الخميس ١٧ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم إنتصار الخشت

العالم الذي يرى ولا ينقذ

العالم الذي يرى ولا ينقذ: حين تتحول المأساة إلى خبر

هناك مشاهد لا ينبغي للعين أن تعتادها.

مشاهد الأطفال وهم يبحثون عن الأمان، والأمهات وهنّ يفتشن في الركام عن أثرٍ للحياة، والبيوت التي كانت ذات يومٍ مأوى دافئًا ثم أصبحت شاهدًا صامتًا على غياب أصحابها.

ومع ذلك، تتكرر الصور أمامنا حتى تكاد الشاشة تبتلع فداحة المشهد.

نفتح هواتفنا، نقرأ الخبر، نمرر الشاشة، ثم ننتقل إلى خبرٍ آخر.

هكذا، شيئًا فشيئًا، قد تتحول المأساة من حياة إنسان إلى مادة إخبارية، ومن وجعٍ لا يحتمل إلى رقمٍ في نشرة، ومن طفلٍ له اسم وحلم إلى رقمٍ في إحصائية.

وهنا تبدأ الكارثة الثانية: كارثة الاعتياد.

ليس الاعتياد على الحرب وحدها، وإنما الاعتياد على رؤية الإنسان يتألم دون أن تهتز فينا الأسئلة الكبرى.

ما الذي حدث للضمير العالمي؟

هل أصبح الألم أقل ألمًا لأنه يتكرر؟

وهل يفقد الطفل حقه في الحياة عندما يصبح خبرًا متكررًا؟

إن كثرة المآسي لا تجعلها عادية، وإن تكرار الصورة لا يسلبها حقيقتها. الطفل الذي نراه للحظة على شاشة ليس شخصيةً في مشهد عابر، بل إنسان كان له بيت، ودفتر، ورفاق، وأحلام صغيرة تشبه أحلام أطفال العالم جميعًا.

كان يمكن أن يكون جالسًا في مدرسته، يخط اسمه على ورقة، أو يركض خلف كرة، أو ينتظر أمه عند باب البيت.

لكن الحرب لا تسأل الطفل عن أحلامه.

والركام لا يفرّق بين من كان يحمل كتابًا ومن كان يحمل لعبة.

في زمنٍ أصبحت فيه الكاميرا قادرة على الوصول إلى كل مكان تقريبًا، لم يعد العالم يملك عذر عدم المعرفة. نحن نرى، ونسمع، ونتابع، ونقرأ.

لكن المعرفة وحدها لا تكفي.

فثمة مسافة شاسعة بين أن ترى الألم وأن تشعر بمسؤوليتك تجاهه.

وليس المقصود أن يتحول كل إنسان إلى صاحب قرار سياسي أو عسكري، وإنما أن يبقى الإنسان إنسانًا؛ ألا يسمح لتكرار المشهد بأن يطفئ حساسيته الأخلاقية، وألا تتحول المأساة في وعيه إلى مجرد خلفية لأخبار اليوم.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للبشرية ليس أن تقع الحروب فقط، وإنما أن تصبح الحروب مألوفة، وأن يصبح الموت لغةً معتادة، وأن تتراجع قيمة الحياة أمام الحسابات السياسية والمصالح والنفوذ.

فالحياة الإنسانية لا ينبغي أن تكون ورقةً في ميزان المصالح.

ولا يجوز أن يصبح حق الطفل في النجاة مرتبطًا بمكان ولادته أو بجواز سفره أو بهوية الأرض التي يعيش عليها.

الإنسان يولد أولًا، ثم تأتي بعد ذلك كل التسميات.

وهذه الحقيقة البسيطة هي التي يجب ألا تضيع وسط ضجيج السياسة.

لقد قطعت البشرية أشواطًا طويلة في الحديث عن حقوق الإنسان، وكتبت المواثيق، وأقامت المؤسسات، وأعلنت المبادئ.

لكن الاختبار الحقيقي للقيم لا يكون في الكلمات التي تُكتب في أوقات الهدوء، وإنما في قدرتها على الصمود عندما يصبح تطبيقها مكلفًا.

هناك، في اللحظة التي يصبح فيها الدفاع عن حياة إنسانٍ ما غير مريح سياسيًا، تظهر حقيقة المبادئ.

وهناك أيضًا نعرف إن كانت حقوق الإنسان حقًا عالميًا، أم أنها تصبح أحيانًا أكثر وضوحًا عندما يكون صاحب الحق قريبًا من دوائر القوة، وأقل وضوحًا عندما يكون بعيدًا عنها.

لا يحتاج العالم إلى مزيد من الصور كي يعرف حجم الألم.

إنه يحتاج إلى أن يتذكر الإنسان الذي يسكن خلف الصورة.

يحتاج إلى أن يتذكر أن وراء كل نافذة مهدمة عائلة، وخلف كل حقيبة مدرسية حكاية طفل، وخلف كل أمٍ تبحث بين الأنقاض عمرًا كاملًا من الذكريات.

وربما لهذا لا ينبغي أن نسأل فقط: ماذا يحدث؟

بل يجب أن نسأل أيضًا: ماذا فعلنا حين عرفنا؟

فالتاريخ لا يسجل الضحايا وحدهم، بل يسجل كذلك مواقف الأحياء وهم يشاهدون.

قد لا نملك جميعًا القدرة على تغيير مسار الأحداث، لكننا نملك ألا نسمح للإنسان داخلنا أن يموت بالتدريج.

أن نرفض تحويل المأساة إلى تسلية.

أن نرفض السخرية من وجع الآخرين.

أن نرفض أن يصبح الموت رقمًا بلا وجه.

وأن نحافظ، وسط هذا العالم الصاخب، على نافذة صغيرة يدخل منها الضوء.

فربما يكون آخر ما يحتاجه هذا العالم ليس مزيدًا من الضجيج، وإنما قليلًا من الضمير.

سلامٌ على كل طفلٍ ما زال يحلم بسماءٍ لا تسقط منها القنابل، وعلى كل أمٍّ تنتظر عودة الغائب، وعلى كل إنسانٍ ما زال يؤمن أن الحياة حقٌّ لا ينبغي أن يُنتزع.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى