوم. قال لها والعنف يتطاير من عينيه "لم يعد يعجبني هذا السلوك. ولا تهتمي بما أقوله. هل صرت غير مهم في هذا البيت؟" ما كانت تخافه حصل. جلست ووضعت أكلها جانبا وقالت له بكل هدوء محاولة امتصاص غضب اللحظة واحضار العقل وقالت له" لا أفهم لماذا تغيرت بهذا الشكل؟ أنت رفضت الاستمرار مع هذا الحزب وقدمت استقالتك. واحترمت قرارك مع أنني ضده. وأنا رغبت في الاستمرار. أين هي المشكلة؟ مع أنك تعلم حقيقة التزاماتي. " ثار من جديد، أخذ أدرع المطبخ ذهابا وإيابا، وضرب بقوة على المائدة وقال لها" الوضع تغير يا سيدتي، أنا لما قدمت استقالتي كنت أنتظر أن تساندينني وتخرجين من الحزب أنت أيضا." لم تعد تمتلك أعصابها، كانت تكره هذه اللحظة التي صارت تجتازها كل مساء بكل حزن وعنف وصراخ. لم تأكل كالعادة، ولم تنعم بالراحة كالعادة. قالت له" ما هذه الازدواجية في تفكيرك وسلوكك. لما كنا معا، كنت تنادي بكل قوة وتعاتب الرجل الذي لا يسمح للنساء بالانخراط في العمل السياسي ويقف أمام طموحهن. ولما اخترت طريقا آخر، تحولت الى ذلك الرجل الذي كنت ضده. أريد أن أفهم لماذا؟".

انهارت وتركت المطبخ الذي كانت تتمنى أن تجد فيه أكلة بسيطة لكن مليئة بالحب والعطاء كما تفعل هي كل يوم.

عنف آخر النهار

كان صباحا مزدهرا، تشع أنواره من كل جانب. تتدفق الحياة بين جدران بيتها الصغير، تخلخل كل سكون وتجعل روحها ترقص من الفرحة. كان أول يوم عطلة، استيقظت باكرا كالعادة، استقبلت أشعة الشمس التي تأتي تلامس جسدها وروحها وتمنحها طاقة قوية كأنها على موعد مسبق معها. قررت في ذلك اليوم، أن تبدأ بأشغال البيت الكثيرة التي تراكمت منذ مرضت السيدة التي كانت تساعدها. عانت كثيرا من ثقل الحمل عليها، عمل خارج البيت وعمل شاق بالبيت. في البداية، كان يقول لها، بأن أشغال البيت واجب على الرجل أيضا. كانت فرحة بهذا التفكير الذي يجعلها تعيش حياة مريحة. لكنه مع مرور الوقت، تحول الى زوج تقليدي، لا يهمه من اشغال البيت شيء. صبرت وقالت ربما سيتغير، لكن اصطدم صبرها بواقع رفضت يوما أن تراه بلا قناع. ففضلت الابتعاد عن المشاحنات، وأصبحت تحاول قدر الإمكان، أن توازي بين عملها بالخارج وبالبيت. قامت ذلك الصباح، وبعد يوم شاق، ارتاحت قليلا، ثم قامت مرغمة تعد وجبة الغذاء. تعب طول النهار، عرق وألم في رجليها من كثرة الوقوف. لكنها نجحت في مهمتها، وأعدت وجبة الغذاء في وقتها. لأنه لا يحب أن يتأخر عنه الأكل. وضعت ما أعدته بكل فرح، وهي تحكي له عن يومها المتعب. نظر اليها دون أن يأكل "ما هذا؟" وأضاف بكل عنف "لا يفتح الشهية" وقام، والغضب يتطاير من عينيه. ظلت صامتة، الدهشة تستوطن كل ملامحها. تاه عنها الكلام. لم تحك له عن يومها الشاق. لم يسألها عن حالها. لم تفهم، لم تدرك، فقط همست لروحها "تعب طول النهار، وعنف في آخر النهار.".


مشاركة منتدى

  • هموم عشية مغادرة المنزل: تفسير للعنف الصامت في قصة أمينة شرادي "هموم نسائية"
    همومٌ على حافة الرحيل: قراءة نقدية في تمثلات العنف الصامت في قصة "هموم نسائية" لأمينة شرادي
    بقلم:
    محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com

    تنتمي قصة أمينة شرادي "هموم نسائية" إلى أدب السرد الاجتماعي، الذي يركز على التصدعات الكامنة في بنية الأسرة. في هذه القصة، لا يُقصد بالعنف أي شكل من أشكال الاعتداء الجسدي، بل يُمثل نمطًا يوميًا من الاغتراب النفسي وقمع الذات. ترسم الكاتبة صورة لامرأة مضطهدة عالقة بين حبها وتضحياتها وبين لامبالاته وقسوته وإنكاره."

    تبدأ هذه القصة بمشهد رمزي بعنوان "رغبة في عدم العودة"، حيث يرى القارئ البطلة تغادر منزلها دون وجهة محددة، تحمل أمتعتها وآلامها بين يديها. يتضح الصراع النفسي الذي يُسيطر على شخصية البطلة منذ الجمل الأولى: فهي عالقة بين الهروب والعودة، بين الحرية والخوف من المجهول. تُوظّف الكاتبة أسلوب تيار الوعي ببراعة، إذ تتوالى الذكريات بسرعة، مُحوّلة محطة القطار إلى رمزٍ للضياع والبحث عن مخرجٍ من واقعٍ مُثقلٍ بالأزمات. يُصبح القطار رمزًا لإمكانية التغيير المؤجلة، بينما تبقى البطلة أسيرة صورة المنزل الذي لا تزال آثار الإرهاق والأحلام الضائعة باديةً عليه.

    ما يُميّز هذا الجزء هو وفرة الوصف النفسي؛ فالكاتبة لا تُصوّر أحداثًا كثيرةً تجري في العالم الخارجي، بل تتركها للصراع الداخلي للفرد (للذات). في الواقع، تعود المرأة التي تهرب من منزلها في نهاية المطاف إلى حيث أتت، عالقةً في حلقةٍ مُغلقةٍ لا مفرّ منها.

    في القسم الثاني من القصة، "صراخ في الليل"، ينتقل موضوع العنف إلى مستوىً آخر تمامًا، إلى مستوى العنف الفكري والرمزي. لا يقتصر الصراع في هذه القصة على واقع الحياة اليومية فحسب، بل يتناول أيضًا حق المرأة في السعي وراء مشروعها الخاص ودخول المجال العام. بينما كان الزوج يؤمن بحرية المرأة ومشاركتها في العملية السياسية، أصبح تدريجيًا مثالًا للرجل الذي ينكر على زوجته استقلاليتها، إذا ما تعارضت هذه الاستقلالية مع رغباته الشخصية. وقد تم ذلك ببراعة من خلال الحوار، حيث يبدو الزوج أسيرًا لنزعته السلطوية أكثر من كونه مناصرًا لأي موقف سياسي محدد. تتحول القصة إلى نقدٍ لأمرٍ أوسع بكثير من مجرد تجربة شخصية، ألا وهو نمط ثقافي يُقبل فيه مبدأ المساواة نظريًا، لكنه يُنكر عمليًا.

    في الجزء الثالث، بعنوان "عنف آخر النهار"، يُوصف أكثر المشاهد تأثيرًا من وجهة نظر إنسانية. في هذا الجزء، لا تواجه المرأة صراعًا فكريًا فحسب، بل تواجه أيضًا الإرهاق الناتج عن عبءين: العمل خارج المنزل وفي المنزل. ومن خلال أفعال بسيطة، كالتنظيف والطبخ والوقوف، تصف الكاتبة حجم العمل الخفي الذي تقوم به المرأة.

    ويتضح أن كل عملها يؤدي إلى تعليق جارح وقصير من الزوج.

    يكمن جمال هذا الجزء في بساطته، فالعنف فيه لا يكمن في الصراخ والضرب، بل في ازدراء العمل وتجاهل الشعور بالإرهاق والألم. إنه الوقت الذي تلخص فيه البطلة تجربتها في جملة واحدة: "تعب طول النهار، وعنف في آخر النهار".

    من الناحية الفنية، تستخدم القصة لغةً بسيطةً وسلسةً، تُشبه لغة الحياة اليومية، وخاليةً من أي عناصر دخيلة. كما أن تقسيم النص إلى ثلاثة أجزاء مستقلة تقريبًا يُضفي توازنًا على بناء الحبكة، إذ يُساعد في الكشف عن جوانب مختلفة من معاناة البطلة في كل مشهد. ومن الجدير بالذكر أيضًا أن الكاتبة نجحت في تصوير صورة إنسانية عامة للمرأة من خلال شخصيتها، لا مجرد حالة فردية، مما يفتح المجال أمام القارئ للتأمل والتعاطف في آن واحد.

    الخلاصة هي أنه في بعض الأحيان، قد تختار الكاتبة الصراحة المباشرة بدلًا من ترك الأحداث تتكشف تدريجيًا خلال السرد. ومع ذلك، لا يبدو هذا النهج متعارضًا مع الطابع الاحتجاجي للنص ومحاولته لفت الانتباه إلى أشكال العنف الخفية. في النهاية، تُعدّ "هموم نسائية" قصةً زاخرةً بالعاطفة والإنسانية، تُساعد على فهم معاناة النساء في بيئات تبدو عادية ومستقرة، بينما تكمن التوترات النفسية والاجتماعية تحت السطح. هذه قصة حبٍّ يتحوّل إلى التزامٍ من طرفٍ واحد، وقصة أحلامٍ تبتلعها تفاهات الحياة اليومية، وقصة امرأةٍ تسعى للحفاظ على ذاتها في عالمٍ يُفترض بها فيه أن تُعطي وتُعطي دون أن تُقدّر تضحياتها. لذا، تكمن القيمة الأساسية للقصة في تحويل الألم الشخصي إلى قضية عدالة واحترام وشراكة في الأسرة والمجتمع.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى