نسق البطولة في الرواية الفلسطينية
نسق البطولة في الرواية الفلسطينية من اتفاقية أوسلو إلى انتفاضة الأقصى دراسة سيميو ثقافية
تقديم:
الرواية من أكثر الأجناس الأدبية تعبيراً عن قضايا، وهموم الإنسان المعاصر، واخترتُ الرواية الفلسطينية تحديدًا؛ لتلك الخصوصية التي امتازت بها عن شقيقتها العربية من حيث خصوصية الموضوع؛ ولرغبتي في دراسة موقف الروائي الفلسطيني من قضايا وطنه، وقدرته على التعبير عن ذلك.
إنَّ الشخصية تشكّل عنصراً بارزاً من عناصر البناء الروائي، والبطل هو أهم الشخصيات الروائية؛ لذلك اخترتُ تتبع نسق البطولة في الرواية الفلسطينية، وهنا أعني بنسق البطولة هو الشخصية التي تلعب دوراً رئيساً في النص الروائي، وليس البطولة بالمعنى العام الذي يرتبط بالقدرة الخارقة، «فالبطولة في اللغة هي الغلبة على الأقران، والبطل: الذي يبطل العظائم بسيفه فيبهرجها، وتَبْطُل جراحه فلا يكترث لها؛ لأن الأشداء يبطلون عنده أيضا؛ لذلك سُمي بطلا».
والبطل -المقصود في هذه الدراسة- هو أحد الشخصيات الروائية التي تستمد أفكارها، وتقاليدها، وصفاتها من الواقع الذي تعيش فيه، وعليه فإن تتبُّع هذا النسق في الرواية الفلسطينية في زمان، ومكان الدراسة المحددَين؛ ينتهي بإقامة تصور واضح حول موقف الشخصيات الروائية التي قلدها المؤلفون منصب البطولة في أعمالهم الروائية، بوصفهم أبطالًا يظهرون على أشكال مختلفة، تعرض صورة للواقع من جهة، ورؤية تخييلية من جهة أخرى.
ولقد اخترت فترة زمنية لم تتوفر دراسات متخصصة لها تتناول نسق البطولة، وهي الفترة الممتدة بين اتفاق أوسلو عام 1993م، واندلاع انتفاضة الأقصى التي بدأت 28 من سبتمبر عام 2000م؛ حيث شكلت هذه الفترة منعطفاً واضحاً في حياة الشعب الفلسطيني، وقضاياه بوصفها مرحلة سلام، وتحول من المقاومة المسلحة إلى المفاوضات، ما يعني أن هذه الدراسة ترصد صورة المجتمع الفلسطيني بأفراده ومبدعيه، وكيفية معايشتهم لها، ومردود ذلك في الفن الروائي ولا سيَّما شخصية البطل.
وأما عن الحدود المكانية للدراسة، فقد اختار الباحث الرواية الفلسطينية في قطاع غزة، والضفة الغربية، والأرض المحتلة عام 1948م ؛ وذلك لصعوبة دراسة كل الروايات التي تناولت فلسطين داخل فلسطين وخارجها في الوطن العربي، بل حاولتُ حصر الدراسة فقط في الضفة الغربية، وقطاع غزة، ولا سيَّما أنهما أكثر بقاع فلسطين تأثراً بمرحلة السلام بعد اتفاقية أوسلو؛ لكن الباحث رغب في إدراج أرض فلسطين المحتلة عام 48 ضمن الدراسة من ناحية، محاولا عقد مقارنة بين رؤية المؤلفين داخل القطاع، وداخل أرض فلسطين المحتلة عام 48 م، وهنا قد تتوحد الرؤية أو تختلف بين نصوص روائية ظهرت في مكانين مختلفين، أحدهما ظل خاضعا للسيطرة الإسرائيلية، والآخر في مرحلة سلام.
ولقد انطلق البحث من عدة تساؤلات منها:
– هل أبطال النصوص الروائية الصادرة بعد أوسلو ينعمون بالسلام، ويحملون ألوية التعايش مع العدو؟ أم أنهم ظهروا في صور مناقضة لتلك التي ظهرت طيلة العقود السابقة، التي شكلت المقاومة عنصرها الفاعل في نسق البطولة؟
– أم أنَّ واقع ما بعد أوسلو ما عاد بحاجة إلى أبطال؛ نتيجة غياب المقاومة المسلحة -مؤقتاً- ما جعلهم يغيبون في الواقع والرواية، وحلت مكانهما الشخصيات المتعددة محل شخصية المقاوم -الشخصية الوحيدة المهيمنة على الأحداث فيما قبل أوسلو-؟
– أم سيظهر أبطالٌ متمرّدون على تلك الأنساق الثقافية، والسياسية التي فرضتها ضغوط مرحلة ما بعد أوسلو؟
المنهج المتبع:
وقد اتبعت الدراسة منهجًا (سيميو ثقافيًّا) يمزج بين منهجين:
سيميائي، وآخر ثقافي؛ لاكتشاف البنى العميقة في الموضوع محل الدراسة من خلال المنهج السيميائي، ثم المنهج الثقافي، ومحاولة الكشف عن الأنساق الثقافية في أنساق صور البطولة المتنوعة في الأعمال الروائية الفلسطينية.
أظهر النص الروائي الفلسطيني الذي كُتب بعد أوسلو، الاختلافات السياسية التي أثرت بشكل واضح على دائرة العمل الوطني، والتي انعكست بدورها على الإنسان الفلسطيني في أرض الواقع، ثم أنتجت صورة في إبداع موازٍ في النص الروائي؛ فظهر بشكل واضح نسق البطل الروائي في بطل سلبي متردد حائر بين المقاومة وبين السياسة، وهنا تتضح ثنائية المقاوم والمفاوض/ المستسلم كنسق ثقافي سياسي.
• نسق المقاوم والمفاوض:
ونجد شخصية المقاوم تبرز بوضوح في روايتي «في حزيران القديم» و«نجمة النواتي»، ويُبنى نسق البطولة في الروايتين على خصيصة النقد الذاتي للواقع، وهو ما نطقت به الشخصيات في الرواية، فنجد (خليلًا التلمس)، يقول:
«بلادنا ضيعها العرب شبراً شبراً، ونحن لم نحسن الدفاع عنها»، وهو ما اتفقت معه شخصية (صالح)، في غير موضع من الرواية، «فلولا الضعف الفلسطيني والخنوع العربي على وجه العموم، لما تمكن الإسرائيليون أن ينالوا منا»؛ وبسبب هذا النقد الذاتي ينسحب خليلٌ من الجبهة، ويتوجه إلى حارته في المخيم، بل يقلع عن العودة مرة أخرى للنضال حيث «أدخل سبابة كفه اليمنى في فوهة البندقية، وضغط باليسرى على الزناد، وطخ إصبعه»، «وجلس لا يصد، ولا يرد» على حد تعبير العجوز صفية.
وهنا ينجح الروائي في رسم نسق البطولة المقاوم للعدو وهو يتراجع؛ بسبب سوء القيادة العربية، التي قادت الجماهير الفلسطينية الثائرة، والمتحفزة للدفاع عن أرضها، نجح دون السرد التاريخي للأحداث، والوقائع مثلما (عبد الله تايه)، في روايته «قمر في بيت دراس».
فعل ذلك في مشهد يلخص الهزيمة من خلال تقدم لوري الإسرائيلية «الجماهير تصيح: نضربها، والتلمس يقف مشدوها لبلاهة الضابط العربي، الذي ظل بانتظار تعليمات تأتيه عبر الحبل الممدود، تغطرست اللوري، تراقصت، لامستهم وابتعدت، قررت اغتيالهم فرداً فرداً ثم عفت، وتراءى جنودها يدلون ألسنتهم للمنجد خليل التلمس، ويحركون له الإصبع الوسطى، ثم يمضون».
وبسبب تلك الواقعة المهينة يتحول البطل إلى نسق أسطوري، وذلك بانضمامه للمقاومة المسلحة للثأر، وإذلال العدو بكل الوسائل، ويتحول إلى صورة للبطل القاهر، وحكاية تتناقلها النسوة على صنبور الماء «المنجد خليل غضب الله الماحق.
– إصبعه المقطوع أمهر من جيش هارب !
– في أيام قاتلهم كما يقاتلهم أحد في عقود
– الغائب صحا، وانفلت كقدر محتوم».
وبذلك تظهر ثنائية المقاوم والمستسلم/ المفاوض في شخصية خليل، حيث استسلم وقطع إصبعه الذي يستخدم في المقاومة -إطلاق النار- ثم يتحول إلى نسق أسطوري ظلت النسوة تتغن به، ويوظف المكان -بجوار صنبور الماء- والماء رمز الحياة وأساس البقاء، وكأن المؤلف يجعل مكانة القضية عند كل عربي بمكانة الماء للفلسطيني، ويمكن تمثيل تلك الثنائية بين المقاوم، والمستلم على المربع السيميائي لغريماص كالآتي:
وهنا يقع البطل بين مجالين دلاليين:
أ- مجال دلالي إيجابي، وهو المتمثل في حالة المقاومة، والدفاع عن الأرض؛ أي قبل اتفاق أوسلو.
ب- مجال دلالي سلبي، الاستسلام والشعور بالهزيمة، والانسحاب من الجبهة، وقطع إصبعه بعد اتفاق أوسلو.
وبين هذين المجالين، وألم الذات، وترددها تأتي النهاية بالعودة للمقاومة المسلحة، حتى ينال الشهادة في سبيل الله، ومحاولة الدفاع عن أرض الوطن، وهنا تتبدل الأمور والأحوال: العجوز صفية «رقصت معتدلة كصبية في ليلة الزفاف، دارت حائمة، وغطاء الرأس بيدها، قفزت وتثبتت ثم غنت: يا خليل يا أبو رموش، إصبعك أرجل من جيوش»، وهكذا تحول إصبع خليل من رمز للتخاذل، والتراجع عن المقاومة، إلى رمز لرفض الهزيمة وانطلاق المقاومة، وهو ما يمكن تمثيله بمخطط العواطف الصاعد؛ لأن البطل تحول لدور اجتماعي إيجابي:
• النسق الديني ورسم صورة البطولة:
شهدت الرواية الفلسطينية تعددًا في صور البطولة وفق مراحل زمنية، مثل أبطال لاجئين عاشوا نكبة 1948م، وما تلاها من مظاهر تشرد وظهور المخيمات، ثم مرحلة البطل المقاوم / الفدائي وقت الانتفاضة، ومرحلة البطل المفاوض وقت اتفاقية أوسلو، وهنا ظهر النسق الديني في رسم صورة البطل.
ومن الروايات التي وظفت النسق الديني في رسم البطولة الروائية رواية «ستائر العتمة»، والبطل الروائي بها هو (عامر عبد الحكيم)، الذي يرى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي امتدادًا لصراع ديني بين الإسلام والكفر؛ لذلك نجد صورة المجاهد الإسلامي تحل محل المقاوم، وهنا يستدعي المؤلف زمنين مختلفين، الماضي والحاضر، ويشكل بهما زمنا للصراع بين (عامر، والمحقق اليهودي)، وكأن هذا الصراع يمثل تآمر الأحزاب على الدعوة الإسلامية، ويصور المحققين «كأنهم زعماء بني قريظة، والنضير وقينقاع، عندما كانوا يجتمعون للتآمر على الدعوة الإسلامية».
ولشدة التعذيب الجسدي الذي تعرض له، كادت يده تشل، ومع ذلك كان يريد المزيد منه حتى تتجسد به بطولة بلال «رضي الله عنه»؛ فيقول: «ليتهم يعودون للأسلوب القديم.. لقد اشتقت لتجسيد بطولة بلال، أريد أن أضع نفسي على المحك»، وهذه المفارقة القائمة على الثنائيات الضدية بين الماضي والحاضر، والإسلام والكفر، عامر والمحقق، واستدعاء رمزية بلال بن رباح «رضي الله عنه» وصبره، ويجعل عامر يمثل المعارضة التي ترفض السلام مع اليهود؛ لمعرفته بنكثهم العهود، ويأتي رفضه لاتفاق أوسلو التي يراها قد «أضعفت المقاومة، ومحاربة الاحتلال أصبحت على الهامش بعد أن كانت في صلب الاهتمام الفلسطيني العام».
وبذلك يكون المؤلف قدم صورة للبطولة مستمدة من الفكر الإسلامي معتمدًا «على الذاكرة المتماسكة واعتبارها مفتاح الهوية، وانغماسها في معترك صراع حملت فيه أحلامها وأمانيها»، كل هذا الألم والعذاب يدلان على «خلود الفلسطيني في عشقه لوطنه، وتمسكه بحبات ترابه وتعلقه بقدسه الحبيب».
• نسق البطل السلبي:
على النقيض مما سبق يظهر البطل السلبي، ذلك البطل الذي لا يمتلك قيمًا ولا ثقافة، وهو بطل يصعد من رحم الطبقات الدنيا ويحاول الوصول السريع ولا سيَّما للغنى، حتى لو كان الصعود على جثث الأبرياء، وحتما ستكون نهايته في مستنقع القذارة، و«شعاره دوماً: «لا تفكر في الإصلاح»، هذا النسق من البطولة الروائية تمثل شخصية سلبية، لا تشارك في الأحداث، ولا في صياغتها، ولا تحاول تغييرها، وفي الوقت ذاته، تجعله السلبية متردداً ضعيفًا سهل الانقياد،» ويبرر فشله بسوء الحظ، ويعيش في الأحلام بعيدا عن الواقع وإخفاقاته؛ لذلك تتجاذبه «حركتان متناقضتان، حركة في اتجاه الوعي، وأخرى في اتجاه اللاوعي».
وتمثل هذا النسق رواية «زمن دحموس الأغبر»، حيث يلعب (حسون عبد المنان أو دحموس) -كما أطلقت عليه ذلك أمه لشقاوته وظل يلازمه طيلة حياته- دور البطل السلبي غير المبالي، ويحتار المتلقي حين يطالع العتبة الأولى -العنوان-، فلا يدري من يوصف بالأغبر ؟ أيقصد الزمن أم دحموس ؟؛ ولكن بعد القراءة، يتضح أنه يقصد بالأغبر الزمن، ودحموس، وأن الزمن الذي يقصده المؤلف هو زمن (اتفاقية أوسلو).
يظل دحموس طوال صفحات الرواية متخبطاً متردداً سلبياً، يحمل الشيء، ونقيضه في آن واحد، فهو لا يعرف، ولا يعرف القارئ معه إلى من ينسب؟؛ هل عبد المنان الذي يقدمه الكاتب كوالده؟ أم إلى أبي الفرشان، جارهم في المخيم؟ أم إلى المقصع الجاسوس، زوج والدته لاحقا؟.
ثم تزداد سلبيته في فترة الشباب؛ فيحاول التخلص من نظرة المجتمع له عبر الانتماء لجماعة دينية، ويتستر بستار الدين، ويحظى بلقب الشيخ، ويرتدي الجلابية ويطلق اللحية، ومع ذلك تلمس زوجته الثانية (دلال)، ازدواجية سلوكه حين يذهب لشراء ملابس لها من معرض الزي الإسلامي، وتفاجأ بفحشه، وفجوره، وعدم احتشامه، وهو يحاور البائع بشأن هذه الملابس».
وهذه المفارقة في نسق بناء شخصية دحموس السلبية بين الجانب الديني/ الشكلي، وبين الانحلال والفجور/ الداخلي، توضح ازدواجية القيم في نسق البطولة في حياة الشخصية الروائية، وهو ما يتضح فيما بعد من تخلي دحموس عن هذا التدين جرياً وراء المصلحة والنفع؛ فيتخلى عن الجلابية، واللحية، ويرتدي البدلة، وربطة العنق؛ لأنه يرى « أنه لابد من رؤية الأمر أبعد من أنوف المشايخ».
وازدواجية النسق السلبي للبطولة يتضح في موقفه من (نسرين)، التي كاد يشوه وجهها المطلي بالأصباغ خلال الانتفاضة، ثم عاد وتزوجها في مرحلة أوسلو؛ لاجتماع المصالح، وهذا التردد، والضعف في شخصية دحموس الأغبر، الذي عبرت عنه أمه في صغره «تقرعه على قفاه في طشت غسيل عصري».
لقد حاول الكاتب توضيح أن صورة البطل السلبي الانتهازي، تلك الشخصية التي أفرزتها اتفاقية أوسلو، ليست أصلية، ولا أصيلة بل مقحمة على الشعب والبيئة الفلسطينية، وهو ما يؤكده أصل، ونسب دحموس الأغبر المشكوك فيه، وواقع حياته التي تعج بالتناقضات وازدواجية القيم.
• البطولة الأرض ونسق الأنوثة:
تمثل رواية «الدمية والظلال»، نسق الأنوثة التي تتعرض للتهميش أمام هيمنة الذكورة، حيث يعود المؤلف لأحداث، وبداية الاحتلال عام 1948م، حيث سلمى -التي تمثل نسق الأنوثة- التي تعاني من تهميش، وعدم اهتمام من أبيها مقابل هيمنة لتوأمها-الذكر- في الحب، والسؤال، والاهتمام، تصف حال أبيها حينما عرف ببلوغها « وقف سريعا كالملسوع، قال إنه سيذهب إلى الأرض، ليفحص الزيتون، سار دون أن يلتفت إلى الوراء».
وسلمى تتعرض للقهر من الجميع، وليس الآخر الذكوري فقط حتى من أمها، التي تنفذ وجهة نظر المجتمع التي ترى المرأة دون الرجل:» فقدر النساء أن يكن صما بكما»، وتظل على هذه الحالة من القهر إلى قرب نهاية العمل الروائي، ثم ما تلبث أن تثور على الواقع.
وهناك بعض الأحداث التي تمثل علامات سيميائية في عملية القراءة، يجب الوقوف عندها، منها أن (سلمى)، رأت اغتصاب أبيها لجارتهم الصماء، وكذلك اغتصاب المستر (هيلمان) الرجل اليهودي لأمها، ثم رأت كيف قتلت أمها نفسها؛ لتغسل العار بيدها، ومع ذلك لم تحرك ساكناً كل ما في الأمر: «ومن عينها الساكنة في عيني سال دمع بارد»، ثم حادثة اغتصاب (كريمة)، بعد احتلال السميرية من يهودي أيضا، وكانت سلمى تلعب دور الشاهد على هذه الحوادث، ومعها دمية صغيرة أهداها إليها عمها، الذي يختلف عن جنس الرجال في رقته، وجماله، ووسامته، لكنها ضاعت بعد حادثة اغتصاب كريمة.
وكأن كريمة وأمها تمثلان معادلا موضوعياً للأرض التي ضاعت، وتم اغتصابها من قبل اليهودي مرتين، مرة عام 1948م، ومرة بعد اتفاق أوسلو، كذلك الدمية التي احتفظت بها، ثم ضاعت تمثل ضياع الأرض؛ وهنا نلاحظ أن المؤلف يغض الطرف عن اغتصاب أبيها لجارتهم الصماء، التي كانت زوجة مستقبلية للأب، وأمًا عطوفًا على سلمى، وكأن الأب يرتق ما كان قد مزقه، ويحمل في جهة أخرى تبرئة الفلسطيني من تهمة اغتصاب الأرض.
ثم الحدث المفصلي في الرواية، وتحول نسق الأنوثة، وهو حين تغادر سلمى رغبة في الانعتاق، وتعمل لدي الفورمان (عوض الله)، الذي يحبها، ثم تتوالى الأحداث، وتتعرض للاغتصاب من (نيامين)، وهنا تسترجع حادثتَي اغتصاب كريمة، وأمها: «أشحتُ بوجهي، لأفهم إن كانت الجذور أو الأشجار تراقبني، لكني رأيت عيون أمي تنظر إليّ، ودموع كريمة تسيل بغزارة تغسل جذور الشجر».
لكن موقفها بعد هذه الحادثة كان غريباً، حيث غضبت من عوض الله، بدلا ًمن أن تتوجه بغضبها إلى بنيامين، الذي اغتصب امرأة، أظهر عوض الله حبها، بل واغتصب أرضه، وحوله أجيرًا فيها؛ لذلك يتوقع المتلقي أن توجه فعل القتل إلى بنيامين الذي اغتصبها، أو أن تقتل سلمى نفسها، وتغسل عارها كفعل والدتها؛ لكن ما حدث أن تقتل سلمى عوض الله، وكأن الشفرة المعنوية (اغتصاب المرأة / سلمى -كريمة- أمها ) موازياً فنياً لاغتصاب الأرض.
وكأن قتل سلمى، لعوض الله يحمل دلالة ثورة، وتحول من الهامش إلى المركز، فهو رمز للذكورة، وكأنه الأب القاسي حتى أنه صبَّ جام غضبه على سلمى، حين اُغتصبت من بنيامين، لا على بنيامين، وكأنها بقتله تتخلص من سلطة الأب، وتتمرد على الواقع الذكوري، وهيمنته.
ومن خلال عتبات النص الروائي نجد الكاتب قد كتب العمل الروائي عام 1999م أي في نهاية القرن العشرين؛ لكنه رجع للوراء إلى منتصفه عام 1948م، وهو ما يعني وجود حقبة زمنية واسعة تفصل الزمن الكتابي عن الزمن الروائي، وهذه الفترة الطويلة التي تصل لنصف قرن لا تلفت نظر الباحث، بل اختلاف طبيعة الزمن هي الملفتة للنظر، فالزمن الأول عام 1948م زمن احتلال الأرض، والزمن الثاني زمن ما بعد اتفاقية أوسلو، أي زمان السلم والهجنة، ولكنه سلام مقابل أرض احتلت في الزمن الأول عام 1948م، وكأنه اغتصاب قديم، وجديد للأرض؛ لذلك جعل المؤلف من نسق قمع المرأة، وحوادث الاغتصاب موضوعاً لاستلاب الأرض، واحتلالها واغتصابها.
الخاتمة:
وبعد، فقد مثَّل نسق البطولة الروائية في الرواية الفلسطينية، ظاهرة فنية واضحة داخل الأعمال الروائية، التي صدرت في الفترة ما بين عام 1993م، توقيع اتفاق أوسلو حتى عام 2000م، وقت اندلاع انتفاضة الأقصى، وقد توصلت الدراسة إلى عدة نتائج من أهمها:
* أن البطولة المقصودة في هذه الدراسة البطولة الروائية، ليست البطولة التي تخص الأفعال الخارقة.
* أن الفترة الزمنية محل الدراسة، اتضحت فيها رؤية الرفض لاتفاق أوسلو من معظم الروايات التي درست، ومثلت أنساق متنوعة للبطولة.
* أن نسق البطل المقاوم ظهر جلياً في الروايات التي ارتدّت لزمن سابق، مثل 1948م، وعام 1967م، في حين ظهر نسق البطل المفاوض، أو المستسلم في الروايات التي أوضحت زمن ما بعد أوسلو.
* ظهور النسق الديني، واستدعاء شخصيات تراثية؛ لتكون حافزاً للمقاوم، لتحمل الإيذاء في سبيل الحصول على حرية الوطن.
* ومع ذلك ظهر البطل السلبي، الذي يمثل الزمن الأغبر -زمن المهادنة مع المحتل- أي اتفاق أوسلو.
* ظهرت المرأة كمعادل موضوعي للأرض، وضياع الأرض يساوي اغتصاب المرأة.
* ظهور نسق القمع، والتسلط الذكوري مقابل نسق الضعف الأنثوي، لكن حين تحصل على البطولة، كأنه تحول من المركز إلى الهامش.
وبعد فلا أدَّعي لنفسي الكمال، ولكن حسبي أنني حاولتُ بكل ما توافر لي من جهد بشري، وما وقع تحت يدي، وبصري من مصادر، ومراجع، أن أتناول موضوعي بدقةٍ واستقصاء، وتبقى في ذهني مقولة جميلة (لابن خلكان)، أحببتُ أن أختم مقدمتي بها، قال فيها: «فمن وقف على هذا الكتاب من أهل العلم، ورأى فيه شيئاً من الخلل، فلا يعمل بالمؤاخذة فيه، فإنّي توخيت فيه الصحة حسبما ظهر لي، مع أنه كما يُقال: أبى الله أن يصحّ إلا كتابه، ولكن هذا جهد المُقل، وبذل الاستطاعة، وما يُكلفُ الإنسانُ إلا ما تصل قدرته إليه، وفوق كل ذي علمٍ عليم».
ثبت المصادر والمراجع:
أولا: المصادر
1- أحمد سليمان: الدمية والظلال، مؤسسة الأسوار، عكا، فلسطين، عام 1999م.
2- عبد الله تايه: قمر في بيت دراس، غزة / د. ت، عام 2000م.
3- عمر حّمّش: في حزيران القديم، السلطة الفلسطينية، وزارة الثقافة، ط2، عام 2000م.
4- غريب عسقلاني: زمن دحموس الأغبر، بالتعاون بين U.N.D.P واتحاد الكتاب الفلسطينيين، عام 2001م.
5- نجمة النواتي، اتحاد الكتاب الفلسطينيين، فلسطين، د. ط، عام 1993م.
6- وليد الهودلي: ستائر العتمة، مؤسسة الإرشاد القومي، ط 3، عام 2003م، والطبعة الأولى عام 19995م.
ثانيا: المراجع
1- أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق، د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت، (د ط )، 1994م.
2- أفنان القاسم: عبد الرحمن مجيد الربيعي والبطل السلبي في القصة العربية المعاصرة، عالم الكتب، بيروت، عام 1984م.
3- جمال الدين محمد بن مكرم، ابن منظور: لسان العرب، دار صادر، بيروت، لبنان، مج 11، د. ت.
4- سليم النجار: قراءات في الرواية الفلسطينية الحديثة، دار الكرمل للنشر، عمان، عام 1998م.
5- شمس الدين موسى: مراجعات ومتابعات في الرواية والقصة الفلسطينية، السلطة الوطنية، وزارة الثقافة، د.ط، عام 1999م.
6- عبد المجيد جابر: جماليات المكان في رواية خلود لسمير الجندي،
www.m.ahewar.org/s.asp?aid4618r=0
7- محمد أيوب: الشخصية في الرواية الفلسطينية المعاصرة، اتحاد الكتاب الفلسطينيين عام 1997.
8- محمد عزام: البطل الإشكالي في الرواية العربية المعاصرة، الأهالي للنشر والتوزيع، دمشق، سوريا، عام 1992م.
