التسول الإلكتروني
التسول الإلكتروني (E-Begging أو Cyber-begging) هو النسخة الرقمية الحديثة من التسول التقليدي، حيث يتم طلب المساعدة المالية من الغرباء عبر الإنترنت بدلاً من الشوارع أو الأماكن العامة. يضاف لذلك انتشار التسول الإلكتروني في الآونة الأخیرة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واستخدام التقنیات الحدیثة للترویج لحملات التبرع الوهمیة، والذي جعل بضاعتهم وأسالیبهم تنتشر بسرعة، فهي من جهة تخاطب عواطف الناس وضمائرهم، ومن جهة أخرى لا تتطلب أكثر من مهارة إتقان استعمال التكنولوجیات الحدیثة.
شهد عدد مستخدمي منصة “تيك توك” في مصر نموًا متسارعًا بين عامي 2020 و2025؛ حيث تحولت المنصة من تطبيق ترفيهي محدود الاستخدام إلى واحدة من أكثر منصات التواصل الاجتماعي تأثيرًا وانتشارًا، خاصة بين الفئات العمرية الشابة. ففي عام 2020، وبالتزامن مع جائحة كوفيد-19 وفترات الإغلاق العام، ارتفعت معدلات استخدام المنصة في مصر بنسبة تجاوزت 194% وفقًا لتقارير الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، دون أن تتوفر حينها أرقام دقيقة عن عدد المستخدمين. وبحلول عام 2021، قدَرت بعض الدراسات عدد المستخدمين بما يتراوح بين 15 إلى 18 مليون مستخدم فوق 18 عامًا.
ثم واصل العدد ارتفاعه ليصل في بداية عام 2022 إلى نحو 23.7 مليون مستخدم، بزيادة ملحوظة عن الأعوام السابقة. وفي بداية عام 2024، سجلت منصة “تيك توك” في مصر 32.94 مليون مستخدم فوق سن 18 عامًا؛ مما يعكس معدل نمو سنوي يناهز 38.8% مقارنة بالعام السابق، في حين بلغ عدد المستخدمين في بداية عام 2025 نحو 41.3 مليون مستخدم، بنسبة نمو بلغت 25.4% خلال عام واحد فقط. هذا النمو اللافت في حجم الجمهور المصري على “تيك توك” يعكس حجم التأثير المتزايد للمنصة على القيم والسلوكيات، ويؤشر إلى الحاجة لمراجعة سياسات التنظيم والمحتوى بما يتلاءم مع هذا الواقع الرقمي المتغير.
كما ولد انتشار الإعلام الرقمي أو الإلكتروني التزاوج ما بين تكنولوجيات الاتصال والبث الجديدة والتقليدية مع الكمبيوتر وشبكاته، ما نتج عنه من توسعة في نظام التوزيع التليفزيوني إلى قنوات واعدة تتمتع بقدرات غير محدودة من فرص الاتصال والتواصل وفصلت أفراد الأسرة في رغبات المشاهدة .
وأدت كذلك ثقافة الاستهلاك وبريق الإعلانات إلى تسليع القيم والأفكار والمعاني والمشاعر من خلال الاحتفاء المبالغ فيه بأهمية الرموز والعلامات المادية، وخلق نوع من الارتهان الزائف بين الحصول على سلعة أو استهلاك سلعة أو خدمة، وبين تحقيق السعادة أو الحرية. ولعل انتشار ثقافة الاستهلاك، عبر آلية الإعلان وحب التملك والمحاكاة والتقليد تتجسد في الواقع العربي فيما يخلق ضغوطاً اقتصادية وثقافية على معظم الأسر العربية.
هذا فضلاً عن ضعف التماسك الأسري وتردي العلاقة بين الوالدين والأبناء، وانصراف الأولين عن دورهم التاريخي -ماعدا الرعاية المادية- ويقابل ذلك استغناء الأبناء عن أولياء الأمور في عدة أمور تحت عناوين الاستقلالية وبناء الذات والحرية الفردية.
هذا أدى بدوره إلى تمزق الكثير من الأنسجة الاجتماعية والعائلية ومروق الشباب وتمردهم على ضوابط الأسرة وقيم المجتمع -كمظهر للعصيان- لأن ثقافة العولمة ثقافة مادية بحتة، لا مجال فيها للروحانيات، أو العواطف أو المشاعر الإنسانية، إنها تهمل العلاقات الاجتماعية القائمة على التعاطف والتكافل، والاهتمام بمصالح وحقوق الآخرين، وبالتالي تنتشر ثقافة العنف التي من شأنها تنشئة أجيال كاملة تؤمن بالعنف كأسلوب حياة.
وأدى انتشار مفهوم (إدمان مواقع التواصل الاجتماعي) إلى نوع من الاعتماد النفسي والسلوكي على منصات التواصل الاجتماعي، ونتج عنه ضرر فادح في أداء الأفراد في مختلف مجالات الحياة على المدى الطويل، مما يجعلهم أكثر عرضة لإدمانها مثل الأفراد الذين يعانون من (الخجل الاجتماعي) أو الهشاشة النفسية، فضلاً عن المراهقين.
كذلك انعدام الخصوصية وانتحال صفة أشخاص وهميين، وسهولة الحصول على بيانات ومعلومات شخصية، مما يؤدي إلى انتشار حيل النصب والاحتيال والابتزاز (المادي - الجنسي - العاطفي - السياسي)، والابتزاز هو محاولة تحصیل مكاسب مادیة أو معنویة أو جنسیة بالإكراه أو التهدید، بفضح أسرار الناس ومعلوماتهم الخاصة.
ونجد أيضاً إشاعة ما يسمى بأدب الجنس، الذي يُعرف بإدمان مشاهدة الأفلام الإباحية أو الإدمان على الإباحية المصورة (Pornography addiction) بأنه أحد أنماط الإدمان السلوكي، إذ تسيطر على المُصاب به رغبة مُلحة في مشاهدة المواد المرئية المُثيرة للغرائز بكافة أشكالها. وقد تزايدت معدلات الإصابة بهذا النوع من أنواع الإدمان بالسنوات الأخيرة -خصوصاً بين الشباب والمراهقين- نتيجة انتشار الإنترنت وغياب الرقابة، لكن هذا لا يعني اقتصاره على تلك الشريحة العمرية فقط، بل إن نسبة كبيرة من البالغين يعانون من ذات الأمر، وإذا كان المدمن متزوجاً فغالباً ما ينتهي الأمر بالطلاق لعجزه عن الوفاء بالتزاماته الأسرية بجانب الدوافع الجنسية للطلاق.
ومن هنا فإن منصات التواصل الاجتماعي تؤثر سلباً على العلاقات الرومانسية بين شريكي الحياة، جرّاًء تنامي العلاقة بين العالمين الحقيقي والافتراضي، وتساهم في تدمير العلاقات الزوجية وزيادة العنف المتبادل بين الزوجين.
وفى هذا السياق أظهرت دراسة حديثة، قام بها باحثون من جامعة بوسطن الأمريكية، مفادها أن الاستخدام المفرط لمواقع التواصل الاجتماعي يمكن أن يتسبب بالفوضى في العلاقات العاطفية، حيث كشف الباحثون عن وجود علاقة بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كـ(الفيسبوك) و(تويتر) والمشاكل الاجتماعية المتعلقة بالطلاق والعلاقات العاطفية، لافتة إلى أن الغيرة التي يسببها (فيسبوك)، تزيد من المشاكل والمشادات بين الأزواج في جميع الأعمار ويمزق أواصر التواصل بين جميع أفرادها، ويؤدي إلى حدوث الجفاء العاطفي الأسري وكثرة الخلافات، لذا تنصح الدراسة المقبلين حديثاً على الزواج بضرورة تقليص الوقت الذي يقضونه أمام تلك الشبكات.
ومن ذلك يظهر تأثير العصر الرقمي على هوية الفرد والأسرة في أمرين:
الأول: يتمثل في الاكتساح الثقافي متجاوزاً كل القيم والعادات والتقاليد والدين.
والثاني: الانسلاخ الثقافي الذي يؤدي إلى تشكيل هوية جديدة بسبب التناقضات وهجر العادات والتقاليد والعوامل التي ساهمت في تكوين الهوية الثقافية السابقة.
من هنا أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي سلاحاً ذا حدين، فإما أن يتم توظيفها بشكل إيجابي لخلق الوعي، ومشاركة المعلومات، والتعبير عن الرأي بحرية؛ وإما أن تصبح ساحة لتداول الأمور التافهة، والشائعات دون التأكد من صحة ما يتم نشره وتداوله أو نشر المضامين التجارية التي يتكسب منها البعض والتسويق لمنتجاتها.
استراتيجية الحماية
وأخيراً يمكن الحديث عن استراتيجية لحماية الأسرة العربية في العصر الرقمي، من قبيل:
– إنشاء مرصد لدراسات الأسرة بكل دولة عربية يعتمد على الأسلوب العلمي لرصد مشكلات الأسرة وتحديد الأولويات في سياسات المواجهة بما يتماشى مع استراتيجية الدولة، مع اعتبار المتغيرات المحلية والعالمية أبعاداً فاعلة عند وضع الاستراتيجية.
– توجيه الأسرة العربية وتوعيتهم بالمخاطر التي يبثها العصر الرقمي.
– استغلال وسائل وأدوات العصر الرقمي لبث برامج ثقافية ترسخ دور الأسرة وتدعمه.
– تكثيف ندوات تثقيفية لمحو الأمية الرقمية للوالدين وتعزيز التوعية بمخاطر استخدام التقنيات الرقمية.
– تطوير أجهزة الإعلام المحلية الرقمية لتدعيم رغبات واتجاهات الشباب وجعله مشاركاً فعالاً.
– تطوير الفلسفة الحاكمة لنظم الحماية الاجتماعية بالدول العربية، وتدعيم التركيز على تمكين المواطنين ودور الأسرة في تحقيق التنمية البشرية المستدامة.
– رفع الوعي التقني مع التطبيقات الرقمية للأسرة، باستخدام مواقع آمنه ومخصصة للأطفال، تتضمن خدمات بحث آمنه بها فلاتر تحمي الطفل من التعرض لمواقع بحث غير لائقة أو مزعجة، مثل محرك البحث Kiddel الذي أطلقته جوجل 2016، ومحرك البحث Kids Youtube الذي أطلقته شركة يوتيوب عام 2017م.
– غرس قيم التطوع والعمل التطوعي والتعاون بين الأفراد والأسر والمؤسسات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني من أجل تنمية الموارد المتاحة للأسر لتمكينها من استثمارها والاستفادة منها بشكل أفضل.
الخاتمة:
التكنولوجيا ليست عدوًا، بل أداة يجب استخدامها بحكمة. إذا استطعنا تحقيق توازن بين التواصل الرقمي والتواصل الواقعي، سنحمي أسرنا من التفكك العاطفي وسنضمن بناء جيل متماسك. التواصل الحقيقي يبدأ من البيت، ومن هناك يبنى المجتمع القوي والمتين.
