حين يصبح الإنجاز هوية
هل تساوي قيمتنا ما نحققه؟
منذ سنواته الأولى، يتعلم الإنسان أن قيمته ترتبط بما ينجزه. فالطفل يُمدح لأنه تفوق، والطالب يُكافأ لأنه حصل على درجات مرتفعة، والموظف يُقدَّر لأنه حقق نتائج أفضل، ورائد الأعمال يُحتفى به لأنه بنى مشروعًا ناجحًا. ولا شك أن الإنجاز قيمة نبيلة، فهو ثمرة الاجتهاد والإرادة، ووسيلة الإنسان لترك أثره في الحياة. غير أن المفارقة تبدأ عندما يتجاوز الإنجاز حدَّه الطبيعي، فلا يعود جزءًا من هوية الإنسان، بل يصبح هويته كلها.
عندها، لا يعود السؤال: "ماذا أنجزت؟"، بل يصبح: "من أنت إذا لم تُنجز؟". وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ إذ تتحول قيمة الإنسان من كونه إنسانًا إلى كونه مشروعًا دائمًا للإنتاج، وكأن وجوده لا يكتمل إلا بما يحققه، لا بما هو عليه.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في العصر الحديث أن الإنسان أصبح يعيش في سباق لا يتوقف. فما إن يحقق هدفًا حتى يظهر هدف آخر، وما إن يحتفل بإنجاز حتى يبدأ القلق من الإنجاز التالي. ولم يعد النجاح نهاية رحلة، بل بداية لمطالب جديدة، حتى بدا وكأن الإنسان محكوم بأن يثبت قيمته كل يوم من جديد.
وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق هذا الشعور. فهي لا تعرض الحياة كما هي، بل تعرض حصيلة الإنجازات، والجوائز، والاحتفالات، ولحظات النجاح التي تبدو وكأنها الحياة كلها. ومن يشاهد هذا المشهد باستمرار قد يظن أن الآخرين لا يتعثرون أبدًا، وأن قيمتهم تقاس بعدد ما يحققونه، فيبدأ هو الآخر في قياس نفسه بالميزان ذاته.
ومن هنا، تنشأ علاقة مضطربة بين الإنسان وإنجازه. فهو لا يعمل لأنه يحب ما يفعل، بل لأنه يخشى أن يفقد تقدير الآخرين إذا توقف. ولا يطمح لأنه يريد أن ينمو، بل لأنه يخاف أن يبدو أقل من غيره. ومع مرور الوقت، يصبح النجاح وسيلة للهروب من الشعور بعدم الكفاية، لا تعبيرًا عن تحقيق الذات.
ولعل أخطر ما في هذه الحالة أنها تجعل الفشل يبدو كارثة وجودية. فالإنسان الذي ربط قيمته بإنجازاته لن يرى في التعثر تجربة عابرة، بل سيراه دليلًا على أنه أصبح أقل قيمة. وقد ينهار بسبب خسارة وظيفة، أو مشروع، أو امتحان، ليس لأن الحدث في ذاته يستحق ذلك، بل لأنه يشعر أن جزءًا من هويته قد انهار معه.
لكن الحقيقة أن الإنجاز، مهما بلغ، لا يستطيع أن يحمل الإنسان كله. فهناك جوانب لا تقاس بالأرقام ولا بالشهادات ولا بالمناصب؛ كالصدق، والرحمة، والوفاء، والقدرة على العطاء، وحسن الخلق، وكلها قيم قد لا تظهر في السير الذاتية، لكنها هي التي تمنح الإنسان معناه الحقيقي.
ولعل التاريخ نفسه يؤكد أن كثيرًا من الشخصيات العظيمة لم تُخلَّد بسبب عدد إنجازاتها فقط، بل بسبب أثرها في الناس. فقد يحقق الإنسان نجاحًا باهرًا ثم يُنسى، بينما يترك آخر أثرًا عميقًا في حياة من حوله دون أن يحمل لقبًا كبيرًا أو منصبًا مرموقًا. فالإنجاز يبهر العيون، أما الأثر فيبقى في القلوب.
ولا يعني ذلك التقليل من قيمة الطموح أو الدعوة إلى التوقف عن السعي، فالإنسان خُلق ليعمر الأرض ويجتهد ويبدع. لكن الفرق كبير بين أن يكون الإنجاز ثمرة للحياة، وأن يصبح شرطًا لاستحقاقها. فالطموح الذي يحرر الإنسان يدفعه إلى العمل بحب، أما الطموح الذي يستعبده فيجعله يشعر بالذنب كلما استراح، وبالخوف كلما تعثر، وبالفراغ كلما انتهى من هدف ليبدأ مطاردة هدف آخر.
وربما يحتاج الإنسان، بين الحين والآخر، أن يسأل نفسه سؤالًا بسيطًا: لو فقدت كل ما أملك من ألقاب، وشهادات، ومناصب، وإنجازات... هل سأظل أعرف من أكون؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تكشف ما إذا كان الإنسان يقود إنجازاته، أم أن إنجازاته هي التي تقوده.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا: هل نقيس قيمة الإنسان بما حققه في حياته، أم بما أصبح عليه خلال رحلته؟ فربما كان أعظم إنجاز يمكن للإنسان أن يحققه، ليس أن يصنع اسمًا كبيرًا، بل أن يحتفظ بإنسانيته، حتى في أكثر لحظات نجاحه بريقًا.
