الاضطرابات النفسية وتداعياتها في رواية «الحالة ياء»
تتميّز الرواية الثانية للكاتب المغربي محمد بدازي الموسومة ب "الحالة ياء"، الصادرة عن منشورات خطوط وظلال (الأردن) وروائع الكتب (السعودية) سنة 2026، ببناء سردي تؤثثه عدة حكايات ذات تداعيات اجتماعية ونفسية وقود أغلبها الخيانة والانتقام وما يترتب عنها من مآزق نفسية ووجودية. وهو ما يجعل الحالة ياء تندرج ضمن الروايات النفسية التي تركز على وصف الحالات النفسية، والعواطف، والصراعات النفسية للشخصيات وما يترتب عنها من تعقيدات في مسار حياتها وفي محيطها.
عمِل محمد بدازي على تفتيت هذه الحكايات عبر نصه ذي 257 صفحة من القطع المتوسط، بغية منح روايته طابعا تشويقيا يشد القارئ إلى مجريات أحداثها التي تتقاطع حول شخصية محورية، هي يحيى الغازي، يتعلق الأمر بكاتب روائي يعيش جملة من المتناقضات تجعل الواقع والخيال يتداخلان في حياته، حين يلتبس لديه ما يعيشه من أحداث ووقائع مع ما يتخيّله وما يكتبه، فيخلط بين شخصيات حوله وشخصيات تراءت له مصدرها التوهم والخيال.
يدرك قارئ الرواية من خلال تطور أحداث الرواية أن ذلك الخلط يرجع إلى معاناة يحيى الكاتب من اضطرابات نفسية يفضحها مظهره وسوكاته وأفعاله التي يلاحظها كل من تعامل معه أو اقترب منه. لكنه يرفض الاعتراف بذلك، خوفا من أن ينعته الناس حوله بأنه مجنون، تصادياً مع التمثل الشائع في المجتمع والمسيطر على لا وعيه وهو أن كل مريض نفسي هو أحمق مما يؤدي إلى تماديه أفعال مثيرة تؤكد اضطراباته النفسية.
حسب ما أفصح عنه السارد العليم لأحداث الرواية تتجلّى تلك الاضطرابات أولا فيما يعيشه يحيى من كوابيس تختلط لديه مع واقعه، ومعاناته من الاضطراب في النوم ثانيا، وعدم الثقة تقريبا في كل من حوله ثالثا، ولا سيما النساء مثل صديقته سمية زينون بفعل الخوف من الخيانة، والسعي ما أمكن إلى الابتعاد عن الناس رابعا، وتردّده وعدم قدرته على الحسم في اتخاذ الكثير من القرارات الهامة في حياته خامسا، وسادسا عدم الاطمئنان إلى الآخرين وارتفاع منسوب الشك لديه.
هي أعراض يلمسها كل من اقترب من يحيى، ولا سيما صديقته سمية زينون التي تعرّف عليها عبر الشبكة العنكبوتية في صفحة دعم نفسي باسم مستعار هو ياسين الراوي كنوع من عدم تقبل أنه مريض نفسيا، قبل أن يكشف لها عن هويته. كما لمسها أيضا الطبيب النفسي علي لبريشي الذي كان يتردّد على عيادته للعلاج باقتراح من سمية والذي نبهه إلى ضرورة الابتعاد عن مسببات تلك الاضطرابات. وانتبه إليها أيضا أخوه جمال الغازي الذي كان سندا له في كل محنه وأزماته ماديا ومعنويا.
يكشف مسار السرد في رواية الحالة ياء أن مرد التداخل الذي يعيشه بطلها يحيى الغازي هو معاناته النفسية المزمنة التي تعود بجذورها إلى طفولته المبكرة. منذ أن وجد نفسه يعيش في حي قصديري مع والدته زينة التي كانت تعمل مغنّية شعبية (شيخة) وغالبا ما كانت تتركه يقضي الليل وحيدا مهملة له في مرحلة مهمة من حياته، وتركه عرضة للهواجس والمخاوف التي لم يستطع التخلص من وقعها، سببت له في الشعور بالتبرم من والدته والزهد في التواصل معها. بالإضافة إلى ما عاشه من عنف في الحي القصديري حيث نشأ وشب وفي المدرسة من قبَل أقرانه. إلى جانب لا مبالاة والده العربي الذي كان مبعث خوف له نتيجة البرود العاطفي المتبادل بينهما، وكان يشعره دوما بأنه شخص غريب.
على إثر وفاة والدته بعد صراعها مع مرض عضال، تأكّد يحيى من إحدى صديقاتها (الخالة إيزة) أن العربي ليس والده، بل إن والده يوجد في مكان آخر، لتتفاقم أزمته النفسية. بعد تردد وجهد تمكّن يحيى من لقاء والده المفترض مصطفى العمراني، لكنّه رفض الاعتراف به، مما قوى الاضطراب في شخصية يحيى الغازي وجعل الشك يسيطر عليه حتى تُجاه بعض الأشخاص الذين أحبّهم، وتمادى في تعاطي المخدرات محاولة منه تجاوز قسوة الواقع عليه ومفاجآته الصادمة.
تبرز رواية الحالة ياء كيف يتواطأ الجانب النفسي والاجتماعي في إنتاج شخصية مضطربة تجد في تعاطي المخدرات، ولا سيما الحشيش، تخفيفا وهروبا مؤقتا من وطأة حالتها النفسية. لكن استمرارها في تعاطي المخدرات مع مرور الأيام حوّلها إلى إدمان حاد. كانت له تداعيات سلبية على يحيى الذي صار ضحية لأوهام وتخيل وقوع أحداث لم تحدث إلا في خياله واتهام من حوله في التسبب في تفاقم اضطراباته النفسية والعضوية تحوله إلى شخص عنيف أحيانا وتدفعه إلى الاعتقاد في السحر والشعوذة أحيانا أخرى.
لقد كان لإدمان يحيى واضطراباته النفسية أثر كبير على وضعه في العمل وفي علاقته بأصدقائه وأقاربه وكل من تعامل معه، وعلى ما يعيشه من فوضى في حياته الخاصة وما كان يسودها من تيه وعدم الاستقرار والتردّد على مجموعة من الأماكن بمدينة الدار البيضاء حيث يقيم، وما أقدم عليه من أفعال كانت لها نتائج كارثية من أبرزها تسبّبه في حادثة سير أدّت إلى بتر ساقه حين كان عائدا بسيارة أخيه جمال من طنجة، وإقدامه على قتل سمية التي أحبته بعد أن اختلط في ذهنه ما يعيشه مع ما كان يتخيله معتقدا أنها كانت تخونه مع رجل آخر، ليتأكد للجميع اضطرابه النفسي والعقلي.
هكذا تؤكد رواية الحالة ياء من خلال حالة يحيى الغازي أن الهروب من بعض المشاكل النفسية والاجتماعية إلى تعاطي المخدرات، بحثا عن تخفيف ولو مؤقت من وقع ما يعيشه المرء من وطأة الضغوطات النفسية القاهرة بفعل تراكم أسباب يتواطؤ في إنتاجها المجتمع والثقافة، لا يقف عند حدود الخلط بين الواقع والخيال بل يدمر حياة الفرد تدريجيا وتكون له تداعيات اجتماعية كارثية على أهله ومن يرتبطون به من قريب أو بعيد.
