لأنكِ
لا أقول: لأنكِ امرأة،
أو لأنكِ حب،
أو نجمة
تتأخر عن سمائها قليلًا ثم تعود.
كل هذه التوقعات ضيقة،
كممرات قديمة لا تكفي لعبور خطوكِ.
لأنكِ شيءٌ آخر،
شيءٌ يشبه أن يستيقظ الماء ذات فجر
ويكتشف أنه كان طوال عمره مرآةً للغيوم،
لا نهرًا.
لأنكِ،
أعادت الأشجار النظر في معنى الوقوف.
كانت تظن أن الثبات مزيّةٌ،
حتى رأتكِ تمرين،
فعرفت أن الحركة قد تكون جذرًا آخر يشدني.
منذ عرفتكِ،
صار الوقت يخلع ساعاته عند الباب،
ويدخل إلى أيامي حافيًا،
كأنه يخشى أن يوقظ اللحظات النائمة
بين يديكِ.
لأنكِ،
أصبحت المسافات أقل اقتناعًا بنفسها.
المدن التي كانت تتباهى بابتعادها،
صارت تتحشرج أمام الخرائط،
وتقترب من بعضها خلسةً،
كما تقترب الأسرار من فمٍ عطش.
لأنكِ،
لم يعد للنافذة عملٌ كثير.
فالنور الذي كانت تستعيره من الصباحات
صار يأتي من جهة قلبكِ،
فتجلس الشمعدانات الطويلة على الرفوف
لتتعلّم الشفافية من نبضكِ.
أعرف، أن اللغة لم تُخلق لتحتملكِ.
هي مجرد محاولة قديمة لترتيب الفوضى،
وأنتِ فوضى تعرف طريقها جيدًا.
كلما كتبتُ عنكِ،
شعرتُ أن الحروف تُبدّل هيئتها:
الألف تصبح جناحًا،
والنون سلّمًا إلى الأفق،
والياء نهرًا صغيرًا يركض خلف عطرٍ مجهول.
لأنكِ،
أصبحتُ أقلَّ وثوقاً بالأشياء التي تعلمتها.
حتى الجاذبية بدت لي رأيًا غير ما عرفت،
أما أنتِ فكنتِ البرهان الوحيد الذي لا يحتاج إلى تفسير.
لأنكِ،
صار الليل أكثر تواضعًا؛
لم يعد يدّعي امتلاك النجوم،
بل يعلقها على كتفيكِ
ويبتعد، كخياطٍ انتهى من آخر معجزاته.
لأنكِ،
تعلمتُ أن الحنين ليس رجوعًا إلى الماضي،
بل سفرٌ نحو ما لم يحدث بعد.
وأن الانتظار ليس مقعدًا في محطة،
بل شجرة تنمو داخل القلب،
وتقيس الفصول بعدد المرات التي تخيلتكِ فيها.
لأنكِ،
لم أعد أرى العالم كما هو،
بل كما يمكن أن يكون.
بعد الآن،
هذا ما حدث لي جراء ما شغلتِهِ من الحيّز المتسع:
جعلتِ الواقع يشعر بالاختناق،
وجعلتِ الممكن يرفع سقفه كل يوم،
وجعلتِ الأحلام تطالب بحقوقها الكاملة في النهار.
لأنكِ،
لا أستطيع أن أضعكِ في استعارة واحدة.
أنتِ الاستعارة التي خرجت من معناها،
وتركت البلاغة تركض خلفها.
أنتِ السؤال الذي كلما اقتربتُ من جوابه
اتسعت دهشته.
وأنتِ الغياب الذي يحضر أكثر من الحضور،
والحضور الذي يترك في المكان
فائضًا من الغياب الجميل.
ولأنكِ،
حين أمرّ على روحي،
أجد آثاركِ فيها كما تجد الأنهار
آثار الجبال التي صنعت مجاريها.
وحين أنظر إلى قلبي،
أراه أقلَّ شبهاً بعضلة،
وأكثر شبهاً بكوكبٍ صغير يدور حول اسمكِ.
