حروب الشائعات: كيف يُدفع العرب لاتهام بعضهم بالخيانة؟
في زمنٍ لم تعد فيه الحروب تُخاض فقط بالمدافع والصواريخ، برز نوع أخطر من الصراعات؛ حروب تُدار في العقول قبل الميادين، وتُشعلها الشائعات قبل أن تُشعلها النيران. ومع تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، شهد العالم العربي في الآونة الأخيرة موجة غير مسبوقة من تبادل الاتهامات، وصل صداها إلى حد تخوين دول وشعوب بأكملها، في مشهد يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل ما يحدث تعبير طبيعي عن اختلاف المواقف، أم أنه نتاج توجيه ممنهج يستهدف تفكيك ما تبقى من وحدة الوعي العربي؟
لم تعد الشائعة مجرد خبر زائف عابر، بل تحولت إلى أداة ضغط وتوجيه، تُستخدم بعناية لإعادة تشكيل القناعات وبث الشكوك بين الشعوب. وفي خضم هذه الفوضى المعلوماتية، يجد المواطن العربي نفسه محاصرًا بسيل من التصريحات والتسريبات والرسائل المجهولة المصدر، التي تدفعه—دون أن يدري—إلى تبني مواقف حادة تجاه دول شقيقة، وكأن المعركة قد انتقلت من مواجهة الخارج إلى صراع داخلي يلتهم الجميع.
ولا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن التطور الهائل في أدوات الاتصال والتأثير، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لحروب نفسية ناعمة، تُدار عبر جيوش إلكترونية، وحسابات مجهولة، ومنصات إعلامية غير منضبطة. هذه الأدوات لا تعمل بشكل عشوائي، بل وفق آليات مدروسة تستهدف إثارة الانفعالات، وتعظيم الخلافات، وبناء سرديات تقوم على الشك والتخوين، بدلًا من الفهم والتحليل.
إن أخطر ما في هذه الحملات ليس فقط ما تنشره من معلومات مضللة، بل قدرتها على إعادة تشكيل الوعي الجمعي، بحيث يصبح الاتهام هو القاعدة، وحسن النية هو الاستثناء. ومع تكرار الرسائل وتنوع مصادرها الظاهرية، تتسلل هذه الأفكار إلى العقول تدريجيًا، حتى يتبناها البعض باعتبارها حقائق ثابتة، دون تمحيص أو تحقق.
وإذا كان من الطبيعي أن تختلف الدول في سياساتها ومواقفها وفقًا لمصالحها الوطنية، فإن غير الطبيعي هو تحويل هذا الاختلاف إلى حالة عداء شعبي، تُدار عبر منصات رقمية، وتُغذى بخطابات تحريضية لا تخدم سوى أعداء الاستقرار.
فالتاريخ يثبت أن الأمم لا تُهزم فقط من خارجها، بل قد تُستنزف من داخلها حين تفقد قدرتها على التمييز بين الخلاف المشروع والتفكيك المتعمد.
ومن هنا، تبرز مسؤولية مزدوجة؛ مسؤولية النخب الفكرية والإعلامية في تفكيك هذه الخطابات وكشف مصادرها وأهدافها، ومسؤولية الأفراد في التحلي بالوعي النقدي، وعدم الانسياق وراء كل ما يُنشر أو يُتداول. فالمعركة لم تعد فقط معركة معلومات، بل معركة وعي وإدراك، تتطلب يقظة دائمة وقدرة على قراءة ما بين السطور.
كما أن تعزيز الثقة بين الشعوب العربية لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة استراتيجية في ظل بيئة دولية مضطربة، تتقاطع فيها المصالح وتتصارع فيها الروايات. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال خطاب عقلاني متزن، يعترف بالاختلاف دون أن يُشيطنه، ويبحث عن المشتركات بدلًا من تضخيم نقاط الخلاف. تُدار حروب الشائعات ضد العالم العربي عبر منصات التواصل الاجتماعي ومواقع الأخبار المضللة، بهدف تمزيق النسيج الاجتماعي وزرع الفتنة، حيث يتم استغلال الأزمات السياسية والإنسانية، مثل الحرب في غزة، لدفع الجمهور لاتهام أطراف عربية بالخيانة والتواطؤ.
تعتمد هذه الحملات على نشر معلومات غير دقيقة، وتلفيق أخبار عن "زعماء وعملاء"، وتضخيم المواقف السياسية وتحويلها إلى صكوك خيانة.
أن الشائعات الكاذبة لا تنتشر إلا في المجتمعات التي لم تبلغ من الوعي درجة كافية بحيث تفكك الشائعة وتبين صدقها من كذبها، ومن ثم نعتقد أن خير أسلوب لمقاومة الشائعة هو تنمية الحس النقدي التحليلي لدى الجماهير من ناحية، وإتاحة المعلومات بشفافية من ناحية أخرى.
ففي ظلّ ما تشهده المنطقة من تصعيد خطير، وتوتر كبير، بلغ حدَّ قصف عواصم دول المنطقة، وقياماً بمقتضى الميثاق الذي أخذه الله على العلماء ببيان الحق.
ان هذه الحرب صليبية صهيونية بامتياز، تستهدف في مآلاتها الإسلام في عقر داره، وأمتَه في عمق عمقها، حيث المقدَّسات الإسلامية، ومقدرات الأمة، وثرواتها، وثقلها الديمغرافي، والتاريخي، والحضاري،
وليست هذه الحرب مجرد نزاع محدود، بسبب خلاف سياسي عابر بين إيران من جهة، وأمريكا ودولة الاحتلال من جهة أخرى.
وإنما هي حلقة من سلسلة حروب، وجزء من تاريخ صراع، وليست حدثاً منفصلاً، ولا أمراً منعزلاً.
ثانياً: الحكمة الإلهية في مثل هذه الأحداث:
بغضِّ النظر عن أي تفسير لما يجري، أو تحليل لما يحصل، أو قراءة لما يتم، فإن المؤمن مصدِّق بالحكمة الإلهية وراء كل حدث، وخلف كل أمر.
ولعل الله تعالى يهيئ بهذه الأحداث لأمور عظيمة، ومآلات محمودة إذا أحسن المسلمون التعامل معها، والقيام بالواجب نحوها، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم)
ولكن استحضار المؤمن للجانب القدري، والبعد الغيبي، والحكمة الإلهية وراء كل أمر، لا يتعارض مع القيام بالواجب الشرعي، وما يقتضيه من ضرورة فهم للأحداث، ووعي بالحقائق، وعمل بالواجب تجاه كل ذلك.
أن النظام الإيراني يعيش حاليا “حالة من الحصار والتراجع العسكري، حتى إن الداخل الإيراني نفسه بدأ يعبر عن امتعاضه من سياسات قيادته”. سعت دول الخليج، وغيرها، جاهدة لإيجاد مسار للمفاوضات بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا. غير أن الإشكالية تكمن في أن هذه المفاوضات أصبحت جزءا من العملية الحربية، واتخذت طابعا من التسلسل الحربي الذي أعاق الوصول إلى حلول سلمية مستدامة.
أن “الهدف النهائي من هذا التوجه هو العودة إلى طاولة المفاوضات بعيدا عن دائرة الحرب، وبما يتماشى مع ميثاق الأمم المتحدة والمنطق الدولي الذي ينظم العلاقات بين الدول”. لان التهديد الذي تواجهه (دول الخليج العربي) من قبل (إيران) التي تمتلك ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيرة، إلى جانب قدرتها على تعطيل طرق الشحن وإمدادات الطاقة تفوقان كثيرا ما يمكن لأي دولة خليجية التعامل معه لوحدها، لذلك تسعى (دول الخليج) في ظل هذه الأوضاع المضطربة والخطرة إلى ترسيخ التعاون الأمني مع (الولايات المتحدة) باعتبارها الجهة الوحيدة القادرة على تأمين مستويات الردع العسكري وأنظمة الدفاع المتكاملة واللازمة من أجل التصدي للصواريخ والطائرات المسيرة (الإيرانية)؛ وهذا ما يجعل (دول الحليج) تلتزم بشراكة مع (الولايات المتحدة) وعدم التخلي عن (واشنطن)؛ بل تسعى إلى الحفاظ على الحماية التي توفرها (واشنطن)، وفي الوقت نفسه توسيع خياراتها الدبلوماسية والاستراتيجية؛ لان نجاح (دول الخليج) في إدارة هذه الأزمة هو كفيل بتحديد ملامح منظومة الأمن الإقليمي على مدى السنوات المقبلة.
فالعالم يشهد في هذه المرحلة تحديدا تحديات وتحولات في النظام الدولي و التي لا تقل خطورة؛ لان كل مؤشرات توحي بان هناك رغبة دولية في إعادة التوازن بين القوى التقليدية والصاعدة؛ لان القوى الدول الكبرى تسعى إلى إعادة رسم خريطة التحالفات بما يخدم مصالحها الإستراتيجية؛ وهو ما يخلق بيئة دولية غير مستقرة تتسم بكثرة الأزمات وسرعة التغير، لذلك فان الدول في مثل هذه البيئة؛ تحتاج إلى ضبط استراتيجياتها وتوجيهها وفق سياسات مرنة قادرة على التكيف مع المستجدات وضبط توجه مسارها العام، لان ما تشهده (منطقتنا العربية) اليوم؛ في ظل التحديات الدولية لا تقف عند حدود الصراع العسكري المباشر والدائر بين (إيران وإسرائيل وأمريكا )؛
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن وحدة الأمة العربية لا تُقاس بغياب الخلاف، بل بقدرتها على إدارته دون أن يتحول إلى صراع وجودي. أما الانسياق وراء حملات التخوين والتشكيك، فلن يؤدي إلا إلى تحقيق ما يسعى إليه خصومها: أمة ممزقة، متناحرة، يسهل التأثير عليها وتوجيهها.
إن الوعي هو خط الدفاع الأول، والكلمة المسؤولة هي السلاح الأقوى، فإما أن تكون أداة للبناء والتقارب، أو وسيلة للهدم والتفكيك. وبين هذا وذاك، يتحدد مستقبل أمة بأكملها.
