

عودة (جمهورية أفلاطون)
كلما تصفحت بعض المجلات والصحف. اول ما ابدأ به هو البحث عن المقال واسم الكاتب. ما ان أنتهي من مقال حتى أبدأ بثانٍ. لأجد في بعض تلك المقالات فلسفة كتابية. وبحسب علمي فإن الكتابات الفلسفية ليست ذات شعبية بين القراء. فقارئ الصحيفة ربما يكون بقالاً او حمالاً أو من عامة الناس. على اختلاف الفوارق الثقافية والعلمية. وكل ما عرفناه عن المقال انه قطعة كتابية لا تتعدى صفحة أو بعض صفحة. يطلِق من خلالها الكاتب ما يجوب في خاطره من أمور. تتعلق بحال المجتمع. وما يدور فيه من نزاعات وتحليل لبعض المواقف. إن كان المقال أدبياً او فنياً او سياسياً. فالمهم ان يخرج من القلب. ليدخل الى القلب. ليكون حبل وصل بين الكاتب والقارئ. وافضل ما في المقال أن يستحوذ على متابعة القراء. ويناقش ما يدور من حولهم. اما إذا خرج عن المألوف والطبيعي. فهذا ما يدعو الى التصنيف والمقارنة مع (سقراط) و(إفلاطون)! فمنها ما يطلق عليه افلاطوني. ومنها ما يطلق عليه سقراطي.
أما الافلاطوني فكتـّابه من اصحاب البرج العاجي. الذين لا ينزلون عن ابراجهم. وعن رفعة رؤوسهم ولا يتوارون عن نزول مخيلتهم من السماء. بل راحوا يشمخون بها ويتفلطنون بكتاباتهم الفلسفية. التي لها قراء من صنفهم إن وجدوا! وكل ما اعلمه عن عصرنا هذا. انه اصبح زمن اتباع سقراط و(السفسطائيين) أولائك الذين عاشوا في زمن افلاطون. الا ان الفارق كان واضحاً بينهما. إذ كان سقراط ومن نهج نهجه لا يعيبون على نزولهم مع الرعية. وقد انزلو الفلسفة معهم الى عامة الناس. واخذوا يدعون الى البحث في الانسان ومصلحته. بدلا من التأمل في الحقائق المثالية التي لا تنفع الانسان شيئاً. على عكس (افلاطون) فقد كان فلاسفته آن ذاك منهمكين في البحث وراء الحقائق الكونية التي لا تمس مصلحة الانسان. ولا صلة لها بمشكلاته وهمومه بل انشغلوا بأوهامهم. ولا أظننا اليوم نود الرجوع الى عالم الوهم. برغم الحقائق التي نعيشها. نحن بأمس الحاجة الى من يخاطب الرعية ويحمل همومها. ويعمم افكاره على العامة دون احتكار. فنحن الآن في زمن اصبح الولاة فيه من اهل الولاية. وزمن المماليك والجباة قد ولى. ولعل زمن افلاطون والفلسفة التي تحتكر على القارئ الراقي. وتنفرد بانبعاجات وانبثاقات وانسلاخات. وتأتي الى نهاية المطاف بمعنى بعيد عما يعنى به! بكلمات لم يأتِ الله بها من سلطان. قد ولت هي الأخرى.
ملاحظة: هذا تعريف بسيط عن مدى الفرق بين السفسطة التي كان يعاب اهلها. وبين الفلسفة والتي يتفيقه بها اصحابها ولك عزيزي القارئ المفاضلة.
(سقراط): كان ذا نزعة شعبية قلباً وقالباً. فقد كان فقيراً من عائلة فقيرة. أبوه نحّات وأمه قابلة. وظل فقيراً حتى مات. وكان على اتصال برجل الشارع. مهتماً بمصلحته. وامتاز بهذا على افلاطون.
(افلاطون): كان نبيلا في نسبه ومزاجه. وكان مثريا من اصحاب العبيد. وكان يكره العامة. ويكره الديمقراطية كرهاً شديداً. ويدعو الى سحق النظام الديمقراطي. الذي كان سائداً في بلاده. ويبشر بحكم الاقلية من ارباب العقل (العالي). ومما يروى عنه انه قال: "احمد الاله الذي جعلني إغريقياً لا بربرياً. حراً لا عبداً. رجلاً لا إمرأةً" ولعله كان يكره المرأة! وقد شيد افلاطون مدرسة خاصة به تطل على بستان (اكاديموس). وبذلك سميت (اكاديموس). وحورت في زماننا إلى (أكاديمية). واقام بها معبداً خاص لآلهة الشعر. وهو بهذا يختلف عن سقراط الذي يعلم الناس في الاسواق. وينكر الآلهة القديمة بشتى انواعها.