فلسطين في الرواية العربية
فلسطين في الرواية العربية
الرواية المغربية (بيني وبين إستير) لـ"بديعة الراضي" أنموذجا"
تقديم:
منذ نكبة فلسطين 1948م، حمل الشعراءُ والكتّابُ والروائيون والمفكّرون على عاتقهم مسؤولية الدفاع والمقاومة؛ الدفاع عن الهوية، ومقاومة الكيان الصهيوني، وتوسعاته بالمنطقة، مما أسفر عن نهضة شعرية، ونثرية منذُ ستينيات القرن المَاضِي، التي ظلت مستمرة، وذلك في سياقين اثنين بارزين هما؛ السياق الشعري، والسياق السردي.
وإذا كان الشعر، قد حمل اللواء، بخصوص القضية، بدءاً ب"مدرسة البعث والإحياء" حتى "قصيدة النثر العربية"، فإنه في الآونة الأخيرة خفتَ صوتُهُ، وضمُرت سيميتريتَهُ، وأفَلَتْ بيَارقُ إيقاعاته، ليتحول صوتُ التنديد والمقاومة نحو السياق السردي، ونخص بالذكر هنا، (الرواية العربية) باعتبارها قد أصبحت "ديوان العرب في القرن العشرين."
تبعاً لهذا، احتفت العديد من الراويات العربية بالقضية الفلسطينية، وفي مقدمتها الرواية الفلسطينية طبعا، التي يمثلها كل من "غسان كنفاني" منذ عمله الأول (رجال في الشمس). و"جبرا إبراهيم جبرا" برواياته (صراع في ليل طويل)، و(صيّادون في شارع ضيق)، و(السفينة)، و’البحث عن وليد مسعود)، وصولاً إلى (يوميات سراب غفان). و"إميل حبيبي" بروايته المتميزة (المتَشائل).
لم يتوقف الأمر على الرواية الفلسطينية، طبعا، بل امتد حضور القضية في الرواية العربية؛ المغربية منها، والأردنية، والكويتية، والسورية، واللبنانية، والمصرية والموريتانية، وغيرها. لكن، على الرغم من هذا التعدد والتنوع، تظَلُّ "التجربة الروائية العربية التي قاربت القضية الفلسطينية... قاصرة ومتأخّرة، ولم تواكب هذه القضية الكبرى"، على حد قول "محمد اليحياوي". ويشاطره الرأي الروائي المصري "سعيد مكاوي"، حيث يقول: "لا توجد لدينا رواية تعبّرُ عن حدثٍ كونيّ كالقضية الفلسطينية، بصورة تنَاسِبُ تأثيرات هذا الحدث".
ومن المعلوم، أن الرواية المغربية لم تتخلف عن محافل هذا الركب، ولم تشكل استثناءً في خضم هذا الزخم الروائي، بل حملت هي الأخرى على عاتقها مسؤولية التعريف بالقضية، والذوذ عنها، باعتبارها قضية قومية، وتاريخية، وإنسانية، وثقافية، بل وجودية أيضا، بشكل من الأشكال.
1-فلسطين في الرواية المغربية:
تبعاً بما سبق، اهتمّتْ الرواية المغربية بالقضية الفلسطينية، ومن أولى الروايات، وَفْقَ هذا السياق، رواية (النار والاختيار) للروائية المغربية "خناثة بنونة"، التي صدرت سنة 1971م، حيثُ تبنّتْ، من خلالها، الكاتبة القضية، باعتبارها مركز رحى رؤيتها الأدبية والسياسية. لقد عالجت أغلب الرواية "قضية فلسطين، معالجة العاطف المتمرد...فهناك توتر عاطفي ناشئ عن النكسة، وهناك حرارة صدق أغدقت عليها البطلة كل عنفوانها، وبالرغم من معاناتها للنكسة لم تكن إلا شبه مباشرة...فإن دعوتها الصادقة إلى جعل الحرب قانون هذه الأيام...شيء يجعلُ النهاية التي انتهت إليها هذه البطلة...أمرا منطقيا. وبالفعل، فإن ما أرهصته هو ما يحدثُ الآن في فلسطين".
وغير بعيد عن مثل هذا الزمن، ظهرت رواية (رفقة السلاح والقمر) للكاتب المغربي "مبارك ربيع"، التي صدرت عن دار الثقافة سنة 1976م. حيثُ تشكل جانبا هاما من المخيال المغربي في علاقة بالقضية الفلسطينية، وقد عبّر عن هذا الروائي نفسه، بقوله: "فقد توقفتْ الرواية عند حالة الانتكاسة التي شعر بها الجنود المغاربة الذين لم يتمكنوا من الانضمام إلى الجيوش العربية المقاتلة في إحدى الحروب ضد إسرائيل، (مشيرا إلى) أن الأمر ولو أنه أمر عسكري فهو بالمقابل أمر تطوعي نظرا لما لفلسطين في الوجدان المغربي".
علاوة على الرواية المغربية الكلاسية، التي مثلنا لها بهذين النموذجين، تابعت الرواية المغربية معالجتها للقضية، ونقصد هنا الرواية المعاصرة من مثل (أحجية إدمون عمران المالح) ل"محمد سعيد إجحيوح" الصادرة سنة 2020. ورواية (الريحانة والديك المغربي) ل"يحيى يخلف" الصادرة سنة 2020. ورواية (الموتشو) للكاتب والمفكر المغربي "حسن أوريد". ثم رواية (بيني وبين إستير) للروائية المغربية "بديعة الراضي" والتي اخترنا أن تكون محط هذه الدراسة، الصادرة سنة 2023. ومن أهم ما قالت عنها الكاتبة "مريم القبش": "(أنها) رواية أجمل ما فيها معالجتها لقضية تاريخية وسياسية. قضية كانت وستظلُّ الأم الروحية للبلاد الإسلامية. وأغربُ مل فيها مزاوجتها بين المرأة الفلسطينية والإسرائيلية والمؤلفة الضمنية المغربية التي تمثل المرأة العربية، وبين الماضي الأليم، والحاضر المستبد، والمستقبل المجهول".
2-"بيني وبين إستير": من العنوان إلى المضمون:
تجدرُ الإشارة، قبل الخوض في العنونة ومضمون الرواية، إلى أن القضية الفلسطينية، لا زالت وستظل على رأس اهتمامات الكتاب والصحفيين والشعراء والمؤرخين والسياسيين، وغيرهم. ولا غرو أن يستأثر بها الأدب الذي تحول في الوقت الراهن من الشعر إلى السرد الروائي، شأن ما نجد المرأة من مثل "بديعة الراضي" بروايتها ضمن النماذج النسائية المعاصرة الهامة التي اجترحت هذه القضية الشائكة، بجرأة في التناول والطرح والتحليل، بعيداً عن النمطية السردية المعتادة، وبتجديد في الخطاب الروائي، دفاعاً عن حقوق المرأة في الإبداع والتحرر في الحياة والوجود.
1-2-قراءة في العنوان:
عادة ما يحتلُّ العنوان مكانة هامة في ارتياطه بالنص الأدبي الإبداعي على وجه خاص، فهو ضمن العناصر الضرورية التي "تجعلُ من النصّ كتاباً، أي العناصر التي تُساندُ النص، وتصاحبُهُ في رحلة اكتساب الحضور والهوية الثقافية النوعية، ضمن تداولية عامة أو خاصة" . وهو ما يجعله ينخرطُ في المؤسسة الأدبية داخل المجتمع الثقافي، حيثُ نجدهُ يحتلُّ مواقعَ متعدّدةٍ من الكتاب أو العمل ’مقدمة الغلاف)، و(ظهر الغلاف)، و(صفحة العنوان)، و(صفحة العنوان المختصر)، وهي مواقع "تعضّدُ سلطة العنوان المركزي، وتجعلُ منه دالاًّ أكبر ضمن الجهاز العنواني".
من هنا، يلعبُ العنوان دوراً مُزدَوَجاً؛ فهو يحيل، أولا، إلى النص بتقديمه للمتلقي، وثانيا، يحيلُ إلى موضوع النص بشكل أو بآخر. وإذا كان صاحب (معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة) قد عرّفه أنه "مقطع لغوي أقل من الجملة نصا أو عملا فنيا" ، فإنه يتوافق مع ما ذهبَ إليه "جيرار جنيت" الذي عدَّهُ "نصا موازيا" ضمن المتعاليات النصية. وبذلك، يعدُّ جنساً أدبيا قائماً بذاته، له مقوماته ومبادئه التكوينية وخصائصه التجنيسية.
1-1-2-البنية التركيبية:
إذا أمعنّا النظر في عنوان هذه الرواية (بيني وبين إستير)، نجده يتكون من جملتين اسميتين، وعادة ما تدلُّ الجملة الاسمية على الثبات والاستقرار. حيث إن (بيني): (بين) غالبا ما يعرب ظرف مكان منصوب بالفتحة الظاهرة، وهو مضاف، الياء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه. وما دام اللفظ هنا معرفا بالإضافة فهو (مبتدأ) لخبر محذوف تقديره (كلام). و(الواو) حرف عطف، و(بين) ظرف مكان منصوب، وهو مضاف (إستير) مضاف إليه مجرور. وبذلك، فتقدير العنوان هنا هو (بني وبين إستير كلام/ حوار) أو ما شابه.
2-1-2-البنية الدلالية:
أما بخصوص البنية الدلالية، فينبغي التمييز هنا بين العناوين التيماتية (Thématique) التي ترتبطُ مباشرة بمضمون النص، حيثُ "يُكوّنُ (العنوان) وحدةً مع العمل على المستوى السيميائي، ويملكُ وظيفة مرادفة للتأويل عامة" . والعناوين الخطابية (Rhématique) التي "تشيرُ إلى شكل، أو جنس النص الأدبي، إذ يُستعملُ في استقلالية عن العمل لتسميته والتفوق عليه سيميائيا" . لكن، على الرغم من هذا الانفصال، يظلّ مشدوداً إلى النص أو مضمونه بشكل أو بآخر.
لذلك، يذهبُ "شارل غريفر" إلى أن للعنوان جملة من الوظائف؛ حيث تتمثل، الوظيفة الأولى، "تحديد هوية العمل". والثانية في "تعيين المضمون". بينما تتمثل الثالثة في "إبراز قيمة" العمل؛ وهي وظيفة تذهبُ حد الإغواء والإغراء، تبعاً للدور الفني والجمالي الذي يلعبُهُ هنا العنوان في علاقة بالمتلقي.
تبعاً لهذا، العنوان (بيني وبين إستير) يدلُّ دلالة واضحة على البنية الحوارية التي عمد إليها العمل الروائي. وبذلك، فهو من صنف العناوين التيماتية التي تربطنا، وبشكل مبَاشَر، بمضمون النص، في نطاق وظيفة تعيين المضمون. وبمكنُ أن نتبيّنَ هذا من خلال الإجابة عن السؤالين الآتيين؛ ما المقصود ب(إستير)؟ وما طبيعة الحوار الذي سيدور بينهما؟
إن المقصود هنا بـ (إستير)؛ (سِفر إستير) الذي ورد في الكتاب المقدس العهد القديم. وتجدرُ الإشارة إلى أن لفظ "السِّفر، بالكَسْرِ: الكتاب. وقِيلَ: هو الكتابُ الكًبِيرُ، وقيل هو جُزْءٌ من التّوراه. والجمع أسْفَار" . أما (إستير) فهي التي كانت أيام حكم احشويروش)، فبعد أن عصت الملكة (وشتي) أمره بعدم الحضور الحضور إلى الوليمة، الطقس المعتاد، أصبحت هي الملكة بعد أن قدمها له عمها (مردخاي)، وقد كان لها دور عظيم في إنقاذ شعبها من الهلاك والعبودية من (هامان) الذي صلبه الملك آنذاك (عدو اليهود) . وتبعا لهذا، فمن الطبيعي ان يكون الحوار (جدلا) قائما بين السارد وشخصية (إستير) نظرا للاختلاف القائم بينهما حول (سؤال القضية).
2-2-التعريف بالرواية، ومضمونها:
قبل الخوض في مضمون الرواية، يجدرُ بنا التعريف بها، باعتبارها محط هذه المدارسة. لذلك، فرواية (بيني وبين إستير) للكاتبة المغربية (بديعة الراضي) ، صدرت عن دار الثقافة للنشر والتوزيع، بالدار البيضاء. الطبعة الأولى، سنة 2023. وهي من الحجم المتوسط، وتصل عدد صفحاتها إلى (190) صفحة. وتصم بين دفتيها (21) فصلا معنونا على الشكل الآتي: (انزياحات نحو الخيال- السؤال- مطاردة الظل- تبادل الأدوار- خطوات إلى الخلف- أنين الجسد العليل- الشرق الذي يسكنني- النزول من الهاوية- ضباب وسراب- المكاشفة- المرافعة- دعوة إلى الرحيل- الزمن المنفلت- البحث عن مرتفع- المنحدر- الحقيقة- الخط المشترك- الذاكرة الأليمة- بناء الجسر- الثقب- تحديد المسافة).
يتمحورُ مضمون الرواية، التي جاءت في شكل حوار جدلي بين ثلاث شخصيات أساس (الرجل) و(السارد) و(إستير)، حول سؤال القضية التي تم طمس حقائقها التاريخية والثقافية نظرا لسطوة المستعمر وسلطته، في ظل عرض وجهات النظر حول حقوق الأنسان وحق الفلسطيني في وطنه، حيث إن شعار القيم والدفاع عن حقوق الإنسان في المحافل والمؤتمرات مجرد قناع أصيل، ينبغي فضحه، في ظل أن هناك شهب بأكمله يُباد في صمت، وبعيداً عن عيون الإعلام والصحافة، بل بادعاء حق تم تزويره في غفلة من التاريخ والمؤرخين.
3-أنساق حضور القضية في الرواية:
تعدُّ رواية (بيني وبين إستير) من اهم الروايات المعاصرة التي اهتمت بالقضية الفلسطينية، بشكل مختلف عن جل الروايات الكلاسية التي حاولت الاهتمام بها. وبذلك، يمكنُ ان نتبين أنساق حضور القضية فيها منةخلال ثلاث مناح هي (النسق التاريخي)، و(النسق الثقافي)، ثم (النسق الإنساني).
• النسق الإنساني:
استأثرنا أن نفتتح حضور القضية الفلسطينية في هذه الرواية، بدءاً بالنسق الإنساني، نظرا لتواجده بشكل ملفت للنظر، وذلك منذ بداية الرواية. حيث عمل السارد منذ الفصل الثاني (السؤال) أن يفصح عن الموضوع: "والحقيقة أن هنا وهناك ملتحمان حد عدم القدرة على التفريق بينهما، في الانشغال بسؤال القضية، التي تسكننا، تعلّقُنا من جفوننا، إن فكرنا في أن ننشغل بقضايانا في لحظات الانزواء والتفكير في الذات".
إن هذا الإفصاح الأولي، إعلان منذ البدء عن أن القضية لا زالت لم يتسن لها أن ترجع إلى أوجها وواجهتها الإعلامية والسياسية، ودعوة في الآن نفسه، إلى عدم الاستناد إلى ذاكرة النسيان. وفي سياق هذا، تحضر من زاوية نظر إنسانية، تفضح معاناة شعب بأكلمه، وحقه في الحياة: "يا مؤلفي الضمني، شمّرْ على سواعدك، وفتّشْ تحت التراب وفوقه، أيقظ كل نوام الحي، أو من فقدوا وعيهم في ليلة القصف بصواريخ الهاون، او بطائرات دون طيار، اسأل علماء الحرب لماذا فكروا في القتل ولم يفكروا بالقدر نفسه في الحياة".
إنّ الصرخة الإنسانية المدوية هنا، لم تبدأ من مغتصبي الحق في الأرض والحياة، بل من العلماء الذين آثروا اختراع الحرب من أجل الموت والإبادة، ولم يفكروا في المقابل في الحياة. وهذا ما يجعل العلم أصلا على محك سؤال التطور، هل العلم يتطور الآن في سبيل الحروب والاستقواء على الضعفاء، أليس من حق هؤلاء أن يفكروا في الحياة وفي الإنسان؟!
وفي سياق الرواية التي تخوض الحديث عن لحظة الاستجمام على شاطئ البحر الميت، بوجود السارد وإستير، ثم ظهور الرجل الذي حسبته إستير قد افتتن بجسدها الستيني، لكن الأمر خلاف ذلك، هو مهجر من موطنه واتخذ الجبل المقابل موطنا له، في انتظار العودة إلى فلسطين. لذلك عندما قدم خدمة للسارد(ة)، أراد أن يمده بمقابل، لكن الرجل علق وقال:"ذلك البحر لي، والجبل موطني. أنا من هناك وذلك السراب هو وكري المسلوب، لكني سيدتي لمحتُ في عينيك وطني الضائع، وأشيائي المفقودة، وأمنياتي المعلقة، وجبلي الصامد، ورأيتك تلمين أشلائي، وتبددين تبعثري، وتقفزين هناك، لتجلبي الدواء لأطفالي، وتحملي البندقية لحمايتي، عيناك سيدتي انتماء، احسه داخلي، أنت غير تلك العجوز التي تسبحُ في مياه محيطي" . ويقصد هنا بالعجوز (إستير) التي ترمز إلى الكيان المغتصب للأرض الفلسطينية.
وبالمقابل يجيبه السارد، دلالة على أن معاناته هي معاناة الأمة العربية والإسلامية ككل، لذلك، يقول له:"لست وحدك كنت في المرتفع أو المنخفض. حتى البكاء سنتقاسمه، والحزن، والفرح إن شئت، ورغيف المساء. وسنتذوق معا القهوة الممزوجة بالقرنفل، والورود الأخرى التي اختارتها جارتنا العجوز، ورتبتها في اليوم الحار، كما كل أغسطس من السنة" .
لم يتوقف (النسق الإنساني) عند هذه الحدود، بل توسعت رقعته إلى حدود الكشف عن معاناة الشعب الفلسطيني، من خلال الإدلاء بنماذج من الشخصيات التي تحكي معاناتها، وذلك على مستوياتٍ عدة. من مثل شخصية (أكرم)؛ قال أكرم: "....فزوجتي لديها هوية فلسطينية وليس لديها هوية القدس. الأمر كارثي بالنسبة إلينا، بعض المرات لا تُمنحُ تصريح الإقامة الذي يُجدّدُ كل شهر. هناك عائلات كثيرة لا تًمنحُ هذا التصريح. زوجتِي معها تصريح بمعجزة، ولكن العديد من حملة هوية القدس المتزوجين سواء زوجة أو زوج بهوية فلسطينية، لا يتمكنون من استصدار تصاريح لهم للإقامة بالقدس، لذا يضطرون إلى السكن في مناطق خارج الجدار ليتمكنوا من العيش مع أزواجهم".
• النسق الثقافي:
بداءة، تجدرُ الإشارة إلى أن هذا النسق، يحضرُ في الرواية بشكل احتجاجي ونضالي، وبلغة حوارية صارمة، تعكسُ مدى استياء السارد من بطش الكيان، في مواجهة صارخة مع الشخصية (إستير). يقول السارد: "فاتركيني يا إستير، أو أنا التي سأتركك، سأنفض يدي منْكِ، وسأغيبُ، لا حلم معك، ولا تخطيط لبناء مدن السلام، من قال إنك لا تستمتعين بقهر الوسيم الذي سيظلُّ يراقبك، استعداداً للقاء الحاسم، بلغة الكشف والمكاشفة، لا ألغاز فيها، ولا عقل عاجز عن الإدراك...".
ولهذا، تم اعتماد استراتيجية المواجهة، التي تدعم إعادة التعريف بالقضية في ظل الدفاع المقنع عن الحرية وحقوق الإنسان. وقد تم التعبير عن هذا من خلال قول السارد: "أنا وأنتِ لن تكون هويتنا حجارة، ستكونُ ذاكرة وتاريخاً وقوة الإقناع بالقضية. سنتحدّثُ على رجل السياسة والقانون، وإلى الأستاذ والمعلم، والجامعي والمحامي، والواقف على باب الله، ينتظر رغيفه اليومي".
ولا غرو، أن يخلص السارد إلى خلاصة، تعكس الفجوة الثقافية التي تحملها القضية، بين الادعاء والحقيقة. لذلك يقول: "وأخبرك ياصانعة الحروب باسم السلام، أنه لم يعد هناك وقت للكلمات الرنانة، وللبيانات والبلاغات، حتى نحدد المسافة التي بيننا، ونعرف هل هي مسافة على أرض آمنة، لنضع اليد في اليد لتدارك ما ينبغي تداركه، ام أنها مسافة حفرة المصيدة، لمن يخطو في البدء..." .
• النسق التاريخي:
يظهر في ثنايا هذه الرواية، أن الروائية لم تتطرق إلى حقائق تاريخية بقدر ما عملت على تأكيد الحق في الوطن والحياة، وهو ما عبرت عنه من خلال شخصية (السمين) من خلال مرافعته، حيث قال: "النحنُ أهلها، سكان هذه الأرض، وملاكها، لا نخشى مراكز قرارهم ولا داعميهم، لا ترسانة أسلحتهم، مستعدون أن تسيل دماؤنا الزكية فوق ترابنا.... كي يسجل العالم، اكبر انتهاك للحق في الحياة بعدما شجل أبشع الجرائم أمام مرأى ومسمع المجتمع الدولي الداعي في سجله إلى العدالة وحقوق الإنسان".
تبعا لهذا، تذهبُ إلى تأكيد أن التاريخ الذي يحرم الشعب الفلسطيني من ارضه، هو تاريخ مزور في غفلة من التاريخ والمؤرخين، وهو ما تم تأكيده على مسار الرواية، حيث يقول السارد: "لا شيء يمنعك يا إستير من التعبير عن الحدث كيفما أردت، فكل الوثائق احترقت، وأعلن مالكوها أنْ لا جدوى من حفظ ذاكرتها، فلا الوثائق قادرة ولا وقائعها صامدة أمام جبروت الحاكم، وقدرته على الإعلان عن موت تاريخ، وولادة آخر، وبين الموت والولادة شهادة تزوير نعرفها أنا وأنت، لأن حقيقتها ستظلُّ تكتبُ بالدم في سجلات الخالدين"
4-الجمال الإبداعي في رواية بديعة الراضي:
تتعدد معالم الجمال الإبداعي والفني في هذه الرواية، ما دامت تعد ضمن صنف (الرواية الجديدة)، إن لم نقل (الأجد)، نظرا لمخالفتها تماما لمعايير الرواية التقليدية. تبعا لهذا، سنركز القول على أهم ثلاثة معالم يجعلها في مصاف هذا التصنيف. ويتمثل المعلم الأول في صياغة الرواية في قالب حواري جدلي. والمعلم الثاني في تجاوز اللغة السردية نحو اللغة الشعرية المجازية. بينما يتمثل المعلم الثالث في التناص سواء على مستوى التناص (الشعري) أم على مستوى استحضار الشخصية الرمزية والدينية (إستير).
• المعلم الأول: بنية الحوار والجدل:
تتسّمُ الرواية الجديدة، بمميزات عدة، أهمها شكل اللغة الروائية، أي ما ينعته "عبد المالك مرتاض" بالسحر اللغوي الذي "إذا غاب عن العمل الروائي، غاب عنه كل شيء؛ غاب الفن، وغاب الأدب معا. أما المستويات اللغوية الساذجة الفطيرة...فلا ينبغي لها أن تركض في فلك الفن الجميل، ولا أن تنضوي تحت جناح الأدب الرفيع...ولكن عليها أن تبحث عن مستوى آخر تتصنّفُ فيه".
تبعا لهذا، تتعدد أشكال اللغة الروائية؛ (لغة النسج السردي)، و(لغة المناجاة)، و(اللغة الحوارية) التي عمدت إليها الروائية في هذا العمل. وبذلك، يعد الحوار هنا "هو اللغة المعترضة التي تقع وسطا بين المناجاة، واللغة السردية، ويجري الحوار بين شخصية وشخصية، أو بين شخصيات وشخصيات أخرى داخل العمل الروائي".
وبذلك، جاءت لغة الرواية (بيني وبين إستير) لغة حوارية جدلية، وقد تميزت بالاقتضاب والتكثيف، بعيداً عن (الرواية المسرحية)، كما أنها حافظت على الخط السردي حتى لا يضيع القارئ والمتلقي في تخوم بعض التحليلات وجمالية اللغة الشاعرة. ويمكن أن نمثل لهذه البنية (الحوارية) التي تشكلت منها لغة الرواية بما يأتي: "هو الوطن يا إستير، يعرفُ من يضحي من أجله، يكتبه بالبنط العريض في دفتر التاريخ، ويعرف من يضحي به، في مساومة مكشوفة رغم التكتم عن الفعل الشنيع".
علاوة على (اللغة الحوارية)، عمدت الرواية، في نطاق تشكيل الخطاب الروائي المميز للرواية الجديدة، إلى (المناجاة) التي ذهب النقاد إلى أن الروائي (إدوار دي جردان)، في روايته (الرندات قطعت) هو من أبدع هذا النوع من التشكيل اللغوي من الحوار، منذ مطلع القرن التاسع عشر. والمناجاة هنا، هو "حديث النفس للنفس، واعتراف الذات للذات؛ لغة حميمة تندسُّ ضمن اللغة العامة المشتركة بين السارد والشخصيات؛ وتمثل الحميمية، والصدق، والاعتراف، والبوح".
ويمكن أن نمثل لهذا، بما ورد في الرواية –تمثيلا لا حصرا-: "فأنا شتات الواحد، أمام مركبك التائه في ممرات المياه الشرقية، التي تختلسين السباحة على سطحها، مثل جسدك الذي يطفو قهراً في مياه البحر الميت المالحة، مدفوعاً إلى خارجها، كي تكشف خطوط الشمس الباهتة في مقدمة أمسية عابرة في زمن كشف مآل الديمقراطية بلغتي عوالم الأفروسكسونية والأنجلوسكسونية. عن جسدكِ التواق إلى عيش أبدي، ضد إرادة السماء أو الطبيعة"
• المعلم الثاني: اللغة الشعرية والمجاز:
تعد اللغة الشعرية والمجازية من مميزات (الراوية الجديدة)، ونقصدُ بها هنا؛ تلك اللغة التي وإن احتفت بالسرد، فإن طبيعتها الشعرية يجعلها "تسلك طريق التغيير والتخويل ورسم صورة الشيء في غيره، بحثاً عن الشبه الدقيق، والعلاقة الخفية التي يضبطها إيقاع المناسبة" ، ومن الطبيعي أن تُفْتتحَ الرواية بمثل هذا الخطاب الشعري: "كل شَطحاتِي وانزياحي عنِ الواقِعِ لم تُشبِعْ رغباتي فِي محوِ الصّور الألِيمة. الأجْسادُ معلّقة بين السماءِ والأرْضِ، تنْزِفُ دماً، لا خيْطَ يظهرُ لفكّهَا، ولا سلالِيم تُسعِفُ للبحثِ في الأفْق الضّبابِي. وحده بُكاءُ الطّفل يصلُ إلى مَسامِعِي، الصّوتُ المتقطّعُ طالباً النجدةً على لسان امرأةٍ عجوز".
ومن بين ما تميزت به هذه اللغة الشعرية، باعتبارها مكوناً هامّاً من مكونات الخطاب الروائي، هو (مركزية الذات)، والتي تظهرُ على مستوى الرؤية السردية من خلال استعمال ضمير (المتكلم)، (الرؤية مع)، مع العلم أن هذا لم يمنع من التنويع في الضمائر. لذلك، يقولُ السارد في إحدى فقرات الرواية: "يا الله، يا مؤلّفِي الضّمنِي، يا سَنَدِي، في هذَا الانتمَاء، يا لِسانِي، ويا تَفْكيرِي، يا مُنْطلقِي، ويا اللاّحدودي، أعرفُ أنكَ مِثْلِي تختَنِقُ، ولسانُكَ التوى، وأصابِعُكَ كادَ الشللُ أن يطْوِيها حدَّ صعوبة بَسْطِ اليدِ لإنْجاز الفعل".
وإلى جانب (مركزية الذات) الشاعرة، تميزت اللغة الشعرية، أيضا، بخصيصة (التوليد) داخل النص الروائي، مما جعله غير متناهي المعنى، وإن استند إلى ثوابت قارة. لذلك، للخوض في تخومه المعتمة لن يتم إلا من خلال سيرورة قرائية متتالية، حيث إن مثل هذه "النصوص لا تحتوي على البنيات النحوية وحدها في مستويات متعددة...بل تحتوي أيضا على بنياتٍ أخرى مثل البنيات العليا (الخطاطات) والبنيات الأسلوبية والبلاغة التي تضطلع بتغييرات عدة، وبنيات إضافية في مستويات عدة في النص".
• المعلم الثالث: التناص:
عُرفَ (التناص) عند النقاد العرب القدامى ب(التضمين)، وهو يتنازعه مفهومان؛ مفهوم يلحقه بمفهوم الاقتباس، ومفهوم آخر خارج عنه. أما في مفهومه الحديث فهو حين يحيلُ مدلول (النص) بشكل عام إلى مدلولات خطابية مغايرة، حيثُ يمكنُ قراءة خطاباتٍ عديدةً داخل (القول) أو النص.
ومنذ (جوليا كرستيفا) وصولا إلى النقدة المغاربة، وعلى رأسهم (محمد مفتاح) نجد أن التناص يتمثل في ثلاثة مستويات؛ يتمثلُ المستوى الأول في (التناص الاجتراري)، وهو "عملية إعادة كتابة النص الغائب بصيغة سكونية وتمجيدية لبعض مظاهره الشكلية أو المضمونية"، وهو ما وسمته الناقدة ب(النفي الجزئي).
وقد وظفت الروائية (بديعة الراضي) هذا المستوى، خاصة على مستوى النصوص الشعرية لكل من (نزار قباني)، و(محمود درويش)، و(أحمد بركات)، و(محمد الماغوط)، وغيرهم. ويمكن أن نمثل لهذا بما أوردته من شعر محمود درويش، حيث يقول السارد: "بينما فضلت أنا، الحالمة ببساطٍ يحملُنِي، كي أكتشف ما وراء السّراب، أن اغنِّيَ القصيدة بأعلى صوتي، كي أكون ومحمود درويش واحداً لا اثنين: "...أول الحب، عشبٌ على حجر، أمهات تقفْنَ على خيط ناي. وخوفُ الغزاة من الذكْريات.
على هذِهِ الأرض ما يسْتَحقُّ الحياة: نهاية أيلول، سيدة تتركُ
الأربعين بِكامِلِ مِشْمِشِهَا، ساعة الشمس فِي السجن (إلخ...)"".
بينما، يتمثّلُ، المستوى الثاني، في (الامتصاص)، ويُقصدُ به "عملية كتابة النص الغائب في نطاق التّماهي، ليُصبح استمراراً لهُ في مستواه الحركي والتحوّلِي". وهو ما تنعته (جوليا كرستيفا) ب(النفي المتوازي) . وقد تم توظيفه في هذا النص الروائي على الشكل الآتي:"قلتَ لي إنك مظلوم، وتركت الجمل بما حمل، تركتَ العيش الضيق، وذهبت، إلى وطن آخر، وعشت الحياة، أبناؤك نسوا في لحظات الاحتضان، العقال، والكوفية، ولغة الشاعر التي غنت آلام الحصان الوحيد". وفي هذا إشارة إلى (لماذا تركت الحصان وحدا) للشاعر الفلسطيني (محمود درويش).
أما المستوى الثالث، فقد تمثل في التناص الحواري، وهو عملية "اقتحام بنية النص الغائب والتغيير فيها، ونفي قداسة النص الأصلي. وهو ما ذهبت إليه (جوليا كرستيفا) في مفهوم (النفي الكلي) . وهو ما عمدت إليه الروائية حين عارضت الشاعر "محمد الماغوط)، حين قالت: "لكن، لن أقول لها إن "من الغباء أن ادافع عن وطن لا أملك فيه بيتا، ولا من الغباء ان اضحيَ بنفسي ليعيش أطفالي من بعدي مشرّدِين..ولا من الغباء أن تثكل أمي بفقدي وهي لا تعلمُ لماذا مت..ولا من العار أن أترك زوجتي فريسة للكلاب من بعدي".
خاتمة:
وفي الختام، يمكنُ القول إن رواية (بيني وبين إستير) للروائية المغربية "بديعة الراضي"، من الروايات المعاصرة ضمن صنف الرواية (الجديدة) التي عملت على إحياء سؤال (القضية) بصيغة جديدة، في نطاق متابعة مسيرة الشعر في النضال والمقاومة، وهو جعلها تنفتح على جملة من الشعراء الذين عكسوا مدى استياء القومية العربية من هذا الوضع الذي بات مقلقا خاصة في الآونة الأخيرة التي عرفت صيحات الحرية وحقوق الإنسان في صيغتها النفعية، وليس باعتبارها ضرورة وجودية.
