عرش من زجاج تحت أقدام الظل
مريم الطالبي قصيدة محكمة، لا يعتري قافيتها انكسار ولا يشوب إيقاعها خلل. حين تعبر أروقة الجامعة، تفرض على المكان هيبتها، كأنها تمشي على غيمة من وقار، ترتدي الكمال معطفا لا يطاله غبار، لكنها تحت هذا الرداء تخفي ارتعاشة طموح يكاد يمزق جلدها. تلتهم النصوص كمن يشرب ماء مالحا، كلما ارتوت ازداد عطشها للضوء.
غير بعيد، تجلس حنان تفاح، صديقة الطفولة، التي ترعى عيناها في الروايات والمؤلفات ومقالات النقد. لم تعد طرقهما تلتقي إلا لماما، ولا تتعدى في الغالب الأعم كلمات قليلة. فتور العلاقة بدأ منذ عدة أشهر حين وقع بينهما سوء فهم حول طريقة التبرج والعطور المستعملة.
في مكتبة الجامعة، تعيش مريم ذروة قدسيتها، تقرأ القانون بوقار من يقرأ نصا مقدسا، لا لتبحث عن عدالة، بل لتستعير من نصوصه درعا يقيها هشاشة العالم. لم تكن تعلم أن هناك، على بعد طاولتين، كانت سارة طنان تراقبها، ليس كزميلة، بل كعالمة فيزياء تراقب انكسار الضوء عبر بلورة نقية.
كان حضور سارة في المكان لا يسمع، بل يحس. دخلت المكتبة بخطوات لا تترك أثرا، كأنها تمشي على أطراف أصابع الزمن. كانت ترتدي سترة بلون الخريف، وتفوح منها رائحة غامضة، مزيج من ورق الكتب القديمة، ودخان سيجارة لم تشعل، وريح بعيدة قادمة من شواطئ مهجورة. توقفت سارة خلف مريم لثانية واحدة دون أن تتحدث. في تلك اللحظة، شعرت مريم ببرد مفاجئ يسري في عمودها الفقري، كأن صقيعا غير مرئي قد مر بجانب كتفها. رفعت مريم رأسها عن المجلد ونظرت إلى الفراغ، لم تكن سارة هناك، لكن ظلا طويلا امتد من خلف الرفوف، ليلتف حول مقعد مريم كأنه قيد غير مرئي.
في تلك الأمسية، بدأت مريم تلاحظ أشياء لم تكن موجودة. في الهوامش البيضاء لدفاترها، وجدت كلمات مكتوبة بخط دقيق لم تكتبه:
– الصفاء.. سجن من زجاج
نظرت حولها في القاعة المكتظة، فرأت وجوه الطلاب، لكن عينها استقرت على سارة التي تجلس في آخر الصف، تنظر إليها بابتسامة باردة تشبه شروق الشمس فوق أرض محروقة. لم تكن سارة تحاول لفت الانتباه، انما تزرع بذور الفوضى في تربة مريم المنظمة، تشبه ذلك الاحتمال المخيف الذي نتجنب التفكير فيه قبل النوم. كلما نظرت مريم في مرآتها، لم تعد ترى وجهها فقط، تبدأ في رؤية طيف سارة يقف خلفها، يهمس في أذنها بمرارة عن أشياء لم تكن مريم تجرؤ على تسميتها.
ظهور سارة بمثابة الصدع الأول في الجدار. وتجسيدا لكل ما كبتته مريم في غرفتها الموصدة، النداء المكتوم الذي بدأت مريم تسمعه الآن بوضوح، كأن صوتها الخاص انفصل عنها ليصبح كيانا مستقلا يمشي في أروقة الجامعة، ينتظر اللحظة المناسبة ليطالب بالثمن.
وعندما غادرت مريم المكتبة ذلك المساء، تعثرت خطواتها. وعلى الرصيف، كانت سارة تقف وتنتظر، سيجارتها بين أصابعها كأنها شعلة صغيرة في ظلام دامس. قالت بصوت لم يخرج من حنجرة وبابتسامة خفيفة، وهي تنظر للكتاب في يد مريم،:
– حتى الغلاف يبدو مشدودا أكثر من اللازم.. ألا تخافين أن ينكسر تحت أصابعك؟
مريم ترفع راسها في دهشة وارتباك
– إنه قانون، يا سارة.. يحتاج ليد ثابتة.
– القانون لا يحتاج ليد ثابتة، يحتاج لعين لا تبكي. لكن وجهك.. يبدو أنه لم ينم منذ قرن. اتركي هذه الأوراق، فالناس بالخارج لا يقرأون القوانين، هم يعيشون في فوضاها.
حين يطرح الأستاذ سؤالا، أصابعها تعبث بحافة كتابها القانوني، ليس توترا، بل كمن يمسك زمام خيل جامحة. وفي اللحظة التي ترفع فيها يدها، لا ترتفع إجابتها فحسب، بل يرتفع معها كبرياؤها، باحثة عن نظرة الاعتراف في عيون زملائها، تلك النظرة التي تعتبرها الوقود الوحيد لرحلتها الشاقة نحو القمة.
في مقهى الفراشة الزرقاء الصاخب، يتبادل الآخرون الضحكات العابرة، وتجلس مريم وحيدة محاطة بحصن من المجلدات الضخمة. لم تكن تقرأ، بل كانت تلتهم النصوص القانونية وكأنها تشرب ماء مالحا يزيدها عطشا. تمسح بسبابتها على أسطر القانون بتأن كما يمسح صائغ على جوهرة ثمينة، تتخيل نفسها بعد سنوات في منصة القضاء، لا كمجرد موظفة، بل كقوة لا تقهر في عالم الرجال.
وجدت سارة نفسها تقف على أعتاب ذلك البيت العتيق، الغرفة التي لم يدخلها ضيف أبدا، وتحتفظ برائحة الخشب الرطب وصدى بكاء مكتوم لم يسمعه أحد. لم يكن اختيارها لمريم انحرافا عشوائيا، إنه محاولة يائسة لكسر الخيال الذي يذكرها بضعفها القديم. تتخيل مريم على وشك التداعي، تشعر وكأنها تعيد كتابة التاريخ من جديد؛ لن تكون الفتاة التي تقف خلف الستارة تراقب انكسار الضوء، ستكون اليد التي تمزق الستارة، لتكشف للجميع أن النقاء ليس سوى عفونة مخبأة تحت حرير النفاق. انصهر زمن مريم بوجع سارة، وتحولت الرحلة من مجرد مراهقة متمردة إلى معركة وجودية، حيث لا يعود السؤال:
– كيف نسقط؟ وإنما، كيف نتحمل رؤية أنفسنا عراة بعد أن يغتال الكمال أرواحنا
في المكتبة تسكن الروح في سكون الكتب، تبلغ مريم ذروة صراعها، وحين يخلو إليها المكان، تترك قناع الوقار يترنح قليلا. تجلس أمام مرآة عاكسة لإحدى الواجهات الزجاجية، لا لتتأمل وجهها، بل لتراقب تعابير وجهها وهي تلقي مرافعات وهمية في سرها. تضغط بقلمها على الورق بقوة تكاد تكسره، ترسم خطط نجاحها كأنها خرائط لمعركة مصيرية. لم تكن مريم طالبة قانون، إنما محاربة في بئر معتمة، يغشاها ظمأ لا ترويه ديباجات التشريع، وجوع لا يشبع من صدى التصفيق، بل من يقين أبدي بأنها خلقت لتكون استثناء في عالم لا يحب سوى المتشابهين.
لم تكن أروقة الجامعة مجرد ممرات، إنما محكمة تفتقر للرحمة. أعدت مريم محاضرتها التي نذرت لها ليالي من الأرق، واضعة فيها كل مثاليتها التي ترتديها كدرع. وقفت خلف المنصة، وبدأت في سرد ديباجات القانون، لكن التعقيب من الأستاذ لم يأت كتحليل علمي، بل جاء كسلخ متعمد. وبصوت بارد، مقص، أمام عيون الطلاب التي تحولت فجأة من عيون معجبة إلى سياط تترقب السقوط، قال الأستاذ بنبرة قاسية زلزلت الكيان:
– يا مريم، القانون في كتبك حياة، لكنه في عقلك مجرد قوالب جامدة لا تصمد أمام غبار الواقع. أنت لا ترفعين شأنا، أنت ترفعين صوتا فارغا".
الكلمات لم تكن نقدا، بل إعلانا بانهيار المسرح الذي بنته لنفسها. لم تشعر بالخجل، بل شعرت بالتعري، تبخرت كل القوانين، وتلاشت هيبة المجلدات. خرجت من المدرج وخطواتها ثقيلة، كأنها تسحب خلفها جثة هويتها القديمة. لم تكن وجهتها البيت، بل العدم. خرجت من المدرج بخطوات لا تعرف اتجاهها، لكنها كانت تعرف شيئا واحدا: إن شيئا ما داخلها قد انكسر بفظاظة، لا كغصن يلين للريح، بل كزجاج عتيق يهشم بمطرقة. لم تكن الصفعات كلمات، بل كانت أوتادا تدق في نعش مثاليتها. في الغرفة، كان الصمت يعوي كذئب جريح. خلعت حذاءها بركلة عنيفة جعلته يرتطم بالباب، مخلفا ندبة على الخشب، صدى لندبة أكبر في روحها. لم تنزع قميصها الوردي المكوي بعناية كمن يخلع ثوبا، بل انتزعته كمن ينتزع جلدا لا ينتمي إليه، تمزقت الأزرار وتطايرت في الغرفة كحبات برد ضالة. لم تعد الأناقة تهم، لم تعد الخطوط الهندسية التي رسمتها لحياتها تعني شيئا، فالقانون الذي كان يملأ رأسها صار الآن مجرد طنين حشرات ميتة. اتجهت نحو المرآة، لكنها لم تنظر إلى وجهها، نظرت إلى الفراغ الذي يغلف عينيها التي زحف عليهما الذبول. قبضت بكفيها على حواف الطاولة بقوة جعلت مفاصل أصابعها تبيض كعظام عارية، ضغطت حتى شعرت بأن خشب الطاولة يغرز في لحمها، وكأنها تحاول اقتلاع الغضب من أحشائها وإفراغه في الجماد. هجم عليها الغضب بشدة لم يكن غضبا صامتا، كان زئيرا مكبوتا يمزق الحنجرة. أمسكت بالمجلدات القانونية الضخمة، تلك التي كانت تقرأها بقدسية، وبدأت في تمزيق صفحاتها. لم تكن تقرأ، بل كانت تعض الورق بيديها، تمزق الأسطر كما لو كانت تمزق جلدا بشريا، تدوس على ديباجات التشريع بقدميها الحافيتين، تترك أثرا من غبار الورق الممزق على سجادة غرفتها.
شعرت بكتلة من نار تتصاعد من فؤادها، ضغطت بكفها على صدرها بقسوة، كأنها تحاول إيقاف نبض قلب خائن يتسارع بجنون. لم تبك، فالبكاء ترف لا تملكه الأرواح التي احترقت. أخذت قلمها الذهبي ،وطعنت به وسط الكتاب الرئيسي، مرارا وتكرارا، بضربات خشنة لا ترحم، حتى سال مداد القلم على الورق كأنه دم أسود يغطي عورات المنطق. سقطت على الأرض، ووضعت رأسها بين ركبتيها، تهتز بعنف، وأظافرها تحفر في الأرضية كأنها تحاول الهروب من قشرة جلدها. لم تكن مريم الطالبة هناك، كانت شيئا آخر، كائنا بدائيا خدع طويلا، كائنا قرر أن العدم هو الخلاص الوحيد من توقعات لا تشبع. كانت تتنفس بصوت مسموع، شهيق يخرج كزفير محتضر، وفي كل حركة كانت تشعر بأنها تغسل يديها من طهارة مقرفة، وتتلطخ أخيرا.. وبكامل إرادتها.. بالواقع الخام. خاصمها النوم لاكثر من ليلة، تستعيد اللحظة القاسية داخل المدرج، لم يكن الأستاذ يلقي نقدا علميا، بل كان يوجه طعنة لدينها الجديد. مريم لم تكن تقرأ القانون بدم بارد، كانت تتلوه كتعويذة لحماية روحها من فوضى الوجود. تدافعت الصور في ذهنها كالبرق، رأت الليالي الطويلة التي سهرتها وهي تكوي قميصها الوردي، ليس حبا في الأناقة، بل رغبة في أن تكون خالية من العيوب كي لا يمسها أحد بسوء. سمعت صدى تضحياتها، تخليها عن بهجة سنينها لتبدو مثالية. أدركت في تلك اللحظة أن كل المجلدات التي التهمتها لم تصنع منها قاضية، بل جعلت منها متحفا لآراء الآخرين. سقطت هيبة المنصة، ولم تعد الكلمات القانونية سوى حروف ميتة تتراقص فوق جثة هويتها التي ذبحت تحت مقصلة الأستاذ. في الوقت الذي كانت فيه مريم تنزف من خيبتها، كانت سارة تقف كالشاهد الذي لا يرحم. سارة لم تكن عدوة، كانت الصدى القاسي لما كبتته مريم في أعماقها. استفزازات سارة لم تكن مجرد كلمات، كانت جراحات في الأنسجة الحية لنفسية مريم ، كانت سارة تهمس لها بمرارة:
– انظري إلى وجهك، إن هذا القناع الذي تلبسينه هو ما يخنقك، وليس الأستاذ.
كل نظرة باردة من سارة تذكر مريم بالوحش الذي تحبسه في غرفتها الموصدة. سارة تسلط الضوء على عفونة النفاق تحت حرير المثالية، مما جعل مريم تشعر بأن جسدها خائن، ففي حضرة سارة، كانت روح مريم تشعر بالعري، لا عري الجسد، انما عري الروح التي تعبت من تمثيل دور الملاك. في لحظات الانهيار تلك، انفتحت بوابات الذكريات كطوفان. رأت نفسها في مرايا الجامعة، لا كطالبة قانون، انما دمية في يد نظام مثالي لا يعرف الرحمة. صمتها في تلك اللحظة أعلى من أي صراخ، انه صمت وليد قناعة مريرة:
– إذا كان علي أن أكون مثالية لأقبل، فأنا أفضل أن أكون محطمة لأكون حقيقية.
غدت سارة في نظر مريم هي المشرط الذي شق جلد القناع لتخرج منه مريم الحقيقية ،المشوهة، الغاضبة، والنازفة،ولكنها أخيرا، مريم التي تتنفس من رئتيها لا من رئتي القانون أو توقعات المجتمع. كان الانهيار هو المعمودية الأخيرة؛ الطريقة الوحيدة لغسل غبار السنين، والانتقال من عبادة الوقار إلى قدسية الحقيقة، مهما كان طعم الوحل في نهايتها. في تلك الأسابيع، مريم لا تحاول النجاح، بل تحاول إثبات وجودها أمام نفسها. كل صباح يبدأ بطقس مقدس، كي القميص الوردي حتى لا تظهر فيه ثنية واحدة، وتمشيط شعرها بدقة هندسية، كأنها تحاول هندسة حياتها التي بدأت تتسرب من بين أصابعها. في المكتبة، القانون بالنسبة لها لم يعد مواد جافة، بل أحجارا تبني بها جدارا عازلا. تقرأ النصوص القانونية بصوت خافت، تتلفظ بالكلمات كمن يرتل تعويذة للحماية. ولأول مرة بدأت تلك الحروف تتمرد؛ الكلمات القانونية تتقاطع أمام عينيها لتشكل صورا لأشياء لم تعشها، لمشاعر لم تسمح لنفسها بتذوقها. تشعر مريم بأن جسدها خائن؛ ففي اللحظات التي ترفع فيها يدها في المدرج، لم تكن ترتجف خوفا من الأستاذ، بل كانت ترتجف من الصمت الذي يغلف روحها. تشعر أن تحت ذلك الجلد المشدود بالوقار، ثمة مريم أخرى، مريم مشوهة، برية، لم تكن تملك سوى رغبة واحدة: أن تصرخ في وجه القاعة المكتظة، أن تترك قلمها يسقط، أن تمزق تلك الأوراق التي تحمل الحقيقة وتستبدلها بالواقع.
ذات مساء، غادرت الجامعة بعقل مشتت وذاكرة تسبح بدون اتجاه. توقفت أمام واجهة زجاجية عاكسة، لم تر الطالبة المتفوقة، بل اقتربت من الزجاج، لمست وجهها، وتفاجأت بأنها لا تشعر بجلدها، تشعر ببرودة الزجاج فقط. حينها أدركت، في لحظة تجل مريرة، أن كل ما بنته قشرة. بدأت تظهر عليها أعراض التآكل، نوبات أرق تجعلها تحدق في السقف حتى مطلع الفجر، ليس تفكيرا في المذاكرة، بل تساؤلا وجوديا.
– ماذا لو كانت هذه المثالية سوى جبن عن مواجهة الحقيقة؟
في تلك الفترة الحرجة، بدأت سارة تراقبها، ليس كعدوة، كظل ينتظر اكتمال القمر. سارة تترك لمريم مساحات من الصمت، وتضع في طريقها إشارات صغيرة، كتابا عن العبث، رائحة سيجارة تختلط بريح المطر، نظرة ساخرة تذكرها بأن الكمال ليس سوى سجن من زجاج. لم تكن مريم تسقط لأنها ضعيفة، لأنها تحاول أن تكون منسجمة مع قناعاتها في عالم لا يرحم. مقاومتها لم تكن ضد سارة، إنما صراعا بين مريم التي يريدها المجتمع، ومريم التي ترفض أن تموت في الداخل. في كل مرة ترفض فيها دعوة سارة، تقضم قطعة من روحها، وفي كل مرة تغلق فيها باب غرفتها على آلامها وتلبس قناعها في الصباح، توغل في الخطيئة ضد ذاتها.
سقط المجلد الكبير على أرضية المقهى الرخامية. لم يكن مجرد انزلاق عرضي، بل دويا أصم قطع حبل الأفكار في رأس مريم. لثوان بقيت مشلولة، تنظر إلى المجلد الذي انفتح بفظاظة على صفحة قانونية مليئة بالهوامش التي خطتها ليلا. لم تنهض لتلتقطه، لم تكن تجرؤ على لمس هويتها الملقاة على الأرض.
سارة تراقبها من وراء ضباب سيجارتها، لم تتحرك أيضا. التقت عيناهما فوق كومة الورق المبعثرة. في تلك اللحظة، لم تعد مريم ترى زملاءها في المقهى، ولا ضجيج الطلبة، رأت فقط صدى تلك الأكاذيب التي صاغتها لنفسها. لمست سارة طرف الطاولة بسبابتها، وبصوت لا يكاد يتجاوز حفيف ورق الشجر، تنظر للمجلد الملقى أرضا دون أن ترف له جفن.
– انظري.. العالم لم يتوقف لأنك أسقطت كتابك. الجميع لا يزال يحتسي قهوته. ألم يكن هذا ما تخشينه طوال الوقت؟ أن تسقطي فلا يلتفت إليك أحد؟
بصوت يرتجف اجابت مريم وهي تحاول جمع أوراقها
– ظننت أنني إذا أتقنت النص.. سأكون في أمان.
– الأمان الوحيد هو في الفوضى. قولي لي، هل تكرهين هذه الصفحات لأنها لا تجيب على أسئلتك، أم لأنك تكرهين الفتاة التي تمثلينها في قاعات الجامعة كل صباح؟
لم ترد مريم. نظرت إلى يديها اللتين كانتا يوما تداعبان أسطر القانون بتأن، ورأت فيهما نحولا غريبا. لم تعد الريح في الخارج مجرد طقس، صارت في قلبها عاصفة من التحرر. مسكت الكأس، ليس لتتجرع الخمر، بل لتتجرع نهاية مريم السابقة. شعرت بأنها تخلع جلدها المحروق. قالت بصوت لم تعد تعرفه، صوت يخرج من قاع بئر مهجورة.
– أنا لم أكن أقرأ لأتعلم، سارة. كنت أقرأ لأمنع الفوضى من اقتحام غرفتي. ظننت أنني إذا أتقنت النص، سأكون محصنة".
سارة لم تلمسها، بل أشعلت سيجارة وتركت الدخان يغلف وجه مريم كغيمة من النسيان.
– المحصنون لا يعيشون، مريم. المحصنون فقط ينتظرون الصدأ. قولي لي، ألا تشعرين بالرغبة في دهس هذه الصفحات...
تحت أضواء المقهى الخافتة، لم تعد مريم تبحث عن نظرة الاعتراف في أعينهم. أغمضت عينيها، واستسلمت للضجيج. لأول مرة، لم تكن مريم قصيدة محكمة، إنما نثرا مشتتا لا يحاول أن يزن قافيته. وبدلا من أن تخاف من الوحل الذي حذرها منه الجميع، وجدت نفسها تمد أصابعها لتتحسس قوام الطاولة البارد، تضحك بمرارة، وتدرك أن حريتها بدأت للتو.. في اللحظة التي فقدت فيها كل شيء، حتى وقارها. وقفت مريم امام المرآة، تمسك بياقة قميصها الوردي، تلك التي تكويها كل صباح لتبدو خالية من اي تجعد. لكن يدها لم تكن تمسك المكواة، تمسك بمقص حاد. نظرت الى وجهها، الشحوب قد بدأ يغزو ملامحها، لا بسبب التعب، بسبب تلاشي المعنى. ببطء، بدأت تمزق القميص. لم يكن تمزيقا غاضبا، كان ايقاعيا، كأنها تحرر جسدها من جلد ضيق. مع كل خيط ينسل، تشعر بأن القانون الذي يسكن رأسها يتساقط كرماد. لم تعد ترى نفسها طالبة متفوقة في المرآة، رأت امرأة ولدت لتوها من ثقوب قميصها الممزق. في تلك اللحظة، فهمت ان العالم لا يحترم الوقار، بل يحترم اولئك الذين يجرؤون على ان يكونوا ناقصين.
في ركن المكتبة القصي، حيث لا تصل عيون الفضوليين، لم تكن مريم تقرأ. كانت تضع يدها فوق صفحات القانون، ليس لتحفظ ديباجاته، لتشعر بحرارة الورق تحت كفها. وفجأة، سحبت الكتاب والتقه ارضا. لم تكن حركة ناتجة عن جنون، عن استنارة مؤلمة. انفتحت الصفحات على الارض كاجنحة عصفور مكسور. لم يات احد ليعاتبها، لم يزلزل السقف فوق رأسها. نظرت الى الحروف، بدت لها الان مجرد اشباح سوداء على بياض ناصع، حروف ميتة لا تطعم جوعا ولا تروي ظمأ. لاول مرة، لم تشعر بالذنب،بالخفة والطمانينة. سارت فوق المجلدات الملقاة، وشعرت لاول مرة ان باطن قدميها يلامس الواقع الخشن، لا غبار المكاتب العقيم. اللحظة التي قررت فيها ان تخرج من نص الاخرين، لتكتب بجسدها نثرها الخاص. على اسوار الصويرة العتيقة، كانت الريح تزمجر، محملة بملح البحر ورائحة التعفن الجميل. وقفت مريم حافية، تراقب الامواج وهي تلتهم الصخور. سارة كانت تقف خلفها كظل صامت. قالت مريم بصوت لم تخرج حروفه من حنجرتها، بل من جرح قديم.
– اتعرفين يا سارة؟ ظنت انني اذا اتقنت الصمت، سأنجو من فوضى البشر. لكنني اكتشفت ان النجاة لا تكون في الانغلاق، انما في القدرة على الغرق.
فركت مريم قلادتها الذهبية التي كانت ترمز لترتيبها، نزعتها ووضعتها في الجيب . لم تكن حركة استعراضية، انما تخلصا من ثقل الايقونة. في تلك اللحظة، لم تعد مريم تبحث عن مخرج، بدأت تتقن فن البقاء في قلب الهاوية. نظرت الى يدها، ملوثة بالتراب، لم تشعر بالحاجة لغسلها. لقد كانت اخيرا.. موجودة.
أسرفت سارة في الشرب ولم تعد تقوى على الحركة، وضعت يدها على كتف مريم وراحت تسرد قصصا أليمة. لا تستحضر ماضيها كذكريات، إنما غبار خانق عالق في رئتيها، زفير لا يطهر الصدر مهما استنشقت من هواء. في زوايا بيتها القديم، ثمة ثقب في الزمن، غرفة ضيوف لم يطرق بابها إنسي، دخلها الليل ليقيم فيها أبدا. سارة نسمة غضة، تتسلل في أروقة البيت بخفة الفراشات، قبل أن تحترق أجنحتها في نيران القدوة. ابن زوجة أبيها.. البراءة التي نصبها الجميع في ساحة السلوك القويم، الوجه الذي إذا نطق أخرست الحكمة صخبها لتستمع، واليد التي إذا امتدت باركها الهواء. يرتدي قميصا أبيضا ناصعا، بياض يستفز في سارة رغبة شيطانية في التلطيخ، ليس بدافع الشر، إنما بدافع الفضول البشري الذي يريد أن يرى، هل يتقبل النور دنس الظلال.
في ذلك المساء الذي قرر فيه القدر أن يخلع أقنعة العالم، لم يغلق الباب خلفه، أغلق بوابات الطفولة في روح سارة. لم يكن صراخها صوتا يتردد، انما انتحارا جماعيا لكل الكلمات في جوف جدران صماء. ومن خلف ستائر تلك الغرفة، شاهدت بعد سنوات الملاك (سمير سرحان) يخرج ليتلقى التهاني على نجاحه، يمسح بياقة قميصه التي لا تزال تحتفظ برائحة سواده، أكتاف المهنئين. تقف سارة خلف الستار، لا كفتاة تبكي، إنما كعالمة فيزياء تراقب انكسار الضوء، مدركة أن الكمال ليس صفة إنسانية، إنه غطاء سميك من حرير النفاق، يستر عفونة لا تلمسها الشمس.
منذ ذلك الحين، لم تعد سارة تحب الألوان الصريحة. صارت ترى في كل مثالية تمشي على الأرض سجينة جميلة، محبوسة في قفص من التوقعات. تستشعر في وقار الأستاذ، وفي صرامة القانون، نسيجا يذكرها بذلك الأحمر البارد الذي ارتدته يوما، قداسة موهومة تستر خلفها شروخا قديمة، شروخا غسلتها ذات زمن دموع طفلة لم تجد في ضجيج البيت من يصغي لنداءاتها الخافتة.
لم تكن سارة تسعى لتدمير مريم، كانت تتوق لكسر المرآة. و تحلم بليلة، في مكان ما، حيث لا تضطر مريم لترتيب خصلات شعرها، أو وزن إيقاع خطوتها. أرادت أن تهدم ذلك التمثال، لا انتقاما لتكتشف. هل خلف ذلك القناع قلب ينبض بالخطأ والصدق، أم أن العالم لا ينجب إلا مسوخا ترتدي أقنعة الطهر.
خيم فيها صمت ثقيل بينهما، بينما مريم تتنفس الصعداء بقسوة تحت وطأة التزامها، اقتربت سارة منها، اقتربت أكثر مما ينبغي، وهمست لها بنبرة تتقطر شجنا ومرارة.
– أتعلمين يا مريم؟ أنا لا أكرهك.. أنا فقط أخشى عليك. أنت الآن في أوج لمعانك، محاطة بهالة من التوقير. منضبطة، نقية كثلج قمة بعيدة. لكن قولي لي.. ألا تشعرين أحيانا أن هذا الثوب الوردي الذي ترتدينه يضيق عليك.
صمتت سارة لحظة، ثم أضافت بنبرة غائمة:
– أنا لا أريد إسقاطك، أريدك أن تسقطي لتعرفي الحقيقة التي لا تدركها إلا الأرواح التي تلطخت بالوحل..
ضحكت سارة بمرارة، وأشعلت سيجارة ثانية وهي تنظر إلى مريم التي ترتجف. رمت بعقب السيجارة على الأرض. لم تكن سارة تستدرج مريم للوحل لتسقطها، تحاول أن تخلصها من ثقل التظاهر. ترى أن سقوط مريم هو الطريقة الوحيدة لتعيش الفتاة حريتها الحقيقية، حرية الإنسان المكسور الذي لا يخاف من شيء لأنه فقد كل شيء. تريد أن ترى مريم حقيقية ولو كانت مشوهة، لأنها تؤمن بنوع من العدمية القاسية، أن العالم مقسم إلى فئتين، أولئك الذين يمارسون رذيلتهم في الظلام ويظهرون كأيقونات في الضوء، وأولئك الذين تجرأوا على كشف أوراقهم وقبلوا بأن يكونوا الظلال التي تعيش بصدق في العتمة.
كل دعوة توجهها مريم للسهر، وكل كلمة تحرضها بها على التمرد، في الحقيقة انتقام سارة من ماضيها. إنها تعيد تمثيل قصتها الخاصة، هذه المرة أرادت أن تكون المحرض لا الضحية، لعلها بذلك تكسر اللعنة التي تلاحقها. تريد أن تثبت لنفسها أن الكمال مجرد أسطورة هشة، وأن ما يلزم دفعة خفيفة نحو حافة الهاوية. لم يكن اللقاء محض صدفة في أروقة الجامعة، إنه أشبه باصطدام بين عالمين، عالم مريم الذي يقدس الصمت والترتيب، وعالم سارة الذي يضج بالفوضى الجذابة. حين اقتربت سارة، خطواتها توحي بأن الأرض ملك يمينها. لم تكن مجرد طالبة، إنما فكرة متمردة تمشي على قدمين. توقفت أمام مريم، وألقت دعوتها كأنها ترمي بذورا في أرض بكر.
– السينما الليلة؟ فيلم لا يفهمه إلا من ذاق طعم الهروب. ثم.. ما رأيك في مغامرة؟ الصويرة تنتظرنا، برياحها التي تعزف ألحان النسيان، وآثارها القديمة التي تخبئ أسرار من رحلوا. كوني معنا، لنرى العالم بعيون لا تخشى الغبار".
رأت مريم في عيني سارة انعكاسا لشيء تخشاه وتشتهيه في آن واحد، الحرية التي لا سقف لها. لم تكن دعوة لرحلة، انما استدراجا لخلع عباءة الأيقونة الثقيلة. بدأت الرحلة كخيط رفيع من الضوء، سرعان ما تحولت إلى خيوط عنكبوتية محكمة. شاطئ الصويرة بضبابيته وأزقته العتيقة مسرح للتلاشي البطيئ. بين حجارة الأسوار القديمة التي شهدت قرونا من الصخب، بدأت جدران مريم تتداعى.
لم تكن الزيارات مجرد لقاءات ترفيهية، إنما طقوسا لإعادة التشكيل. توالت الرحلات، وتبادلت الفتيات الزيارات في عزلتهن الخاصة. وفي كل مرة، تتآكل قليلا الاستقامة التي عرفت بها مريم. دخلت إلى دائرة سارة وصحبتها، وهن كائنات لا يغوين بالكلمات، سهرات تمتد حتى الفجر، نقاشات لا تعرف المحرمات، وضحكات تمزق وقار الأمس. تعرفت مريم على باقي الصديقات، فتيات كن أشبه بظلال متحركة، لا يحملن في حقائبهن كتبا، انما خيبات قديمة حولنها إلى أسلحة، ببطء بدأت مريم تدرك أن الوحل الذي يخشاه محيطها، ليس إلا تمازجا بين التراب والماء، مادة مرنة تسمح لها أخيرا أن تشكل نفسها كما تشاء، بعيدا عن صرامة القالب الأول.
سارة تراقب مريم وهي تغرق، لا لتنتشلها، لتتأكد أنها ستصل معها إلى القاع، حيث لا فارق بين الصالح والطالح، حيث الكل سواسية في عتمة الروح المشتهاة. في الصويرة الرياح ليست مجرد هواء عابر، إنها تعوي مع الأسوار الحجرية كأنها أرواح تائهة تبحث عن مأوى. في تلك الليلة، والمكان يعج برائحة الملح واليود الممزوجة برائحة الخشب المحروق، وفي زاوية منسية من المقهى المطل على المحيط، بدأت مريم تخلع درعها قطعة قطعة. سارة طنان لم تكن بحاجة إلى الكلام لتغوي مريم، لغة جسدها وتلك النظرة المتعالية التي تمزج بين السخرية والاحتواء، كافية لزعزعة أركان مريم. وضعت سارة كأسا أمامها، ليس فيه سوى الانعكاس المتموج لأضواء المدينة الخافتة، وقالت بصوت خافت اخترق جدار الصمت الذي كانت مريم تتترس خلفه:
– هنا، لا أحد يراقب نبضك. هنا، الأخطاء ليست سوى تجاعيد على وجه التاريخ.. اتركي ثقل هذه الأيقونة على الرصيف.
انضمت الصديقات الأخريات، يتحدثن عن الحياة بفظاظة أنيقة، وعن الرجال والقواعد بتمرد جعل مريم تشعر لأول مرة أن كل ما قرأته في كتب الفضيلة مجرد أكاذيب جميلة لترويض الوحش الكامن في داخلها. عندما سرن نحو الشاطئ في ساعة متأخرة، والليل قد التهم كل شيء، خلعت مريم حذاءها. ملامسة قدميها للرمال الباردة والمبللة كانت بمثابة إعلان التمرد الأول. سارت خلفهن نحو الأطلال، أبنية حجرية قديمة صمدت أمام الزمن، لكنها تتآكل من الداخل، تماما كما شعرت مريم بروحها تتآكل، تحت سماء مرصعة بنجوم لا تكترث لمن يخطئ ومن يصيب، اقتربت سارة وهمست في أذن مريم كلمات كانت بمثابة السحر الأسود الذي كسر القيد الأخير. نظرت مريم إلى انعكاس وجهها في بركة ماء راكدة بين الصخور، لم تعد ترى مريم الطالبة المثالية، رأت امرأة ولدت للتو من رحم التساؤل، امرأة قررت أن التلوث بالوحل خير من التجمد في طهارة زائفة، لم تعد مريم تخشى السقوط، مدت يدها لتلمس الوحل، لتتأكد أنها حية، ولتدرك أن المسافة بينها وبين سارة طنان قد تلاشت تماما، وأنها لم تعد تبحث عن النور، بدأت تتقن فن التلذذ بالعتمة.
تلك الليلة هي المحطة التي توقفت فيها مريم عن محاولة أن تكون أيقونة، وبدأت رحلتها لتصبح ظلا يجد في الغواية وطنا، وفي التمرد خلاصا. تحت سماء الصويرة الشاعري، لم تكن الجلسة مجرد سمر، انها محاكمة للقيم التي نشأت عليها مريم. جلست سارة طنان تشعل سيجارة ببطء، دخانها يلتف حول وجهها كأنه هالة من غبار، بينما مريم تشد على معطفها وكأنها تحمي بقايا حصونها. بدأت سارة الحوار بنبرة مشبعة بفلسفة القاع التي تعتنقها.
– أتعرفين يا مريم، لماذا تبدين دائما كأنك تحملين العالم على كتفيك؟ لأنك تعتقدين أن العالم يكترث لنقاء ثوبك. أنت تخافين من الوحل، بينما الوحل هو التربة الوحيدة التي يمكن أن ينمو فيها شيء حقيقي.
رفعت مريم رأسها، وعيناها تلمعان بصدق مضطرب.
– لست أبحث عن تصفيق أحد. أنا فقط.. أخاف من تلك الفوضى. أخاف أن أكتشف أن ما أعتبره جوهرا في نفسي ليس سوى رداء خيط لي لأرتديه قبل أن أولد.
ابتسمت سارة، ابتسامة باردة تحمل دهشة المعرفة:
– وهذا هو جوهر الحرية يا مريم. أن تقرري، لأول مرة، تمزيق هذا الرداء. انظري إلى هذه الأطلال خلفنا، ألا ترين كيف أن الحجر الأكثر تماسكا هو الذي يتشقق أولا تحت ضغط الريح.
تدخلت إحدى الصديقات بصوت متهدج:
– الاستقامة ليست فضيلة، مريم. إنها ببساطة غياب للفرصة. لو أن الحياة وضعتك في اختبار لا يرحم، لاكتشفت أن أخلاقك مجرد ترف لا تملكينه.
صمتت مريم، وكانت الرياح تعزف على الحجارة أصواتا جنائزية. لم تكن الكلمات مجرد ثرثرة، كانت معاول تهدم جدرانها الداخلية. قالت مريم بصوت خافت، كأنه اعتراف المحكوم عليه بالحرية.
– تعبت
– اللعين كان يبتسم للكاميرا في حفلات التخرج، يرتدي قميصا أبيض كالثلج، والجميع يصفق له.. وأنا كنت في الغرفة المجاورة، أسمع كل شيء.
– لماذا تخبرينني بهذا الآن يا سارة...؟
– لأنني أراك تكررين نفس البياض.. نفس القميص المكوي بدقة، ونفس الابتسامة التي لا تصل لعينيك. لا أريدك أن تسقطي يا مريم، أريدك فقط أن تتوقفي عن محاولة إبهارهم. هم لا يرونك، هم يرون القناع الذي تدفعين حياتك ثمنا لتبقيه متماسكا.
– أتعرفين لماذا اخترتك؟ لأنك تشبهين قميصه الأبيض. كلما رأيتك، أرى ذلك الرجل الذي دمر طفولتي
ردت مريم كأنها تحاول الدفاع عن نفسها ومثاليتها:
– أنا لم أختر أن أكون تمثالا، ولدت في قفص من التوقعات، وأخبروني أن هذه هي الحرية. وعندما حاولت أن أكون "أنا"، اكتشفت أن "أنا" هذه غير موجودة.. هي فقط تراكم لأحكام الآخرين.
سارة اقتربت، ووضعت يدها على كتف مريم بقسوة خفيفة:
– إذن، فلنحطم هذا التراكم. اليوم، لن نعود للجامعة. اليوم، سنكون عراة تماما من كل مفترض.
في تلك اللحظة، لم تعد مريم ترى في حديث سارة غواية، رأت فيه دعوة فلسفية للوجود العاري. أدركت أن الثمن الذي تدفعه لكونها مثالية هو روحها ذاتها، وأن السقوط في مفهوم سارة، لم يكن انحطاطا أخلاقيا، إنما تمردا وجوديا ضد قيود لا ترى.
بدأت مريم تنقسم إلى شطرين، نهار تعبد فيه آلهة المنطق، وليل تذبح فيه تلك الآلهة على مذابح الغريزة. أصبحت النوادي الليلية ملاذها، حيث الأضواء الخافتة تذيب الحدود بين الحقيقة والسراب. في كل كأس تجرعته، لم تكن تشرب خمرا، بل تسكب حبرا أسود على صفحات حياتها النقية، وتمارس انحرافها كطقس جنائزي لذاتها القديمة.
– أقصى درجات الألم ليس في السقوط، انما في أن تضطر إلى ذبح ذاتك كي تظل في نظر الناس.. كما كنت.
في قاع حقيبة سارة، دفعت يدها لتسحب علبة السجائر، لامست قلبا صغيرا من الفضة، بداخله صورة وخيط من حرير كتبت عليه أحرف اسم لم تعد تنطقه ،سمير سرحان. تلمسه كلما شعرت بأن مريم توشك على الهروب من فخها، ذلك الاسم البوصلة التي توجه سمومها نحو قلب الأيقونة. ليس انتقاما، رغبة في أن يرى العالم، ولو لمرة واحدة، أن ذلك البياض الناصع الذي يمثله أمثال سمير، ليس سوى طلاء رخيص.
توقفت سارة عن الكلام، اتسعت حدقتاها كأنها رأت طيفا عابرا في الامواج التي تتكر على الشاطئ . لم يكن سمير موجودا، لكن شبحه كان يملأ زوايا المكان. قالت بصوت خافت، مرتعش كخريف مبكر:
– ألا تشعرين يا مريم بوجوده؟ ذلك الذي يمشي بيننا بربطة عنق توحي بالطهارة، بينما يداه تلطخان أرواحنا بصمت؟.
ضباب الصويرة يمتزج بدخان سيجارة سارة. نظرت نحو الأفق، ورأت في انعكاس مريم ملامح وجه غادر قديم. لم تكن تحرض مريم على الضياع، انما تحرضها على الثورة ضد أمثال سمير الذين يسكنون العالم، أولئك الذين يبنون مجدهم على أنقاض الصمت. سارة في تلك اللحظة لا ترى مريم، انما ترى العالم الذي سلبها براءتها، متمثلا في ذلك التمثال الذي قررت أن تسقطه.. حجرا، حجرا.
لم يكن الصباح في تلك الغرفة يبزغ كبداية جديدة، انما يتسلل عبر شقوق الستائر الثقيلة كقاض يتهيأ للنطق بحكم قاس. استفاقت مريم، لا بوعي، انما بانشطار في الرأس كأنما ارتطم صخر بمرآة. جسدها الذي طالما صانته في أقنعة الوقار ، كان الآن يرتجف تحت غطاء غريب، عاريا من كل شيء.. حتى من ذاكرتها.
كانت الغرفة تعبق برائحة غريبة، مزيج من تبغ رخيص وعطر حاد لا تنتمي إليه. بجانبها، كان ينام شاب أسمر، ملامحه غارقة في استرخاء يثير في روحها غثيانا وجوديا. نظرت إليه، فلم تجد في تقاسيم وجهه سوى المجهول. حاولت استعادة شريط الليلة الماضية، فلم تجد سوى شظايا، صخب الموسيقى، ضحكات سارة الساخرة، كؤوس تلاحقت كأنها دواء لمرض عضال، ثم ذلك الانزلاق الكبير نحو غيبوبة لم تشأها. من حملها إلى هنا؟ هل خطواتها هي من قادتها إلى هذه الحافة؟ أم أن إرادتها قد تلاشت في زجاجة خمر ما، لتصبح جسدا بلا بوصلة؟ لم تكن تتذكر ملمس يدي ذلك الغريب، ولا صدى صوته، ليلة البارحة كانت ثقبا أسود ابتلع فيه وقار مريم، وأفرغها من كل يقين. تسللت من السرير ببرود جنائزي. الأرضية الخشبية تحت قدميها العاريتين بدت باردة، قاسية كالحقيقة التي تنتظرها خلف الأبواب.
توقفت أمام المرآة الكبيرة، لم تكن تلك مريم التي تعرفها، تلك الطالبة التي كانت تمشط شعرها بدقة هندسية. انعكست صورتها في الزجاج بكتفين عاريتين، وجسد يشعر لأول مرة بوطأة الخطيئة التي لم تعد مجرد فكرة، بل أصبحت صمتا يزن أطنانا في صدرها. أغمضت عينيها، محاولة طرد صور السهرة، لكن شيئا ما كان ينمو في الداخل، ليس فقط ندما، انما شعورا غريبا بالثقل، نبضة غير مألوفة، أو ربما هو قدر بدأ يتشكل في رحم الغفلة. تلك اللحظة هي الفاصلة بين ما كانت عليه، وبين الشيء الذي ستصبح عليه إلى الأبد. في تلك الغرفة الفندقية المنسية، لم تكن مريم عارية من ثيابها فقط، بل عارية من أسطورتها الشخصية. لم تكن تخشى الفضيحة بقدر ما تخشى الحقيقة التي بدأت تهمس في خلاياها. تأملت يدها التي تمسك القانون كأنه الكتاب المقدس، ورأت فيها الآن رجفة لا تهدأ. أدركت حينها، أن الستار الذي مزقته سارة، لم يكشف عن عريها أمام الآخرين فحسب، بل كشف عن حقيقة جسدها الذي خانها، وعن بذرة تنمو في الظلام.
الصدمة الكبرى بعد أشهر من الضياع لم تكن في الرذيلة، انما في الورقة المطوية بين أصابعها المرتجفة، نتيجة تحليل طبي أعلنت نهاية القناع. توقف الزمن، وتبخرت وعود التحرر الزائفة كدخان السجائر الرخيص. لم يعد الحمل خطأ عابرا، بل وثيقة إدانة ستفضح ازدواجيتها أمام العالم، أمام الأم التي تراها شمعة، والأساتذة الذين قرأوا في عينيها أمل العدالة. وقفت أمام المرآة، فلم تعد ترى الطالبة المتفوقة، بل سجينة تنتظر حكم الإعدام. همست لنفسها بمرارة.
في تلك الأيام ما تزال حنان تفاح تعيش في هوامش حياة مريم. تراها يوما سخيفة في عفويتها، ومبتذلة في بساطتها. حنان تتصل، ترسل رسائل دافئة، تسأل عن أحوال الجامعة، لكن مريم في غمرة كبريائها تترك هاتفها صامتا، كأنها تخشى أن تلوث بساطة حنان طهرها المتكلف. في ذروة الغرق، حين أصبحت النوادي الليلية ملاذا لمريم، وبدأت أضواء المدينة تذيب ملامح الطالبة المتفوقة، بدأت مريم تلاحظ شيئا غريبا: حنان لم تتوقف، تظهر كطيف في زوايا المكان، تراقب بقلب أمومي، لم تكن تحكم بل كانت تنتظر.
في ليلة سديمية، حين تسلمت مريم نتيجة التحليل الطبي، لم يكن الحمل مجرد جنين، إنما انفجارا لوهم المثالية. جلست مريم في غرفتها، المحاطة بكتب القانون التي صارت الآن مجرد مقابر للأفكار الميتة. تلاشت سارة طنان، تلاشى صخب الصويرة وصور المدافع الموجهة إلى البحر، وبقي صمت الغرفة، ثقيلا، خانقا. كانت مريم أمام المرآة، تنظر إلى وجهها الذي بدأ يتشقق كخزف رخيص. وفجأة، وكأن صمت مريم هو الذي استدعى النور، سمعت طرقا خفيفا على الباب. لم يكن طرقا عاديا، كان إيقاعا تعرفه مريم من طفولة بعيدة، إيقاعا يذكرها بزمن لم تكن فيه تحتاج إلى قناع. فتحت الباب، وصرخت حنان تفاح بصوت قاطع، واضعة رجلها في فتحة الباب: "لا تحاولي إغلاق الباب، مريم. رائحة انكسارك تسكن الردهة.
ردت بصوت مبحوح متردد:
– لقد أصبحت غريبة عن نفسي يا حنان. كل ما بنيته انهار، والآن.. أحمل في أحشائي دليلا على أنني لست أيقونة كما يظن الجميع.
جلست حنان بجوارها بهدوء، وكأنما تجلس في بيت العائلة، تشربان الشاي وتثرثران:
– كنت تبحثين عن التميز في عالم القوانين، والآن وجدت التميز في قلب الجحيم. هل تظنين أن الله لا يرى إلا في المجلدات؟ نحن لا نولد إلا حين نموت في عيون الناس. ابكي، لكن لا تغسلي وجهك من الحقيقة. ابقي معها، مع هذا الألم. هو الشيء الوحيد الذي تملكينه الآن، وهو الشيء الوحيد الذي لا يمكنهم سلبك إياه. تغمض مريم عينيها، تسقط دمعة أخيرة:
– كان الأمر يتطلب حطاما كاملا لأرى أنني كنت أعيش حياة شخص آخر.
دار بينهما حوار سريع مشحون. لم تكن حنان تبحث عن إجابات، لم تكن تسأل عن سقوط مريم أو انحرافها. دخلت كأنها جزء من الأثاث، كأنها الهواء الذي نسيت مريم أن تتنفسه. وضعت يدها على يد مريم التي كانت تعتصر ورقة التحليل. لم تبك حنان، هزت رأسها بابتسامة حزينة، وقالت بصوت يشبه نبرة البحر في سكونه: "لقد تعبت من حمل العالم على كتفيك، يا مريم.. حان الوقت لتضعي هذا الثقل على الأرض. الأرض التي نخطئ عليها، هي وحدها التي تحتضن خطواتنا.
أحست بالثقل ينزاح شيئا فشيئا، الأشياء تطفو في ذهنها. اخترقت حنان جدار عزلتها لأنها الشخص الوحيد الذي أحب مريم قبل أن تصبح أيقونة. لم يكن وجود حنان حلا سريعا، كان شهادة على أن مريم لا تزال موجودة خلف الركام. بدأت مريم تبكي، ليس ندما على الرذيلة، إنما تحررا من عبء الكمال. أدركت مريم أن حنان هي الوصل الوحيد بحقيقتها الأولى. دفنت مريم وجهها في ثوب حنان، وشعرت بأنها تخلع جلدها الأفعواني.
لم تعد مريم تسأل عن مآلاتها. خرجت من تلك الغرفة في الصباح التالي، ليست الطالبة التي تتباهى بالكتب، ولا الغاوية التي تبحث عن عتمة، انما امرأة ولدت من رماد مثاليتها. تمشي حنان بجانبها كظل يحميها من شمس الحقيقة القاسية، حنان ليست مجرد صديقة، إنها أختها والبوابة التي سمحت للواقع أن يدخل من جديد إلى روح كادت تتبخر في سماء الأكاذيب، دفنت مريم كل أوهامها في حقيبة خشبيه واغلقت بمفتاح ثقيل ورمته في الطريق . بدأت مريم حياتها الحقيقية، مشوهة، غير مكتملة، لكنها ولأول مرة تحس أنها حياتها الخاصة، وليست نصا مكتوبا بأيدي الآخرين.
