السبت ١٠ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم إنتصار الخشت

حين يُتْعِبُ ما لا يُرى

ليست كل الجروح لها لون، ولا كل الآلام تترك أثرًا على الجسد.

هناك أوجاع تمشي بين الناس في هدوء، تجلس إلى جوارنا، وتبتسم حين نبتسم، وتجيب حين نسألها: «كيف حالك؟» بكلمة قصيرة: «بخير»… بينما في الداخل حكاية أخرى تمامًا.

قد يكون الجسد حاضرًا، والعينان مفتوحتين، والصوت يشارك في الحديث، بينما تكون الروح قد أغلقت بابها منذ زمن.
وهنا تبدأ مسؤوليتنا.

فالصحة النفسية ليست رفاهية، وليست ترفًا نؤجله حتى ينهار الإنسان. إنها جزء من حقه في أن يعيش آمنًا، متوازنًا، قادرًا على فهم نفسه، وقادرًا على العثور على من يفهمه.

في المدرسة، لا ينبغي أن يكون الأخصائي النفسي والاجتماعي مجرد اسم في سجل، أو غرفة لا تُفتح إلا عند وقوع المشكلة.

فالطفل الذي تتغير درجاته فجأة، أو يصبح أكثر صمتًا بعد أن كان كثير الحديث، أو يتحول إلى سريع الغضب، أو يخشى الذهاب إلى المدرسة، قد لا يكون طفلًا مشاغبًا كما نظن؛ ربما يكون طفلًا يرسل استغاثته بطريقته الخاصة.

وكم من طفل عوقب لأنه لم يُفهم، وكم من مراهق وُصف بالعناد، بينما كان يحمل في صدره سؤالًا لم يجد من يسمعه!
لهذا نحتاج إلى أخصائيين نفسيين واجتماعيين مؤهلين داخل المؤسسات التعليمية؛ لا ليبحثوا عن المرض، وإنما ليكتشفوا بوادر التعب مبكرًا، ويساعدوا الطفل والأسرة والمعلم على التعامل معها قبل أن يتحول الجرح الصغير إلى ألم كبير.

نحتاج إلى عين ترى ما وراء السلوك، وأذن تسمع ما وراء الصمت، وعقل يدرك أن الطفل ليس رقمًا في كشف النتائج، وأن المدرسة ليست مكانًا للامتحان وحده، بل مساحة يتشكل فيها الإنسان.

ثم تأتي الأسرة، وهي أول حضن وآخر ملجأ.

لكن الأسرة، مهما كان حبها، قد لا تعرف دائمًا كيف تساعد.

ومن هنا تأتي أهمية المتخصصين والمراكز النفسية والمصحات المتخصصة، عندما تستدعي الحالة ذلك.

فاللجوء إلى العلاج النفسي ليس عيبًا، وطلب المساعدة ليس ضعفًا، ودخول المصحة عند الحاجة ليس وصمة ينبغي أن نخفيها خلف الأبواب.

فالإنسان حين يمرض جسده يذهب إلى الطبيب دون خجل، فلماذا نخجل حين تتعب روحه؟

المراكز والمصحات النفسية، حين تقوم على العلم والرعاية والاحترام وحفظ الكرامة الإنسانية، يمكن أن تكون محطات لاستعادة التوازن، لا أماكن للعزلة أو النبذ.

المهم ألا ننتظر حتى يصل الإنسان إلى حافة الانهيار، بل أن نمد له يد المساعدة وهو ما يزال قادرًا على الإمساك بها.
ثم نمضي في العمر، ونظن أحيانًا أن الحاجة إلى الاحتواء تنتهي.

لكنها لا تنتهي.

كبار السن أيضًا لهم أرواح تتعب.

قد لا يحتاج المسن أحيانًا إلى دواء بقدر حاجته إلى يد تمسك يده، وأذن لا تستعجل حديثه، ووجه لا يشعره بأنه أصبح عبئًا على الآخرين.

الوحدة قد تكون أثقل من المرض، والشعور بأن الإنسان لم يعد مهمًا قد يسرق من العمر ما لا تستطيعه السنوات.
ولهذا يجب أن تمتد الرعاية النفسية من المدرسة إلى الجامعة، ومن الأسرة إلى أماكن العمل، ومن مؤسسات الرعاية إلى دور المسنين.

فالإنسان لا يفقد حقه في الدعم النفسي لأنه كبر، كما لا يفقده لأنه صغير.

نحن بحاجة إلى مجتمع لا ينتظر الانهيار حتى يتحرك.

مجتمع يسأل قبل أن يحكم، ويستمع قبل أن ينصح، ويحتوي قبل أن يلوم.

نحتاج إلى أن نتعلم أن بعض الصمت ليس هدوءًا، وبعض الغضب ليس سوء أخلاق، وبعض العزلة ليست تكبرًا، وبعض الابتسامات ليست دليلًا على أن كل شيء بخير.

ربما كان خلف كل ذلك قلب يقول في صمت:

«أنا متعب… لكنني لا أعرف كيف أشرح تعبي.»

فهل نسمعه؟

نحتاج إلى أن يأتي اليوم العالمي للصحة النفسية، لا لنحتفل به بالكلمات والشعارات فحسب، بل لنجد لكل محتاج ومريض يدًا تمتد إليه، وعينًا تراه، وأذنًا تسمعه، ورعايةً تحفظ إنسانيته وكرامته.

فالصحة النفسية ليست أن نعيش بلا حزن؛ فالحزن جزء من إنسانيتنا، وليست أن تمر بنا الحياة دون خوف أو فقد أو انكسار.

إنها أن نجد، حين تتعب أرواحنا، من يمد لنا خيطًا نحو الضوء.

من المدرسة إلى الشيخوخة، نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة ترى الإنسان قبل مشكلته، وتحتضنه قبل أن يسقط.

لأن بعض الذين يحتاجون إلى المساعدة لا يصرخون.

بعضهم فقط… يبتسمون.

وحين يتعب ما لا يُرى، يصبح الإصغاء شكلًا من أشكال الرحمة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى