الجمعة ٤ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم هاني غيلان عبد القادر

الجوعُ المُغلَّفُ بالدِّين

ليس الجوعُ فراغًا في المعدة.
الجوعُ يوقظ السؤال:

لماذا ليَ الجوع، ولكَ الموائد؟
لماذا أزرع الأرض بيدي، ولا يبقى لي منها إلا غبار الطريق؟
لماذا أسقيها عرقي، ثم يكون ثمرها لغيري؟
ولماذا حين أمدُّ يدي إلى لقمةٍ هي من حصاد يدي، يُقال لي: اصبر؟

كان أبي يقول إن الأرض لا تخون من يحرثها.
لكنه مات وهو يحدّق في حقلٍ زرعه بيديه، ولم يأكل منه إلا التعب.

كانت أمي، كلما اشتدّ عليها المرض، تقول:
— اصبر... لعلّ الله يفرّجها.

وحين جاء الجنود وأخذوا محصولنا، قيل لنا:
— اصبروا... هذه إرادة الله، وهذا قضاؤه.

قال أبي يومها:
— بل هكذا أردتم أنتم، واستعرتم اسم الله لتغلقوا دوننا الأبواب.

ثم مات أبي.

وفي اليوم الذي حملناه فيه إلى قبره، قيل لنا أيضًا:
— اصبروا... الموت قدر.

فصمتنا.

وحين أُغلق باب القصر في وجوهنا، قيل لنا:
— لا تسألوا.
— لا تعترضوا.
— لا تتدخلوا.
— لا تفتحوا باب الفتنة.

حتى صار الصمت فضيلة، والتصفيق للظالم عبادةً، في شرعهم.

صار المال المقتطع من أفواه الفقراء يُسمّى رزقًا،
والقصر الذي بُني من تعبهم يُسمّى نعمة،
والخوف الذي يملأ الشوارع يُسمّى طاعة.

وفي ليلةٍ باردة، عاد ابني حافي القدمين.

وقف عند الباب، وكان يرتجف.

قال:

— أبي... أنا جائع.

ضممته إلى صدري، ولم أجد في جيبي سوى حفنة تراب علقت بيدي من الحقل.

قال:

— أبي... إذا كان الله يحب أن نطعم الطعام، فلماذا يمنعون عنا الخبز؟

لم أعرف ماذا أقول.

ثم نظر إلى القصر، حيث كانت الأنوار لا تنطفئ، وفوق بابه كُتبت العبارة:

﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾

وعند الباب وقف حارسٌ يحمل بندقية.

قال ابني:

— الله يسمع ويجيب... لماذا لا نسأل الله أن نأكل مثلهم؟

سكتُّ.

ثم قال، كأنه وجد الجواب في قلبه:

— فمن قال إن الله جعل الجوع قدرًا؟

في تلك الليلة خرجتُ من البيت.

وضعتُ كفي على الطين البارد.

قلت:

— لمن أنتِ؟

لم تجب.

لكن يدي كانت تعرف.

هذه اليد حرثت.
زرعت.
دفعت ثمن الخبز.
حملت أمي إلى قبرها.
وشقّت التراب يومًا بعد يوم.

لم تسرق.

ولم تصفق لسارق.

في الصباح، جاء الجنود.

دخلوا الحقل، وبدأوا يجمعون المحصول.

صرخت:

— هذا محصولي!

ضحك أحدهم:

— هذا رزقنا.

قلت:

— رزق مَن؟

قال:

— رزقنا من الله.

نظرت إليه طويلًا، ثم قلت:

— وأنت... بأي حقٍّ تأخذه؟

تغيّر وجهه.

صرخ:

— لا تكفر!

أمسكتُ بمعصمه.

دفعني أرضًا.

نهضت.

رفع بندقيته.

وفي تلك اللحظة تذكرتُ قول النبي ﷺ:

«من قُتل دون ماله فهو شهيد».

لم أتراجع.

ظلّت البندقية مرفوعةً بيننا لحظات.

ثم أنزلها.

وتراجع هو.

عدتُ إلى الأرض.

وضعتُ يدي على التراب مرة أخرى.

وقلت:

— لمن أنتِ؟

ولم تجب.

في المساء، طرقت الأبواب.

خرج رجلٌ مسنّ يتكئ على عصاه.

وخرجت امرأة تحمل طفلًا، وخلفها صغار بوجوهٍ شاحبة.

وجاء شابٌّ مصاب، يسند ذراعه إلى صدره.

قلت لهم:

— لنذهب إلى الذين سرقوا اسم الله ليشرعنوا جوعنا.

رفع الشيخ عصاه، وقال:

— إذن نذهب لنستردّ الحق من خزائنهم.

ذهبنا.

حين وصلنا إلى القصر، ارتبكت أيدي الحراس.

كانوا يعرفون وجوهنا.

وجوه الذين يأكلون من الأرض، ثم يُطلب منهم أن يشكروا من يأخذها.

تقدّم الشيخ.

قال للحراس:

— تقولون: هذه إرادة الله... وهذا قضاؤه.

ثم التفت إلى القصر:

— هكذا يقولون حين يريدون أن يجعلوا الظلم قدرًا.

تقدمت المرأة.

أخذت رغيفًا من أمام أحد الحراس، وأعطته لأطفالها.

قالت:

— هذا الخبز ليس لكم.

تقدمتُ بعدها، وغرستُ فأس الحقل في التراب.

قلت:

— وهذه الأرض ليست لكم.

صاح أحد الحراس:

— أتريدون الفتنة؟

قال الشيخ:

— نريد أن نوقف الظلم الذي نشرتموه باسم الدين.

خرج صاحب القصر.

كان يرتدي ثوبًا أبيض، كأن البياض يستطيع أن يمحو عن القصر وجوه الجائعين.

قال:

— ابتلاكم بالصبر والطاعة، وابتلانا بالسلطة والمال.

نظر إليه الشيخ وقال:

— كذبت.

ساد الصمت.

ثم قال:

— الله لم يمنح أحدًا صكًّا باسمه لينهب غيره.

أنت اخترت القصر.

جمعت المال.

وضعت الحراس.

ثم سميت ذلك دينًا.

الله أمر بإطعام الطعام ونشر السلام،
وأنت أمرت بالجوع ونشرت الحرب،
ثم نسبت ذلك إلى الله.

بحث عن نصٍّ يسنده.

فتّش في ذاكرته.

ثم في أوراقه.

ولم يجد.

تقدم الطفل نحو الخبز.

مدّ الحارس يده وأمسكه.

صرخت أمه.

ثم تقدمت، وأبعدت يد الحارس عن طفلها.

أخذت الرغيف.

قسمته بين أطفالها.

قال الشيخ:

— الحق لا يحتاج إلى بندقية تحرسه.

ثم أشار إلى الرغيف:

— والرغيف ليس فتنة.

ثم إلى الأرض:

— والعدل ليس خروجًا على الطاعة.

وسكت لحظة، ثم قال:

— أما أن تجعل طاعتك دينًا، وظلمك قضاءً، وقصرك نعمةً، ورفضك فتنةً...

فذلك حكمك أنت.

لا حكم الله.

نظر الحراس إلى الأطفال وهم يأكلون.

سقطت بندقية من يد أحدهم.

ثم سقطت أخرى.

ثم ثالثة.

وبدأ القصر يفرغ.

لم يعد أحد يحرس الباب.

لم يعد أحد يطلب منا الصبر.

رفعتُ فأس الحقل.

وضربتُ الأرض ثلاث مرات.

كان صاحب القصر يرتجف.

لم أنتظر فتوى.

ولا إذنًا من أحد.

يبدو أن الأرض كانت تنتظر فقط مَن يحميها...
لا مَن يرثيها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى