الأربعاء ١٧ آب (أغسطس) ٢٠١١

‬موتي يعيدون تشكيل الوجود

عمر شهريار

ينطلق ديوان‮ «موتي يجرون السماء»‮ ‬للشاعر موسي حوامدة‮ ‬والصادر مؤخرا في القاهرة عن دار أرابيسك‮ ‬من مفهوم المخالفة للمستقرات الثقافية الراسخة،‮ ‬والتي تؤكد،‮ ‬أولا النفور من الموت بوصفه‮ ‬غيابا،‮ ‬فإذا بالذات الشاعرة تستعجله وتذهب إليه اختياريا بوصفه خلاصا من الجحيم الأرضي المفعم بالانكسارات والانهزامات الشخصية والجمعية،‮ ‬ممثلة في الذات ووطنها المحتل الضائع‮.‬

كما نري هذه المخالفة للمستقر الثقافي،‮ ‬ثانيا،‮ ‬عبر إعادة تشكيل وبناء مفهوم الفاعلية،‮ ‬فالمعتاد في الثقافة هو أن السماء هي التي تمتلك الفعل،‮ ‬فهي الفاعل أبدا،‮ ‬في حين أن الإنسان يظل في خانة المفعول به،‮ ‬ولكن الشاعر قام بحالة قلب لهذه المفاهيم،‮ ‬فإذا بالموتي يقومون بالبدء في الفعل،‮ ‬فهم المبتدأ،‮ ‬وأيضا هم الفاعل المستتر عبر ضمير الغائب‮ (‬هو‮) ‬في جملة الخبر،‮ ‬فوجودهم مزدوج ومضاعف،‮ ‬علي عكس السماء التي تأتي مفعولا بها في جملة الخبر‮.‬

بالإضافة إلي الملمحين السابقين نلمح،‮ ‬أيضا،‮ ‬حضور الموتي في العنوان رغم‮ ‬غيابهم الواقعي المفترض،‮ ‬في حين أن الأحياء الحاضرين افتراضيا يصبحون موتي وغائبين في العنوان،‮ ‬فحضور الموتي في العنوان يحيلنا مباشرة إلي‮ ‬غياب الأحياء،‮ ‬وفاعلية الموتي تحيلنا،‮ ‬كذلك،‮ ‬إلي لافاعلية الأحياء واستلابهم بطرائق شتي،‮ ‬فالموتي يحيلون إلي نقيضهم الذي لا ينفك،‮ ‬في الواقع المعيش،‮ ‬أن يباهي بحضوره الزائف وفاعليته المتوهمة‮.‬

ولعل ما سبق من مخالفات للأنساق الثقافية المهيمنة هو الذي دفع الذات الشاعرة إلي افتتاح الديوان بقصيدة‮ "‬حين يأتي الموت‮" ‬والتي يبدأها بمقطع كثيف الدلالة يقول فيه‮: "‬حين يأتي الموت‮/ ‬سأبصق في وجه الحياة؛‮/ ‬أقنع نفسي أن الدنيا بائسة،‮/ ‬وأن الناس كل الناس ديدان صفراء‮"‬،‮ ‬فهذا المقطع يتسق مع ما ذهبنا إليه من إعادة تشكيل مفاهيم الموت والحياة،‮ ‬وإعادة ترتيب ثنائية الموتي‮/ ‬الأحياء؛ إذ يحتل الموتي في هذا المتخيل الشعري المكانة العليا علي الأحياء،‮ ‬بل وعلي السماء أيضا،‮ ‬كما أن جملة‮ " ‬الناس،‮ ‬كل الناس،‮ ‬ديدان صفراء‮" ‬تبدو ناصعة في سياق إعادة تشكيل العالم هذه،‮ ‬إذ يستحيل معها الناس‮/ ‬الأحياء إلي ديدان،‮ ‬مع ما هو معروف عن أن الديدان هي التي تأتي علي جثث الموتي لتنهي عليها وتمحوها من الوجود المادي،‮ ‬فكأن الذات الشاعرة تعيد تأسيس العلاقة المركبة بين الأحياء والموتي،‮ ‬وتفكك الصورة التقليدية عن الأحياء الذين يتباكون علي الموتي وينعونهم،‮ ‬بل تراها من منظور أكثر عمقا،‮ ‬حيث تصبح الفاعلية الوحيدة للحي هي أن يأكل يحمل أخيه ميتا،‮ ‬ولعل هذا يمثل تناصا خفيا مع النص القرآني‮.‬

يتضام مع المقطع السابق مقطع آخر من القصيدة نفسها،‮ ‬يقول‮: "‬كلما كان عدد المشيعين أقل‮/ ‬كان ضميري أكثر بياضا،‮/ ‬وكلما كانت الدموع أقل‮/ ‬كانت أخطائي أجمل،‮/ ‬لينصرف المعزون قبل تدشين البياض‮../ ‬لينصرفوا؛‮/ ‬ليست لي حاجة إلي مديح ناقص،‮/ ‬ليست حسناتي مشجبا للنفاق،‮/ ‬لينصرف الأوغاد‮." ‬فنحن بإزاء علاقة عكسية بين المشيعين والبياض،‮ ‬وكأن وجود بشر يتراوح عكسيا مع النقاء والصفاء،‮ ‬ومن ثم فإن الذات الشاعرة يأمر المعزين بالانصراف قبل تدشين الباض وكأن وجودهم يعوق هذا التدشين ويعطله،‮ ‬وكأن وجود أحدهما ينفي وجود الآخر‮.‬

ويتساوق مع ثنائية الأحياء‮/ ‬الموتي،‮ ‬ثنائية أخري تتجاور معها علي المستوي البنيوي،‮ ‬وهي ثنائية الجسد/الظل والتي نلمحها تطل من قصيدة‮ "‬كما ليلي يطرق باب الفجر‮" ‬والتي يقول فيها‮: "‬يمشي،‮ ‬خفية،‮ ‬ظلي علي الأرض‮/ ‬خفية،‮ ‬يزور مدينة ساحلية‮/ ‬يقتفي أثر وعول جافلة‮/ ‬يدخل بارا قديما في حي من أحياء القاهرة،‮/‬يمر علي مقبرة المماليك،‮/ ‬يداعب قطة سمينة عند موقف سفريات ألماظة،‮/ ‬يري نفسه شهابا في مجرة نائية،‮/ ‬يبني قصرا عامرا من كلمات‮" ‬فالظل هو الذي يمشي ويزور ويقتفي ويدخل ويداعب ويري ويبني،‮ ‬إنه صاحب الأفعال كلها،‮ ‬إنه الفاعل الحق،‮ ‬وليس محض صورة باهتة للجسد الحي،‮ ‬كما هو مستقر في النسق الثقافي التقليدي،‮ ‬وكأننا في حالة دائمة من المحاولات الدؤوبة لتدمير تلك الأنساق وتفكيكها‮.‬

في إطار هذه الحالة من إعادة تفكيك الوجود بغية إعادة ترتيبه وفق الرؤية الخاصة للذات الشاعرة،‮ ‬سنجد هذه الذات تلتفت التفاتتين مهمتين في قصيدة‮ "‬أسوة بحليب الأم ندمي‮"‬،‮ ‬إحداهما للماضي والأخري للمستقبل،‮ ‬حيث يقول‮: "‬يا معلمي‮/ ‬لم تعلمني باليقين ما نلته بالدهشة‮/ ‬لم يفدني التراتب كما حررني العشق‮/ ‬لم توصلني بالخشونة ما ذقته بالفتنة‮/ ‬أدين لك بابتعادي عنك‮/ ‬تجبرت بي حتي خسرت مقام الهوي‮" ‬فالذات،‮ ‬هنا،‮ ‬تحاكم الماضي وتخضعه للمساءلة واللوم،‮ ‬متخذة من المعلم رمزا لهذا الماضي وللصيغ‮ ‬الأبوية للثقافة وتلقين أنساقها الراسخة،‮ ‬وربما استحضار مفردة التراتب في مقابل‮ "‬حررني العشق‮" ‬يبدو استحضارا دالا علي نمطين من الوعي أحدهما مولع بالتراتب الهيراركي ذي الطابع السلطوي البطريركي،‮ ‬والآخر يرنو نحو التحرر الذي لن يتأتي سوي بالعشق،‮ ‬فنحن أمام نمطين من المفردات كل منهما ينتمي لنمط معين من الوعي ورؤية العالم والتعاطي معه‮: (‬اليقين،‮ ‬التراتب،‮ ‬الخشونة‮) ‬في مقابل‮ (‬الدهشة،‮ ‬العشق،‮ ‬الفتنة‮).‬

في مقابل هذه الالتفاتة للماضي،‮ ‬نجد التفاتة أخري للمستقبل،‮ ‬ابتغاء إعادة تشكيله وفق تصورات الذات لما يجب أن يكون،‮ ‬يقول‮: "‬أسوة بي كن مريدي‮/ ‬ضم جنايتي‮/ ‬لا تأبه لحماسة أبي تمام‮/ ‬ولجد المتنبي‮/ ‬باشر‮ ‬غناءك الخفي‮/ ‬صلاتك السرية‮/ ‬صن روحك من عطب النشوة‮" ‬وسنجد هنا استخدام ضمير المخاطب وكأن الذات تخاطب نفسها باعتبارها ذاتا أخري‮ ‬غير تلك التي تعرفها،‮ ‬ذات جديدة تماما مازالت تتلقي أوليات المعرفة،‮ ‬في حين أن الذات القديمة التي خبرت الدنيا أخذت موضع المعلم،‮ ‬ولكنه المعلم‮ ‬غير التقليدي،‮ ‬ورغم إنه يستخدم كثيرا أساليب الأمر والنهي‮ (‬كن،‮ ‬ضم،‮ ‬باشر،‮ ‬صن،‮ ‬لا تأبه‮) ‬فإنه سشتخدمها نحو تدمير التراث الرسمي للمعرفة الجمعية‮ (‬أبو تمام والمتنبي‮) ‬وينحو باتجاه الاستماع إلي هسهسة الذات ووشوشتها الرهيفة،‮ ‬باتجاه الإخلاص لطقوسها الخفية والسرية بعيدا عن الصكوك التقليدية للمعرفة،‮ ‬حيث تبدو الذات وتشوفاتها هي مرجعية نفسها،‮ ‬بقطع النظر عن أية مرجعيات خارجها‮.‬

لا تكتفي الذات الشاعرة بإعادة تشكيل الوعي بالعالم فقط،‮ ‬بل يتحول نحو الشروع في إعادة تشكيل الوجود كله،‮ ‬بعد أن يصل إلي جنته المعرفية المبتغاة،‮ ‬فنراه في قصيدة‮ "‬هناك في أعالي الجنة‮" ‬يقول‮: " ‬تلبسني شيطان الأرض ومد لي جسرا إلي بوابة السماء،‮/ ‬هناك‮. ‬في أعالي الجنة‮./ ‬وجدت الدلفين يراقص الغراب؛‮/ ‬الحمامة تأكل عين الأسد؛/النعامة تلدغ‮ ‬الأفعي؛‮/ ‬السعدان يمط رجليه في وجه الحصان؛‮/ ‬الجبال تتهادي بين يدي الهدهد؛‮/ ‬الهضاب تمط إليتيها قرب ذقن الجبل؛‮/ ‬الصحراء خضراء مكسوة بالشجر؛‮/ ‬الواحات قفرا ترشح بالسراب‮" ‬فجميع مفردات الكون تنتزع من إرثها وأدوارها المعهودة،‮ ‬وتكتسب أدوارا جديدة،‮ ‬تتسق مع الوعي الجديد بالعالم،‮ ‬بعد أن يتم تدمير الصور التقليدية وتفكيكها‮.‬


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى