السبت ١٣ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم سليمان أحمد عبد الدايم

حين يصبح الجهل رأيًا مسموعًا

أزمة المعرفة في عصر المنصات

لم تعد المعرفة في عصرنا امتيازًا يقتصر على فئة محدودة من العلماء والمثقفين، كما لم يعد الوصول إلى المعلومات أمرًا شاقًا يحتاج إلى سنوات من البحث والتنقيب. فقد أتاحت الثورة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي فضاءً رحبًا للتعبير وتبادل الأفكار، وفتحت الباب أمام الجميع للمشاركة في صناعة المحتوى وإبداء الرأي، وهو تطور حمل في بداياته وعودًا كبيرة بتعزيز الوعي ونشر الثقافة وإتاحة المعرفة على نطاق غير مسبوق.

غير أن هذه الديمقراطية الواسعة في التعبير أفرزت ظاهرة أخرى لا تقل أهمية، وهي تراجع الحدود الفاصلة بين الرأي المبني على العلم والخبرة، والرأي القائم على الانطباعات الشخصية أو المعلومات المبتورة. فأصبح من المألوف أن يتجاور صوت الباحث والمتخصص مع صوت غير المختص، وأن تُعرض الآراء المختلفة أمام الجمهور وكأنها متساوية في القيمة العلمية والموضوعية.

ولعل المفارقة الكبرى تكمن في أن الجهل لم يعد يشكل عائقًا أمام صاحبه كما كان في السابق، بل أصبح في بعض الأحيان وسيلة لاكتساب الشهرة والتأثير. فبينما كان الإنسان قديمًا يتحرج من الحديث فيما لا يعلم، أصبح بعض الناس اليوم يتحدثون بثقة مطلقة في قضايا الطب والتاريخ والاقتصاد والسياسة، دون امتلاك الحد الأدنى من المعرفة التي تؤهلهم لذلك، مستفيدين من سرعة انتشار المحتوى، ومن ميل الجمهور إلى الرسائل المختصرة والإجابات السهلة.

وليس المقصود من ذلك الدعوة إلى احتكار المعرفة أو منع الناس من التعبير عن آرائهم، فحرية الرأي تمثل أحد أهم مكتسبات المجتمعات الحديثة، غير أن المشكلة تبدأ حين تختلط حرية التعبير بادعاء المعرفة، وحين يصبح الرأي الشخصي بديلًا عن الحقائق، والانطباعات الفردية منافسًا للبحث العلمي والخبرة المتراكمة.

لقد ساهمت المنصات الرقمية في منح الجميع صوتًا مسموعًا، وهو أمر يحمل في جوهره قيمة إيجابية، إلا أن الصوت المرتفع لا يعني بالضرورة امتلاك الحقيقة، كما أن كثرة المتابعين لا تمنح صاحبها سلطة معرفية. فعدد الإعجابات لا يصنع عالمًا، والانتشار لا يمثل دليلًا على صحة الأفكار، والشهرة ليست مرادفًا للحكمة.

ومن هنا، لم تعد الأزمة الحقيقية تتمثل في نقص المعلومات، بل في صعوبة التمييز بين المعرفة الحقيقية والضجيج المحيط بها، وبين الخبير الحقيقي وصانع المحتوى الذي يتقن مخاطبة العواطف أكثر مما يتقن مخاطبة العقول.

ومع اتساع نفوذ المنصات الرقمية، برزت ظاهرة جديدة تتمثل في انتقال سلطة التأثير من أصحاب الاختصاص إلى أصحاب القدرة على جذب الانتباه. فالمؤثر الناجح لم يعد مطالبًا دائمًا بالمعرفة العميقة بقدر ما أصبح مطالبًا بإتقان فنون العرض والإقناع واختزال القضايا المعقدة في عبارات سريعة يسهل تداولها. وهكذا، أصبح الإيجاز أحيانًا ينتصر على الدقة، وأصبحت الإثارة أكثر جاذبية من الحقيقة.

وفي خضم هذا المشهد، نشأت حالة من اليقين الزائف، حيث يتعامل البعض مع آرائهم الشخصية باعتبارها حقائق نهائية لا تقبل النقاش، بينما يُنظر إلى التخصص والخبرة بشيء من الريبة أو حتى العداء. وأصبح من السهل اتهام العلماء والمفكرين وأهل الخبرة بالانفصال عن الواقع، في حين يُمنح أصحاب الشعارات البسيطة والوعود السريعة ثقة لا تتناسب بالضرورة مع حجم معرفتهم.

ولا يقتصر خطر هذه الظاهرة على المجال الثقافي فحسب، بل يمتد إلى مجالات أكثر حساسية، كالطب والاقتصاد والتاريخ والتربية، حيث قد تؤدي المعلومات المغلوطة إلى قرارات فردية وجماعية ذات عواقب وخيمة. فالمجتمعات لا تتقدم بكثرة الأصوات، وإنما بقدرتها على التمييز بين الرأي والمعرفة، وبين الاعتقاد الشخصي والحقيقة القائمة على البحث والتجربة.

ومع ذلك، فإن الدفاع عن قيمة العلم والخبرة لا يعني الدعوة إلى إقصاء الآخرين أو مصادرة حقهم في التعبير، فالمعرفة الحقيقية لا تخشى الحوار، والعلم لا يتعارض مع حرية الرأي، بل إن أحد أهم شروط ازدهاره هو وجود مناخ يسمح بالنقاش والتساؤل والاختلاف. غير أن الاختلاف لا يلغي حقيقة أن الآراء ليست جميعها متساوية في قيمتها المعرفية، وأن احترام الإنسان لا يستلزم بالضرورة التسليم بصحة كل ما يقول.

لقد منحتنا التكنولوجيا فرصة عظيمة للوصول إلى المعرفة، لكنها في الوقت نفسه وضعت على عاتقنا مسؤولية أكبر في التحقق والتمييز والتفكير النقدي. وربما تكمن المفارقة الأشد غرابة في عصرنا في أننا نعيش زمنًا تتوافر فيه المعلومات أكثر من أي وقت مضى، بينما تزداد الحاجة إلى الحكمة في التعامل معها.

إن المشكلة الحقيقية ليست في أن الجهل أصبح موجودًا، فالجهل رافق الإنسان في كل العصور، وإنما في أن الجهل، حين يكتسب ثقة مفرطة ويجد منابر واسعة، قد يتحول من حالة فردية قابلة للعلاج إلى ظاهرة جماعية قادرة على التأثير والتوجيه. وعندئذ، لا تصبح الأزمة أزمة نقص في المعرفة، بل أزمة في تقدير قيمتها، وحين يصبح الجهل رأيًا مسموعًا، تصبح مهمة الدفاع عن العقل والمعرفة مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الجميع.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى