الحمد لله… عدتُ إلى نفسي
في فلسفة الاغتراب عن الذات، ومعنى أن يستعيد الإنسان حقه في الوجود
الحمد لله… عدتُ إلى نفسي.
ليست العودة إلى الذات حدثاً عابراً في حياة الإنسان، بل تحوّلاً داخلياً عميقاً، يشبه أن يستعيد المرء صوته بعد طول صمت، وأن يتعرّف إلى ملامحه من جديد بعد أن أرهقته مرايا الآخرين. إنها اللحظة التي يدرك فيها أن أكثر ما يمكن أن يخسره الإنسان ليس مكاناً أو شخصاً أو فرصة، بل علاقته بنفسه.
ثمة اغتراب لا تصنعه المسافات، بل تصنعه الحياة حين ننشغل بإرضاء العالم إلى حدّ ننسى فيه الإصغاء إلى أرواحنا. نكون حاضرين في تفاصيل الآخرين، نؤدي أدوارنا، نمنح الحب والاهتمام، ونحمل ما يفوق طاقتنا، حتى نصبح غرباء عن أكثر الكائنات قرباً إلينا: أنفسنا.
ولعل المفارقة الأكثر إيلاماً في التجربة الإنسانية أننا قد نقضي أعواماً نتعلّم كيف نفهم الآخرين، دون أن نمنح ذواتنا فرصة واحدة للفهم. نخلط بين العطاء وإلغاء الذات، وبين الصبر والاستنزاف، وبين الوفاء والبقاء في أماكن لم تعد تشبهنا. ونظن أحياناً أن المحبة تقتضي أن نتنازل عن شيء من أرواحنا في كل مرة، حتى نكتشف أن ما تبقّى منا لم يعد يكفي لنعيش بسلام.
لكن الإنسان، مهما طال اغترابه عن ذاته، تظل في أعماقه مساحة عصيّة على الفقد؛ مساحة تنتظر لحظة الوعي، حين يتوقف عن البحث عن قيمته في أحكام الآخرين، ويبدأ في مساءلة علاقته بنفسه.
هناك يبدأ التحوّل الحقيقي.
ندرك أن الكرامة ليست ترفاً أخلاقياً، وأن السلام الداخلي ليس امتيازاً نؤجله حتى يرضى الجميع، وأن الحدود التي نضعها ليست إعلاناً للعداء، بل اعتراف بحقنا في ألا نكون مستباحين عاطفياً ونفسياً. وندرك، قبل ذلك كله، أن الإنسان لا يستطيع أن يمنح الحياة من قلبه باستمرار إذا كان يهمل حق هذا القلب في الحياة.
لقد علّمتني التجربة أن النضج ليس أن نحتمل كل شيء، ولا أن ننتصر في كل مواجهة، بل أن نمتلك شجاعة التمييز بين ما يستحق الصبر وما يستوجب المغادرة. فليس كل بقاء وفاء، وليس كل صمت حكمة، وليس كل تضحية دليلاً على سموّ المحبة. أحياناً يكون الانسحاب أكثر المواقف صدقاً، ويكون قول «لا» أول تعبير حقيقي عن احترام الذات.
ومع ذلك، لا تعني العودة إلى النفس أن نغلق قلوبنا، أو أن نحوّل خيباتنا إلى أحكام قاسية على البشر. فالتعافي الحقيقي لا يصنع إنساناً أقل إنسانية، بل أكثر بصيرة؛ لا ينتزع منه القدرة على الحب، بل يحرره من الاعتقاد بأن عليه أن يخسر نفسه كي يحب. إن الحكمة ليست في أن نتوقف عن منح الآخرين، بل في أن نتعلم كيف نعطي دون أن نتلاشى، وكيف نقترب دون أن نفقد حدودنا، وكيف نسامح دون أن نعيد فتح الأبواب ذاتها للأذى.
ولعل أعمق ما تكشفه العودة إلى الذات أن الإنسان لا يعود إلى صورته القديمة؛ فالزمن لا يعيدنا إلى الوراء، والتجارب لا تمرّ بنا دون أن تترك أثرها. نحن لا نستعيد أنفسنا كما كنّا، بل نعيد اكتشافها على ضوء ما عرفناه، وما فقدناه، وما تجاوزناه. نعود أكثر وعياً بهشاشتنا، وأكثر احتراماً لقوتنا، وأقل حاجة إلى إثبات أي شيء لأحد.
لم أعد أرى الحياة سباقاً لكسب القبول، ولا أرى قيمتي انعكاساً لمقدار ما أقدّمه للآخرين. فليس من العدل أن نقضي أعمارنا في محاولة أن نكون كما يريدنا الجميع، ثم نكتشف أننا لم نمنح أنفسنا فرصة أن نكون كما نريد. وما جدوى أن نحظى بإعجاب العالم إذا كنا نفتقد الطمأنينة في أعماقنا؟ وما قيمة أن نكون مهمّين في حياة الآخرين، إذا كنا قد أصبحنا هامشيين في حياتنا؟
إن استعادة الذات ليست أنانية، بل مسؤولية وجودية؛ لأن الإنسان الذي لا يصون إنسانيته لا يستطيع أن يمنح الآخرين حباً متوازناً، ولا أن يعيش علاقاته بوعي وحرية. وحين نتصالح مع أنفسنا، لا نصبح أقل قرباً من الناس، بل أكثر صدقاً في قربنا، وأقل خوفاً من الفقد، وأكثر قدرة على التمييز بين المحبة التي توسّع أرواحنا والعلاقات التي تضيق بها.
الحمد لله على الوعي الذي يأتي بعد طول غفلة، وعلى البصيرة التي تنضج في أعقاب التجارب، وعلى لطف الله الذي يترك في أرواحنا نافذة للبدء من جديد. فليست النجاة أن نخرج من الحياة بلا ندوب، بل أن نتعلم ألا نجعل ندوبنا تعريفاً نهائياً لأنفسنا، وألا نسمح لما مضى أن يصادر حقنا فيما تبقّى من العمر.
اليوم، حين أقول: عدتُ إلى نفسي، لا أعلن انتصاراً على أحد، ولا أستحضر الماضي لأحاكمه. إنني أتصالح مع حقيقة بسيطة وعميقة: ليس مطلوباً مني أن أكون حاضرة في كل مكان، ولا مفهومة لدى الجميع، ولا قادرة على احتمال ما يتجاوز إنسانيتي. يكفيني أن أكون صادقة مع ذاتي، أمينة على روحي، وأن أعيش ما تبقّى من عمري دون أن أكون غريبة عن نفسي.
فأعظم خسارات الإنسان أن يقضي حياته باحثاً عن مكان له في قلوب الآخرين، وينسى أن له مكاناً أولى بالرعاية في قلبه هو. وأعظم انتصاراته أن يستعيد ذلك المكان، لا تعالياً على أحد، بل تصالحاً مع حقه في أن يكون.
الحمد لله… عدتُ إلى نفسي.
ولعل أجمل ما يمكن أن يبلغه الإنسان في رحلة العمر ليس أن يعرف كيف يصل إلى الآخرين، بل أن يعرف كيف لا يضيع عن نفسه وهو في الطريق إليهم.
فأنا لا أريد أن أكون عابرة في حياتي؛ أريد أن أعيشها، بكامل وعيي وإنسانيتي، وأن أبقى وفية للإنسانة التي أنا عليها.
