

الشاعر عدنان النحوي وملاحمه الفلسطينية
لم أعلم بشاعر خط ملاحم شعرية في عصرنا الحاضر كالشاعر المرحوم عدنان علي رضا النحوي فقد كتب نحو خمس عشرة ملحمة شعرية عالجت قضايا العالم الإسلامي ومشكلاته، وما أكثرها!! فمن أفغانستان إلى البوسنة إلى القسطنطينة إلى مسلمي الهند وأما ملاحم فلسطين القضية الأولى للمسلمين فكان له نصيب الأسد منها كيف لا وشاعرنا فلسطيني المولد والهوى.
ومن هذه الملاحم الفلسطينية فمنها: ملحمة فلسطين، ملحمة الأقصى، ملحمة أرض الرسالات، ملحمة الإسلام من فلسطين، إلى لقاء المؤمنين، ملحمة غزة،وأما ديوان الأرض المباركة الذي طبع أول مرة عام ١٩٧٨ فيعد أغزر فلسطينياته وباكورتها إذ حظي باهتمام النقاد والدارسين وكان مدخلا لملاحمه الوطنية والإسلامية الأخرى.
وقبل الولوج في ملاحم الشاعر لا بد أن يعرف القارئ أن الشاعر المرحوم من مواليد مدينة صفد عام ١٩٢٨م درس في مدارسها وتشرد مع أهلها وعانى كما عانى الجميع وبالرغم من دراسته للهندسة العلمية في القاهرة إلا أننا نجد شعره الأدبي طغى على اختصاصه فهو شاعر مطبوع منذ صباه فقد نشأ في بيت علم وأدب، وكيف لا يكون أديبا وقد حمل نسبه النحوي؟ وفي نسبه هذا طرافة؛ إذ يقول: أطلقه والي عكا حين مر أحد أجدادي بها قادما من القاهرة بعد تخرجه في الأزهر فكان لا يتكلم إلا الفصحى، فسماه النحوي، وولاه القضاء في صفد.
الشعر ديوان العرب وملاحم فلسطين ديوان النحوي:قال بعض المؤرخين: الشعر ديوان العرب، وفسرها بعضهم لأنه سجل في ثناياه تاريخ العرب كله، فمن خلال قصائد الشعراء ولا سيما الجاهلية وصدر الإسلام استطاع المؤرخون أن يستدلوا على الأحداث التاريخية الجسيمة من خلال الأشعار كأيام العرب والغزوات وداحس والغبراء وغيرها؛ وإذا نظرنا في دواوين الشاعر النحوي ولا سيما الفلسطينية منها نجد أنها أرخت للحوادث الجسام التي مرت بها القضية الفلسطينية منذ أن بدأ يقرض الشعر، أو منذ أن شعر بالمؤامرة الصهيونية على بلاده، وظل يخط لنا تاريخ فلسطين شعرا حتى غدت مرجعا حقيقيا، بل مأساويا لما تعرضت له فلسطين من ضياع واغتصاب وتشرد وحصار وغيرها من آلام مازال الفلسطينيون يعانون منها
ولنعد إلى التسلسل التاريخي للقضية الفلسطينية كما رواه شاعرنا النحوي، نجد أن باكورة قصائده الفلسطينية بدأت عام ١٩٤٣م، وعمره لم يتحاوز الخامسة عشرة يومئذ، فقد كان شاعرنا بعنفوان الشباب غير راض عن توقف الثورة الفلسطينية التي بدأت عام ١٩٣٦م، بخديعة من المحتل، ورأى أن الصراخ والنواح لا يفيدان البلاد بشيء فيقول في قصيدة ( نذير):
ماذا يفيد نواح فوق غالية.من التراث تداعت من تداعيناأنتم تنوحون والأعداء قد بلغت.منكم وجاست خلال المُلك تطوينا
شدوا العزيمة، شقوا الدرب واخترقوا.
صفّ العدى عصبة لا تظهروا لينا (ديوان الأرض المباركة ط ٤ الرياض ١٩٨٦م)
جرائم المستعمر البريطاني قبل ١٩٤٨م:
لا شك أن كتب التاريخ ذكرت أن المستعمر البريطاني كان يلجأ إلى أقسى العقوبات منها أحكام الإعدام على المجاهدين، ونسف بيوتهم، والسجن الطويل لمن يعثر معه على طلقات أو سكين حادة، وأما اليهودي فكانت أحكامه مخففة جدا هذا إن وصل للقضاء.
في قصيدة ( دارنا) من (ديوان الأرض المباركة ص ٧٣ ط ٤) والتي قالها عام ١٩٤٣م أيضا، وكان الإنكليز قد نسفوها عام ١٩٣٦م إبان الثورة الفلسطينية يوم هرب مع والده إلى دمشق، ويذكر أنّ والده لما سمع بنسف الدار لم يسأل إلا عن المكتبة، ولما قيل له: إنها سلمت لأن أحد الأصدقاء أخرجها قبل النسف، فسر سرورا عظيما يقول فيها:
مجد تهدم إلا حائطا هرماوالمجد أخلده ما عهده القدموقفت أستنطق الأحجار أسألهاوالصخر يتلو حديثا كله حكمفدى لديني وأوطاني ذهبتِ فلاحزنٌ عليك ولا دمع ولا ألم
وأما عام النكبة ١٩٤٨م عام التشرد وضياع البلاد فأرخ عدة حوادث منها استشهاد عبد القادر الحسيني في معركة القسطل، وسقوط صفد والضياع والتشرد، يقول في (ديوان الأرض المباركة ص ٩٣) عن استشهاد الحسيني:
عاد الهزَبْرُ فما للقلب يضطربوللعيون وهذا الدمع ينسكبُجاء البشير إلينا والنعي معاكلاهما خفقة فالنصر والحرب
واشتد لوعة الشاعر بعد التشرد عام ١٩٤٨م، وبدأت آمال العودة تذوي، والحسرة تشتد. ففي قصيدة (وطن يضيع) يصور ذكرياته الجميلة في فلسطين، ويذكر الشهداء الذين قدموا أرواحهم فداء للبلاد يقول:
وطني ذكرتك والقنا طعّاعنةوجميل ساحك بالدماء مخضبُوطني ذكرتك والمصائب كشّرتعن نابها واحمرَّ منها المخلبأين الحمية إذ رآك ممزقاإربا وعرضك مستباح يثلب
وأما سقوط بلدته الحبيبة إلى قلبه صفد في ١٣ من أيار عام ١٩٤٨م، فيدونها بقوله:
دمعة حرّقت من الأجفانوزفير تبثه الشفتانوفؤاد يثور كالبركانونداء يضج في الآذانصفد! حدثي بغير لسانكيف تهوي معاقل الأبطالوتموت الرجال دون قتال
نكبة ١٩٤٨م في ذاكرة الشاعر:
وفي هذه الأيام أي في صيف ١٩٤٨م سقطت أكثر البلاد، وحدثت المأساة؛ مأساة التشرد واللاجئين والضياع والشتات، وكما سجلت الصحف والمجلات والكتب تاريخ تلك الفترة وأخبارها فإن شاعرنا سارع في التقاط الصور الحزينة للاجئين والمنكوبين، ورسمها في قصائده حزينة كئيبة،
وفي قصيدة ( عودة لاجئ) يصف حال لاجئ خرج سنة ١٩٤٨م، وأخذ يتلمس المعاني التي غناها في طفولته وفي صباه وهو يتنقل في العالم العربي، ومن بين الخيام والدماء وهو ينظر لطريق العودة فيقول:
لاجئ! أطعموه كسرة خبزودعوه إذا بدا ما يريبوضعوه في خيمة كلما حنّإلى الدار طرفه والوجيبواتركوه إلى الوكالة يغذوشفتيه لبانها والحليب
( ص ١٣٩ من ديوان الأرض)
الوقوف على الأطلال والحنين للبلاد:
ويكثر شاعرنا في هذه الفترة أي بعد النكبة والتشرد مناجاة الأطلال والحنين إلى الوطن رافضا عيشة الذل والخيام، وقد أغلقت في وجهه ووجوه الآخرين العودة، وأيقنوا ألا عودة للبلاد في المنظور القريب، فاسترجع شاعرنا ذاكرته لملاعب صباه وأماكن هواه في صفد والقدس وعكا وحيفا وطبرية وغيرها من البلاد الجميلة، ورسمت كلماتها خارطة فلسطين المغتصبة يملؤها الشوق والحنين، وقد جاءت عواطفه صادقة لأنها انبثقت من المعاناة ففي قصيدة (لوحة من صفد) يقول:
ذكرى من الأمس القريب وحاضريكالطير صفق في ربى ونجادصفد ! عروس الدهر! دونك فانظريهذي وفود حواضر وبواديتسعى إليك من الشآم شوامخوجبال لبنانٍ على ميعاد.
(ص ١٥٣ ديوان الأرض)
ويكثر الشاعر في هذه الفترة من الوجدانيات والبكاء على الماضي، والتغني بالتاريخ القديم، وتتوقف قصائده على هذا الفن الشعري، ونرى أمثلة من ذلك في قصيدة (أخي) التي ألقيت في رابطة الطلاب الفلسطينيين بالقاهرة عام ١٩٥٧ وأما قصيدته الرائعة (لم يبق في عرفات إلا دمعة) (ص ١٩٧) فيرثي البلدان الإسلامية التي ضاعت من المسلمين كالأندلس، ويعرج على البلدان التي ما زالت ترزخ تحت نير الاستعمار، ولم ينس فلسطين الغالية من قصيدته فيقول:
يا لوعة الأقصى! ودوّٓت صرخةيطوي صداها ذلة وهوانأين التقاة! وما تقوم بآيةإلا وكان صدى القيام سيانيا لوعة الأقصى وبين ضلوعهنار وفوق قبابه عدوانوتلهف الأقصى لمكة لوعةأختاه! تنهش أضلعي الغربان
وأما قصيدة (دمعة على رجل) من (ديوان الأرض المباركة ص ١٣١) فينعى قائد فلسطين ومفتيها الحاج أمين الحسيني الذي توفي عام ١٩٧٤م في بيروت يقول:
هذي فلسطين كم حنّت مرابعهاإلى ابنها البر يذكي الشوق حرمانكم هاجها الشوقُ للقيا ترجعهعلى الربى زقزقات الطير والبانيا أيها الجسد الثاوي على شرفأكبادنا لشهيد الحق أكفان
أحداث جسام:
ويتابع شاعرنا في تأريخ القضية الفلسطينية، وما مر بها من محطات، فيسجل أهم أحداثها. فكما هو معلوم تعرض مخيم تل الزعتر في بيروت عام ١٩٧٦م لمجزرة رهيبة راح ضحيتها أكثر من ثلاثة آلاف فقيد، ففي قصيدته جولة في تل الزعتر وفي ست وثمانين بيتا يصور لنا المأساة التي تعرض لها سكانه من نساء وأطفال وشيوخ لا ذنب لهم:
ردّٓ السيوف إلى الأغماد وانتظرما ينقل التل من هول ومن خبرتفجر الحقد أهوالا مدمرة.تمور أحشاؤها مورا على سعرأم الثكالى وقد ألقت على غصصأفلاذها فتلقت غصة الخبر.
( ملحمة فلسطين ص ١٣٥)
ولم ينس الشاعر مجازر صبرا وشاتيلا عام ١٩٨٢م، فصور لنا في قصيدته (زغردة الخيام من ( ملحمة فلسطين ص ١٦١):
جوّٓعوه! يا لفحة الشمس ميليواستثيري ضمائرا من نيامأو ذروه! ما عاد يدري أليلٌأن نهار يمر بين الخيام
العودة إلى شعر الحماسة:
بقي شاعرتنا يغتنم المناسبات ويصوغها شعرا، ويبدو أن أكثرها كان يحمل طابع الحزن والألم لأن أكثر المناسبات في رأي الشاعر كانت كذلك حتى عام ١٩٨٧م، فبعد هذا العام تحول نهج شاعرنا من الرثاء والحزن والألم إلى الافتخار والأمل. وإذا جاز لنا أن نطلق عليه شاعر الحماسة فلا بأس بذلك، لأنه في نهاية هذا العام تفجرت الانتفاضة الأولى، وبما أن أبطالها كانوا من السواعد المتوضئة والجباه الساجدة نجد أن شاعرنا تفتحت قريحته، وأصبح شاعرها المميز على الساحة، وغدت قصائده الممجدة للانتفاضة تنشر في عدد من المجلات والصحف العربية كالوطن والقبس والمجتمع الكويتية واللواء الأردنية والمشكاة المغربية والاعتصام المصرية والدعوة السعودية، ففي قصيدته (فلق الصباح) الذي يقدم لها مقدمة مختصرة يذكر فيها حماسته الواضحة، ويقول: إلى المقاتلين المؤمنين بالله، المجاهدين في سبيل الله، الثابتين على عهده، الماضين في الأرض، أقدم هذه الأبيات: ونختار منها (ملحمة فلسطين ط ٢، ص ١٧٩):
رجع فؤادك في البطاح ودمدموانهض لملحمة الجهاد وأقدمرجع نداءك في الوهاد وفي الذراوبكل منعطف يحن إلى كميأمجاد تاريخ ووحي نبوةوجلال إسراء وعزة مسلمحق الشعوب يناله خطف القناوالرأي رأي المؤمن المتقدم
وتستمر الانتفاضة، وتكشف وسائل الإعلام المختلفة بكشف تفاصيلها، وتسميها انتفاضة المساجد. ويستمر شاعرنا في العطاء، فبعد أشهر قليلة من بداية الانتفاضة يطل علينا بقصيدة ثانية في ديوانه تحت عنوان (من فجّر الصمت العميق)، ويقول: إنها القصيدة الرابعة التي تخرج مع الأحداث الأخيرة في أرض فلسطين المسلمة. لقد امتدت الأحداث أكثر من ستين يوما، مَنْ فجر الصمت العميق....؟ سؤال ربما حير الكثيرين في أنحاء الأرض.
ويجيب عن سؤاله مباشرة: إنه الإيمان بالله واليوم الآخر، إنه اليقين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، إنهم أولئك الصامتون الذين يعملون ويرجون الجنة، ويتركون زخرف الدنيا وتنافسها، ونختار منها:
رجع ملاحمها وغن قصيداواملأ نواديها قنا وبنوداسكتت مدافعنا؟! فهات حجارةنجعل مواقعها لظى وحديدامن فجر الصمت العميق !؟ ومن ترىدوى؟! ومن ملأ الربا والبيداأرأيت أروع من صبي لم يزلعبق الطفولة من خطاه وروداهذي فلسطين الجريحة أرعدتغضبا وصبت في البطاح حشودا
وبعد ثلاثة أشهر من بدء الانتفاضة ينشر شاعرنا في مجلة الفيصل السعودية في عددها ١٣٣ في رجب ١٤٠٨، فبراير شباط ١٩٨٨ قصيدة جديدة بعنوان ( شرف الزنود سلاحه) يقول فيها:
شرف السلاح زنوده ولهيبهقلبٌ يصب من الوفاء الجوداوعقيدة تهب الحياة لمؤمن.بذل الحياة لها فكان شهيداوانزل إلى الساحات إنك فيلقجعل المدجج دونه رعديدا
وبعد مرور مئة وخمسة وثلاثين يوما على بدء الانتفاضة يتحفنا الشاعر بقصيدة أسماها ( ملحمة فلسطين ) في ثمانين بيتا، وهي التي حملت عنوان الديوان، ويذكر في مقدمة الملحمة أنه ومع مضي هذه الأيام كشفت الانتفاضة عن صور كريمة من البطولة، ومسيرة كريمة من التعاون والتآخي، وقدر رائع من الصبر، نقف أمام ذلك كله لنحيي القلوب المؤمنة المتصلة بالله، ولنؤكد النهج الإيماني الذي بدأ بالنية، ويرسم الدرب خطوة خطوة، ويحدد الأهداف، وهو نهج أمتنا كلها، فعسى أن يكون هو نهج الصابرين في أرض فلسطين.
ويستعرض في ملحمته شعرا تاريخ القضية الفلسطينية، وكيف ضيعها من تولى أمرها!؟ ويناجي بها الشباب المؤمن لتولي زمام الانتفاضة والمبادرة لتسطير ملحمة جديدة هي ملحمة الحق والعدل، يقول فيها:
تموج المنايا حوله والملاحموتزأر من هول اللقاء الضراغموترجع في الساحات أصداء أمةوتنهض أمجادٌ لها وعظائمحنين إلى أرض النبوات أشرقت.بأحمد ساحات لها ومعالم
وأما ملحمة الأقصى التي صدرت عام ١٩٩٢م، يكمل فيه الشاعر ما جاشت به قريحته الشعرية من قصائد قالها بعد ديوانه (ملحمة فلسطين) أي بعد عام ١٩٨٧م, وقد تنوعت وتعددت القصائد، ولكن الذي كان يجمعها هو أطفال الحجارة الذين انتفضوا في وجه عدوهم الغاشم. ففي قصيدة (وقف الطفل وحده) يقول:
وقف الطفل وحده واللياليورصاص من حوله وجنودوالشعارات كلها سقطت الأرض وغابت حناجر ووعودأنت يا طفل وحدك اليوم في الساح! فأين الأنساب؟! أين العهود؟!
وأردفها بقصيدة أخرى تحت عنوان (وقف الطفل عند بابك يا قدس) وتاريخها في أوائل عام ١٩٨٩م، أي بعد مرور عام ونيف على بدء الانتفاضة، ونختار منها:
وقف الطفل عند بابك يا قدس! وناطته من هناك الجدودأنت أقوى من العدو وأعلىإن أقوى السلاح صبرٌ وجودُامض واصبر غدا سيأتيك أنصار ويعلو التكبير والتوحيد
وتتعدد القصائد والمقاطع في ملحمة الأقصى، وتصب كلها في نهر واحد، ألا وهو نهر الانتفاضة والمقاومة ضد العدو الغاشم، ولكن من روافد الإيمان والإسلام، ونختار من هذه المقاطع قصيدة تحت عنوان (أبنيّ هل يبقى سلاحك في الوغى حجرا)، يقول فيها:
سبعون عاما لم أزل وحدي علىدربي أخوض لظى وهول حصارأبني! هل يبقى سلاحك في الوغىحجرا يطير وغضبة في الدارلما طلعت وفي يمينك مصحفيتلى وخفة صارم بتارتدعو فيأخذ بالهدى مستيقنٌوتجذّ كل منافق ختار
ولم ينس الشاعر أن يؤرخ في قصائده لحوادث جسام تزامنت مع الانتفاضتين الأولى والثانية كملحمة جنين، وهي المجزرة التي وقعت في مخيم جنين عام ٢٠٠٢م، ومعركة بيت حانون عام ٢٠٠٦م، حين اقتحمت دبابات العدو المدينة فتصدى لها المقاومون، ودوت الانفجارات، فتحصن المقاومون في المسجد، وحوصروا، فانطلقت النساء نحو المسجد، وفكوا الحصار عن المجاهدين بكل قوة ورباطة جأش، ففي قصيدة (جنين) يقول:
لهفي عليك جنين! أنت جميلةغناء زاهية ووجهك أنضرزحفوا عليك وقد تحصن جندهمما بين آلات تغيب وتظهرشهد المخيم جولة لا تنمحيأبدا وذكراها تهز وتبهر
وأما ملحمة غزة الصادرة عام ٢٠٠٩م، ففي قسمها الشعري يثبت الشاعر ست قصائد يصور فيها قسوة الحصار، ولهيب النار، وهول الدمار، خلال تتابع الأحداث التي حدثت هناك بعد الانتفاضة الثانية. يقول وهو يصور إحدى معارك العدو، وهي تدك غزة بالصواريخ والقذائف:
ويحهم! أقبلوا عليك بطوقمن عذاب وشدة وخطوبكم أحاطوك بالحصار وسدواكل درب ومعبر وجيوبأقبل المجرمون في الأرض حشدامن صنوف الهلاك والترهيبجنت الطائرات في الأفق تمضيفي دوي مروع مشبوبتقذف الأرض باللهيب وترميكل دار وساحة وكثيب
ويستمر الشاعر في تصوير المأساة، ويبدع في صور الأطفال الذين فقدوا ذويهم، وفي صراخ النساء التي تطلب عونا ونجدة، والمرضى الذين لم يجدوا من يسعفهم من هول الطائرات والحمم.
وهكذا نجد أن شاعرنا المرحوم عدنان علي رضا النحوي كان شاعرا إسلاميا بامتياز؛ قدم العقيدة والفكر على الانتماء والهوى، وأنه عالج أكثر القضايا الإسلامية شعرا ونثرا، فكتب عن الجهاد الأفغاني، وعن البوسنة والهرسك، وعن القسطنطينية، وعن المسلمين في الهند، وغيرها إلا أننا نجده قد أجاد في الفلسطينيات. وكيف لا وهو صفدي المولد والصبا، ومن عائلة مجاهدة تعرضت للنفي قبل عام ١٩٤٨م، كما تعرض منزلهم للنسف إبان الثورة الفلسطينية الكبرى، وعاش حياة التشرد في عدد من البلدان العربية، كما أننا نجده شاعرا ملتزما بما يقول، فهو مؤمن بمنهج إسلامي واضح لا يحيد عنه ولا يميد، ولا يغره تقلب الذين تقلبوا، كما أننا نلاحظ في قصائده وحتى في كتاباته النثرية أنه نأى بنفسه عن الفترة التي نشطت بها القوى القومية والوطنية واليسارية، فلم تنشط قريحته إلا عندما أيقن أن القضية الفلسطينية رجعت لمسارها الحقيقي، فرجع إلى شعر الحماسة مكملا ما كان قد بدأ به قبيل النكبة بأعوام.