الاثنين ٥ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم هاني غيلان عبد القادر

الاغتراب: الملاذ الأخير

قال عنترة:

«فوددتُ تقبيلَ السيوفِ لأنّها
لمعتْ كبارقِ ثغركِ المتبسّمِ»

يقال: «لكل مقام مقال»، لكن للشاعر ما لا يجوز لغيره؛ له أن يخلط بين مقام الغزل ومقام الحرب، وأن يرى في لمعان السيوف بريق شفتي محبوبته، لا خوفًا ولا ضعفًا، بل لأن الشعر أوسع من الخنادق، وأبقى من رايات المنتصرين.

من هنا تبدأ الحكاية: من ثقافة السلطة إلى سلطة الثقافة، ومن لغة القوة إلى قوة اللغة.

فالأدب، في لحظاته الكبرى، لم يكن منشورًا دعائيًا في يد المتحاربين، ولا بوقًا لمعسكر ينتصر على آخر؛ كان فعل تحرر. يفرّ من القوالب الجاهزة، يضع المسلّمات تحت الضوء، ويمنح الإنسان حقه في أن يرى العالم بعين إنسان، لا بعين السلطة وحدها.

من أدب السجون إلى أدب المنفى والمقاومة، ظل الإنسان يكتب في أشد لحظات انكساره. وحين تضيق الجدران، تتسع اللغة. وحين يُغلق الباب، تفتح الكلمة شقًا في الجدار، يتسلل منه الضوء.

لهذا لم تكن الكتابة مجرد تسجيل لما يحدث؛ كانت، أحيانًا، الطريقة الوحيدة التي يقول بها الإنسان: أنا هنا.

في السجن، وتحت القصف، وعلى أرصفة النزوح، ظل المثقف يحتمي بالكلمة بوصفها ملاذًا أخيرًا؛ يكتب حنينه إلى الحرية، ومرارة الاغتراب، وثقل الصمت، ويترك في النص أثر إنسان يتألم وينكسر ويحلم، لكنه يرفض أن يتحول إلى رقم في دفاتر المتحاربين.

غير أن الأزمات، حين تشتد، تسحب السجادة من تحت أقدام الفكر، وتجعل الثقافة أول القرابين على مذبح الصراع.

في زمن الاستقطاب، يجد الكاتب نفسه بين ضغط الشارع، وثقل الهوية، ومسؤولية الكتابة، وكلفة التفكير. ويُطلب منه أن يختار معسكرًا قبل أن يُسمح له بأن يفكر:

إما معنا أو ضدنا، ولا منزلة بين المنزلتين.

تتحول الاستقلالية إلى تهمة، والتأمل إلى خيانة، ومحاولة الفهم إلى نفاق. وهنا يبدأ الاغتراب الحقيقي؛ ليس اغترابًا عن المكان، وإنما عن اللغة التي كان يفترض أن تسمي الأشياء بأسمائها.

فالأخطر من أن تسيطر السلطة على الجسد أن تنجح في مصادرة اللغة؛ لأن من يملك اللغة لا يصف الواقع فحسب، بل يرسم الإطار الذي يُرى من خلاله.

حين تُسمى الفوضى «حراكًا شعبيًا»، أو يُسمى الانقلاب «ثورة»، أو يُسمى قتل المدنيين «أضرارًا جانبية»، أو يُسمى تكميم الأفواه «حمايةً للأمن العام»، لا تعود الكلمات أوصافًا بريئة. إنها تعيد ترتيب الحقيقة، وتمنح الفعل اسمًا جديدًا، ثم تفتح له بابًا جديدًا إلى الشرعية.

هنا تصبح اللغة ساحة معركة؛ تُستخدم للتعبئة، والتخويف، وصناعة الإجماع، وإقصاء المختلف. وتتكرر المفاهيم حتى تتصلب في الوعي، وتتحول إلى مسلمات، ثم إلى محرمات لا يجوز الاقتراب منها.

وهكذا لا تحتاج السلطة دائمًا إلى إسكات الجميع؛ يكفيها أحيانًا أن تجعل الجميع يتحدثون بلغتها.

وفي الإعلام يتجلى ذلك بأوضح صوره: خطب رنانة، ونصوص مقدسة، وقضايا كبرى، ومفردات مصممة لاستدعاء العاطفة قبل العقل. ثم تُرمى التهم على المخالف: «خائن»، «مرتزق»، «عميل».

تبدأ الحكاية بكلمة، وتنتهي بإخراج الآخر من دائرة المواطنة.

لكن في مقابل لغة القوة، تبقى قوة اللغة. وفي مقابل ثقافة السلطة، تبقى سلطة الثقافة.

فالأدب يستطيع ما لا تستطيعه الروايات الرسمية. يستطيع أن يسخر من الرمز الذي يبدو مقدسًا في النشرات، وأن يضع السؤال حيث يريدون وضع الإجابة، وأن يكشف المسافة بين الشعار والممارسة؛ تلك المسافة التي تحاول الخطب الطويلة أن تطمرها تحت ركام الكلمات.

السخرية والمجاز والرواية ليست زينة لغوية؛ إنها أدوات لمقاومة السردية الواحدة، وفتح شقوق في الجدار الذي تريد السلطة أن يبدو مصمتًا.

حين تقول الجماعة: «هذه هي الحقيقة المطلقة»، يستطيع الأدب أن يسأل: وماذا عن الحقيقة التي لم يُسمح لها بالكلام؟

وحين يقول السلاح: «أنا صاحب الكلمة الفصل»، تأتي الكتابة لتقول إن الكلمة التي يحميها الرصاص قد تنتصر في لحظة، لكنها لا تملك المستقبل.

وحين تحاول الجماعات والطوائف تحويل الدين إلى أداة للهيمنة واحتكار التحدث باسم السماء، يستطيع الأدب أن يعيد رسم المسافة بين المقدس والبشري؛ بين الدين بوصفه رسالة أخلاقية، والجماعات التي تسعى إلى تحويله إلى لافتة تمنح فئة من البشر حق احتكار السماء.

هنا يستطيع الأدب أن يعيد للروح حريتها، وللدين إنسانيته، وللإنسان حقه في أن يسأل دون أن يُحاكم على مجرد السؤال.

لكن المعضلة تبقى: إلى أين ينحاز المثقف؟

إلى العِرق؟ أم الحزب؟ أم الجماعة؟ أم السلطة؟ أم إلى الجماهير حين تتحول عاطفتها إلى قوة عمياء؟

ربما لا تكمن قيمة المثقف في أن يختار معسكرًا صحيحًا في كل مرة، بل في قدرته على الاحتفاظ بالمسافة التي تسمح له بأن يرى خطأ الجميع، وألا يتحول صوته إلى بوق لأيٍّ منهم.

وهذه المسافة هي أكثر ما يزعج الجميع.

فالسلطة تريده صوتًا لها، والمعارضة تريد صوته ضد السلطة، والجمهور يريده صدىً لغضبه، لا عينًا ترى، وعقلًا يسأل.

وهكذا يجد المثقف نفسه بين سلطتين: سلطة تريد إخضاعه، وجمهور يريد ابتلاعه. وفي الحالتين، المطلوب واحد: أن يتوقف عن النظر والتفكير.

تزداد عزلته حين تستخدم السلطة الضغوط الأمنية والمعيشية لتدجينه، ويستخدم الشارع ضغطه النفسي لإلحاقه بالحشود. وتتضاعف مرارة الاغتراب حين يكتشف أن لغة الرصاص أسرع وصولًا إلى الواقع من لغة الكتابة، وأن دوي المدافع قادر، في لحظة، على ابتلاع الفكرة قبل أن تجد لها مكانًا في الوعي.

عندها يصبح العجز أكثر قسوة:

أن تعرف، ثم تكتشف أن المعرفة لا تكفي.
أن تكتب، ثم ترى أن الرصاص يكتب أسرع.

ومع ذلك، لا تُقاس قيمة الكتابة بقدرتها الفورية على تغيير الواقع.

بعض النصوص لا توقف الحرب، لكنها تحفظ صوت الإنسان الذي كادت المدافع أن تمحوه.

وبعض الكتب لا تسقط نظامًا، لكنها تمنع الرواية الرسمية من أن تصبح الرواية الوحيدة.

وبعض القصائد لا توقف دبابة، لكنها تحفظ صوت الذين مرّت الدبابة فوق أحلامهم.

لهذا تتحول الأعمال الأدبية، مع مرور الزمن، إلى وثائق لا تقل أهمية عن الوثائق السياسية؛ لأنها لا تؤرخ لما حدث فقط، بل لما فعله الحدث في الإنسان: للخوف والحنين والانكسار، وللأشياء التي لا تظهر في المحاضر والبيانات.

ومن هنا، فإن استقلال المثقف، حين يكون نابعًا من استقلال الضمير، ليس انسحابًا. وصمته ليس دائمًا خوفًا. واغترابه ليس هروبًا.

أحيانًا يكون الاغتراب ثمنًا للحفاظ على المسافة التي تمنع الكلمة من أن تتحول إلى بندقية.

المثقف لا يملك دائمًا القدرة على إيقاف الحرب، لكنه يملك القدرة على رفض أن تصبح الحرب لغته.

ولا يستطيع وحده إعادة بناء الوطن، لكنه يستطيع أن يرفض إعادة بناء الاستبداد بالحجارة نفسها، والأدوات نفسها، والوجوه نفسها.

ولا يستطيع أن يمنع الجماهير من الغضب، لكنه يستطيع أن يسألها: إلى أين يقودها غضبها؟

وهنا يصبح الاغتراب ملاذًا أخيرًا.

ليس ملاذًا من الوطن، بل من كل ما يحاول اختزال الوطن في جماعة، أو حزب، أو زعيم، أو بندقية.

ملاذًا من سلطة تصادر الحرية، ومن ثقافة تبرر الظلم، ومن لغة تحوّل الدين إلى شعار، ومن جماعة تريد من الإنسان أن يصفق قبل أن يفكر.

إنه ملاذ الإنسان حين لا يبقى له إلا أن يحافظ، وسط هذا الركام، على شيء واحد لا يستطيع أحد أن يصادره منه:

حقه في أن يفكر.

فالإبداع لا يتجلى فقط فيما نكتبه حين تكون الحياة آمنة، بل فيما نرفض التخلي عنه ونحن نطل على الهاوية.

وحين تهدأ طبول الحرب، وتسكت أبواق الساسة، وتسقط الشعارات من على الجدران، لن يبقى من كل ذلك الصخب إلا ما استطاعت الذاكرة أن تنقذه.

هناك، في النصوص التي كُتبت تحت الخوف والصمت والمنفى، قد نعثر على صوت الإنسان الذي حاولت المدافع أن تطمسه.

وحين تضيق الأمكنة جميعها، تغدو الكلمة وطنًا.

وحين يصبح الانتماء تهمة، يغدو الاغتراب الملاذ الأخير.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى