الثلاثاء ٢١ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم سليمان أحمد عبد الدايم

حين يصبح الأمل مقاومة

كيف يواصل الإنسان الحياة رغم الخسارات؟

يُقال إن الإنسان يعيش بالأمل، وربما تبدو هذه العبارة، لكثرة تكرارها، أقرب إلى الحكمة المألوفة منها إلى الحقيقة العميقة. لكن التأمل في مسيرة البشر يكشف أن الأمل لم يكن يومًا مجرد شعور جميل يخفف قسوة الأيام، بل كان، في كثير من الأحيان، آخر ما تبقى للإنسان حين خسر كل شيء. فمنذ بداية التاريخ، واجه البشر الحروب، والأوبئة، والفقد، والانكسارات، ومع ذلك استمرت الحياة، لا لأنها كانت دائمًا عادلة، بل لأن الإنسان امتلك قدرة مدهشة على أن يؤمن بأن الغد قد يحمل ما لم يحمله الأمس.

غير أن الأمل ليس سهلًا كما يبدو. فهو لا يولد في لحظات الراحة، وإنما يُختبر في أشد أوقات الألم. فمن السهل أن يتفاءل الإنسان حين تسير الأمور كما يشتهي، لكن الصعوبة الحقيقية تكمن في أن يحتفظ بشيء من الضوء بينما كل ما حوله يوحي بالعتمة. ولهذا، فإن الأمل ليس تجاهلًا للواقع، بل شجاعة لمواجهته دون استسلام.

ولعل أكثر ما يرهق الإنسان ليس الخسارة ذاتها، بل الشعور بأنها النهاية. فعندما يفقد شخصًا عزيزًا، أو يخسر حلمًا طال انتظاره، أو ينهار مشروع أفنى فيه سنوات عمره، يبدو المستقبل للحظة وكأنه أغلق أبوابه كلها. وفي تلك اللحظات، لا يحتاج الإنسان إلى وعود كبيرة، بل يحتاج إلى سبب صغير يجعله ينهض من جديد، وإلى فكرة واحدة تقنعه بأن الطريق لم ينته بعد.

وقد اعتاد الإنسان المعاصر أن يقيس حياته بما يحققه من نتائج سريعة، حتى أصبح النجاح يبدو وكأنه القاعدة، بينما صار التعثر استثناءً يجب إخفاؤه. غير أن الحياة لا تسير بهذه البساطة. فهي تمنح، وتأخذ، وتفتح أبوابًا، ثم تغلق أخرى، وتعيد تشكيل الإنسان بطرق لم يكن يتوقعها. وما يبدو اليوم خسارة نهائية، قد يكون بعد سنوات بداية لطريق لم يكن ليراه لولا تلك الخسارة.

ومن المفارقات اللافتة أن كثيرًا من اللحظات التي غيّرت حياة البشر لم تكن لحظات انتصار، بل لحظات انكسار. ففي الأزمات يكتشف الإنسان جوانب من نفسه لم يكن يعرفها، ويتعلم الصبر، ويعيد ترتيب أولوياته، ويدرك أن قوته لا تقاس بعدد المرات التي لم يسقط فيها، بل بعدد المرات التي استطاع أن ينهض بعدها.

ولا يعني ذلك تمجيد الألم، فالألم ليس غاية، ولا ينبغي البحث عنه. لكنه، حين يفرض نفسه، قد يصبح معلمًا قاسيًا يمنح الإنسان رؤية مختلفة للحياة. فكم من شخص لم يعرف قيمة الصحة إلا بعد المرض، ولا قيمة الرفقة إلا بعد الوحدة، ولا قيمة الوقت إلا بعد أن شعر بأنه يضيع من بين يديه. وهكذا، تتحول بعض الجراح، مع مرور الزمن، إلى نوافذ يرى الإنسان منها العالم بصورة أكثر نضجًا ورحمة.

ولعل المشكلة الكبرى أن كثيرًا من الناس يظنون أن الأمل يعني اليقين بأن كل شيء سينتهي كما يريدون. والحقيقة أن الأمل لا يقدم مثل هذا الوعد. فهو لا يضمن النجاح، ولا يمنع الفقد، ولا يغير قوانين الحياة، لكنه يمنح الإنسان القدرة على الاستمرار رغم أنه لا يعرف ما الذي ينتظره. إنه الإيمان بأن للمحاولة قيمة، حتى لو لم تكن النتيجة مضمونة.

ومن هنا، يصبح الأمل فعلًا من أفعال المقاومة. مقاومة لليأس، وللعجز، وللأفكار التي تقنع الإنسان بأن ما ضاع لن يُعوَّض أبدًا. فالذين غيّروا العالم لم يكونوا أكثر الناس ضمانًا للنجاح، بل أكثرهم إصرارًا على ألا يجعلوا الفشل الكلمة الأخيرة في حياتهم.

وربما لهذا السبب، لا يُقاس الإنسان بعدد انتصاراته وحدها، بل بقدرته على أن يحتفظ بإنسانيته عندما تتوالى الهزائم. فهناك من تكسره خسارة واحدة، وهناك من تترك فيه كل خسارة حكمة جديدة، ورحمة أوسع، وإصرارًا أشد على أن يعيش.

وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا: هل الأمل مجرد انتظار لأيام أفضل، أم أنه القرار الذي يتخذه الإنسان كل صباح بأن يمنح الحياة فرصة أخرى، رغم كل ما عرفه عنها؟ فربما لم يكن الأمل وعدًا بأن الطريق سيكون سهلًا، بل كان القوة التي تجعل الإنسان يواصل السير، حتى عندما لا يرى نهاية الطريق.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى