الخميس ٢٤ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم صلاح فؤاد عبده شعير

هل الرواية العربية مازالت صامدة في دعم الحق الفلسطيني؟

المقدمة

تقوم فكرة هذه الدراسة على تسليط الضوء على دور الرواية العربية، في مناصرة القضية الفلسطينية، على اعتبار أن هذا النوع من الأدب يندرج تحت نطاق أدب المقاومة، والذي يعتبر من أهم الحقول الأدبية اتصالًا بجوهر التجربة الإنسانية في لحظات الخطر القصوى، حيث لا تعود الكتابة مجرّد فعل جمالي، بل تتحوّل إلى شهادة، وذاكرة، ومقاومة رمزية في وجه الفناء، وقد ارتبط هذا الأدب تاريخيًا بالسياقات الاستعمارية وحركات التحرر الوطني، ولا سيما التجربة الفلسطينية، التي شكّلت مع كتابات غسان كنفاني أحد أهم المنعطفات التأسيسية لأدب المقاومة العربي، بوصفه أدبًا يؤكد الوجود الإنساني في مواجهة محاولات المحو (1).

ويقوم أدب المقاومة على تمجيد النضال من أجل تحرير الأوطان، أو حمايتها من الأخطار، وهذا الأمر مرتبط بقدرة النص الأدبي على توظيف الخيال والأدوات الجمالية، من أجل تغيير الواقع إلى الأفضل، ويقاس نجاح هذا النوع من الأدب بمهارة الكاتب في التذكير أو إحياء الذاكرة الجماعية للشعوب تجاه القضايا الوطنية الكبرى.

وسوف تحاول الدراسة الإجابة على هذا التساؤل: هل القضية الفلسطينية مازالت محور اهتمام الرواية العربية؟

منهج الدراسة: ونظرًا لأن الروايات التي تم اختيارها لتكون محلاً للدارسة، قد استوفت الجانب الفني، من خلال البناء الدرامي، ودقة رسم الشخصيات، وتعزيز بيئة الرواية بكل ما يلزم لرسم الصورة في ذهن المتلقي، وسوف يتم تحليل مضمون الروايات محل الدراسة من خلال النقد الثقافي، "لأنه من أهم مناهج ما بعد الحداثة، والتي ظهرت كرد فعل على المناهج النسقية التي ركزت على الأعمال الأدبية من الناحية الجمالية، وأهملت المضامين الثقافية المتصلة بها". وبالتالي، فإن منهج الدراسة هو المنهج الثقافي.

ويمتد النطاق الزمني للدراسة من 2015: 2025م، وللتبسيط سوف تتناول ثلاث روايات كنموذج تطبيقي، للإجابة على تساؤل الدراسة: الرواية الأولى هي "الظمأ والجنين" (3) للكاتب المصري صلاح شعير، والثانية "قناع بلون السماء" للكاتب الفلسطيني باسم خندقجي (4)، وهي حاصلة على جائزة البوكر العالمية عام 2024، والثالثة رواية "الطوفان الكبير"(5) للكاتب المصري عبد الرحيم درويش.

خطة الدراسة: سوف تتناول الدراسة تحليل المضمون من حيث:

أولا: أفكار وملخص الروايات محل الدراسة.
ثانيًا: توظيف الزمان والمكان لخدمات أهداف الرواية.
ثالثًا: الفقر والعطش والجوع بسبب الحرب.
رابعًا: صور الإبادة والتعذيب في المعتقلات في الرواية العربية.
خامسًا: دور العلم في تحرير الأوطان بالروايات الثلاثة.
سادسًا: الانتصار للهوية العربية.

أولا: أفكار وملخص الروايات محل الدراسة:

الفكرة "هي أساس العمل الروائي...، وكل عناصر الرواية مسخرة لتحقيق الفكرة، فهي تولّد الصراع في ذهن الروائي، والصراع ينتج الأحداث، والأحداث تخضع للنظم المحكم، والنظم المحكم يعطينا رواية كاملة الأبعاد...، وكل ذلك لا يمنع من وجود أفكار ثانوية أخرى، بجانب الفكرة الطاغية، التي تتصف بوضوح يهدى القارئ إليها، بشكل تلقائي دون عناء في التفكير"(6). وطبقًا لهذا سوف يتم عرض فكرة كل رواية وملخصها كالتالي:

1- رواية الظمأ والحنين: تدور الفكرة الرئيسية في إطار الخيال العلمي، حول تحرير فلسطين ونهاية الكيان الغاصب في أغسطس 2012م، وتعتمد الرواية على الرمز، لإضفاء جو من التشويق في تسمية الأماكن، أو بعض الشخصيات.

وتدور أحداث الرواية في ظل مشكلة الندرة في المستقبل، في أغسطس عام 2120م، حيث الصراع في جنوب الشام -فلسطين التاريخية- بين العرب الذين يعيشون في منطقتين فقيرتين تعانيان من الجوع والعطش – أطلقت عليهم الرواية اسم واحتي الزيتون والبلح- وبين الكيان الغاصب الذي يضم الأثرياء المدججين بالنفوذ والسلاح والمال– أطلقت عليهم الرواية اسم مدينة الأثرياء- وينجح البطل "فارس المختار" المهندس والعالم المبتكر في دفع الضرر عن بلاده، بالتصدي لمحاولات منع العلم عن العرب، بمواصلة تطوير المكان البحثي الذي يعمل به، وتعليم الفتيان لإنتاج صف ثان من الكوادر المتخصصة، بهدف مواصلة الدفاع عن الوجود العربي بسلاح العلم، وينجح البطل من خلال الأبحاث التي يجريها بعد مواعيد العمل الرسمية، في ابتكار آلة التدمير، التي تؤدي إلى نهاية الكيان الغاصب.

2- رواية قناع بلون السماء: فكرة الرواية تمجد المقاومة، والسعي إلى تحرير الأرض، وهي عبارة عن مزج بين الواقع الفلسطيني تحت الاحتلال، والخيال الروائي في محاولة اكتشاف تاريخ مريم المجدلية.

وتدور أحداث الرواية من خلال "نور الشهدي"، والذي يعمل باحثًا في الآثار، والذي انتصر على الفقر بتنظيم وقته، بين الدراسة فصلًا، والتغيب فصولا لتدبير نفقات الجامعة حتى حصل على درجة الدكتوراه، وعندما عثر "نور" على بطاقة شخصية باسم اللإسرائيلي "أور شابيرا"، في جيب معطف اشتراه من أسواق الملابس القديمة، قام بانتحال شخصية صاحب هذه البطاقة، مما ساعدته على القيام ببعض المغامرات، والتجول في القدس، وباقي الأراضي المحتلة بحرية تامة، وقد ساعده في ذلك، إتقان اللغات العبرية والإنجليزية والعربية.

لقد ذهب إلى "معهد أولبرايت للأبحاث الأثرية" لمقابلة "بريان مور" الأمين السابق لجامعة "هارفرد"، المشرف على موسم التنقيب الثاني عن معسكر الفيلق الروماني السادس، وادعى أنه خريج جامعة "بار إيلان" وأخفى أنه خريج المعهد العالي للآثار الإسلامية جامعة القدس، لتحقيق حلمه في إنجاز بحثه التاريخي حول "مريم المجدلية"، وخلال هذه الجولة يصور السرد، مدى معاناة الفلسطينيين، في مواجهة القهر والفقر، والكمائن التي تقيد الحريات، والاعتقالات، والقتل بسبب الهوية، وغيرها من تمييز عنصري، تتلخص لحظة التنوير في هذه الرواية، بتمسّك الشعب الفلسطيني بهويته العربية، مهما كانت التحديات.

ويمكن القول بأن رواية "قناع بلون السماء" كُتبت في السجن، كما كُتبت رواية "الشوك والقرنفل" ليحيى السنوار، "وتجربة الاعتقال داخل سجون الاحتلال الصهيوني، حيث المعاناة الإنسانية والروح النضالية ...، ويفتح السرد الروائي المجال أمام القارئ للتأمل وإعادة التفكير في أعمال المقاومة" (7).

3- رواية الطوفان الكبير: تشير فكرة الرواية إلى أن ما يرتكبه الاحتلال الإسرائيلي من فظائع وقتل ودمار للأطفال والنساء والمدنيين، وخاصة بعد معركة "طوفان الأقصى" في أكتوبر 2023م، أدت إلى تحوّل الرأي العام العالمي والأمريكي، لصالح مناصرة الحق الفلسطيني، ومعارضة الجرائم الصهيونية التي ترتكب ضده.

وتدور أحداث الرواية حول موقف الأمريكي "هنري رايلي سكوت"، والذي عمل أستاذا زائرًا في جامعة تل أبيب 2014، والذي كان يكره العرب، ولكنه عندما دخل القدس تأكد أن العرب طيبون، وأن هناك دعايا مزيفة ضدهم وأنهم أصحاب حق، ومن ثم عاد إلى الولايات أستاذًا في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة، مناصرًا للقضية الفلسطنية، ودعم الطلاب العرب في مجال الدراسات العليا ومنهم المصري مصطفى البطنيجي، والفلسطيني مازن النعيمي، في مواجهة الجبهة المؤيدة لليهود بقيادة اللوبي الصهيوني، والطالب ديفيد لي كاتز، وعميدة الجامعة.

ثانيًا: توظيف الزمان والمكان لخدمات أهداف الرواية:

يمثل توظيف المكان والزمان لخدمة أهداف السرد، من أهم عوامل البناء المعماري في الرواية، لأن "المكان هو بمثابة همزة الوصل التي تربط بين الشخصيات والزمان والأحداث، وبالتالي تظهر أهمية المكان في كونه عنصر فعال في تنظيم الأحداث، وارتباطها مع الشخصيات والأزمنة"(8). ووفقًا لهذا المفهوم، سوف يتم تناول الروايات محل الدراسة كالآتي:

1- الظمأ والحنين: قد اعتمدت الرواية على الرمز في تسمية الأماكن محل الصراع، حيث تمت الإشارة إلى المكان بفلسطين التاريخية باسمي "واحة الزيتون" ، و"واحة "البلح"، أما اسم مكان أعداء العرب فكان"مدينة الأثرياء" في إشارة إلى الكيان الصهيوني، ثم فك هذا الرمز منعًا للالتباس في مواضع عديدة منها (ص 72 ط1): كان "الغراب الأسود" يهنئ أقرانه بالكارثة القادمة، فهو يكره السلام حتى مع بني جنسه من السلالات الأخرى، ومنذ أن جاء من الشمال هارباً من "البوم الغربي" ليسكن بجنوب الشام، في جماعات تعرف "بالمجثم"

وبالنسبة للمحيط الدولي أشارت الرواية إلى "مصر" باسم "واحة النيل"، والدول الغربية باسم وولاية "واحة الشمال"، و"الولايات المتحدة" و "أوروبا " باسم "البوم الغربي"، و"الصين" باسم "واحة التنين"، و"الهند" باسم "واحة المهراجا"، في نبوءة تشير إلى تغير المعادلة الدولية وانتقال الريادة العلمية والاقتصادية إلى دول الجنوب.

وبالنسبة للزمان، سوف نجد أن الكاتب اختار المستقبل في أغسطس 2120م، ليخرج العرب من حالة اليأس، نتيجة تراجع إسرائيل عن اتفاقية أسلو، ثم التوسع في بناء المستوطنات، بالتزامن مع القتل والاعتقال، وتهديد باقي الدول العربية بفكرة إسرائيل الكبرى، وبالتالي، كان الزمن في الرواية، عبارة عن بشارة مفادها أن النصر قادم، ولو بعد عشرات السنين، بشرطين: تسلح العرب بالعلم، وتغيير المعادلة الدولية في المستقبل.

2- قناع بلون السماء: تدور أحداث الرواية في فلسطين، وهذا يتوافق مع هدف السرد، الذي يسعى إلى تصوير معاناة المقاومة في ظل اضطرابات الهوية، وتغيير المفاهيم، وبرز ذلك في حالة "المهدي" الذي خرج من المعتقل بعد عشرين عامًا، ليجد كل القناعات التي ناضل من أجلها قد تبخرت، وقد صورت الرواية ذلك في (ص33): "خذله أصدقاؤه ورفاق دربه في النضال والانتفاضة، الذين انشغلوا بأبهة الحياة الجديدة التي تراقصت فوق موائد السلام المختل، وسلطة الوهم والحيرة"

وسوف نكتشف أن زمن الرواية في إبريل 2021م، كان مناسبًا للتعبير عن الأحداث الواقعية التي عاشها المناضل الفلسطيني في تلك الفترة، حيث اقترنت حالة الجمود السياسي، بالتشويش على حق الشعب الفلسطيني، ومحاولة تهويد القدس، وهو ما تم صياغته على لسان اليهودية "أيالا شرعابي " في (ص230) عندما قالت: " فقد أعلنت الحكومة أن السيادة في القدس يهودية، وأعلام إسرائيل سوف ترفرف خفاقة في سمائها وأنحائها كافة".

وبالتالي، كان الزمن مناسبًا لنقل الواقع العملي إلى فضاء الرواية، وجاءت النهاية مقترنة بالانتصار للهوية العربية، وهذا هو ذروة الخطاب التنويري، الذي ورد بالرواية.

3- الطوفان الكبير: المكان في الرواية هو فلسطين والولايات المتحدة، وهذه الثنائية تزف البشرى حول مولد تيارات جديدة تؤمن بالحق الفلسطيني، في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا الأمر يتفق مع زمن الرواية، الذي رصد معركة طوفان الأقصى ما بين 2023: 2025م، "ومن أمثلة التغير في المجتمع الأمريكي، هو قيام الطيار الأمريكي "آرونبوشنيل" بحرق نفسه في ظهيرة 26/2/ 2024م، في بث مباشر من أمام السفارة الإسرائيلية، مضحيًا بوظيفته المرموقة، ومستقبله، اعتراضًا على تواطؤ الولايات المتحدة مع إسرائيل في ارتكاب جرائم الحرب في غزة، وذلك بهدف إيقاظ الغرب من فخ الديمقراطية الكاذب، والذي يدار بواسطة رأس المال المتوحش، لنهب العالم"(9)

ثالثا: الفقر والعطش والجوع بسبب الحرب:

سوف نرى كيف عرضت الروايات الثلاث صور التحديدات الحياتية، في ظل ضعف الإمكانيات المادية التي تواجه المواطنين في فلسطين المُحتلة، وهذا يتطابق مع الواقع الفعلي، والمعاناة التي يتكبدها الحالمون بالحرية كبيرة، لأن المقاومة ليست ترفًا، ولكنها تحدي للموت، والاعتقال، وفقد الآباء والأمهات والأخوة والأبناء، أضف إلى ذلك الجوع والعطش، وغيرها، وسوف يتم عرض ما ورد بالروايات كالآتي:

1- الظمأ والحنين: لقد عبرت رواية الظمأ عن المعاناة بسبب الحرب، والعطش والجوع: وقد رد في الرواية (ص17 ط1): " فالرجال والنساء يتمددون على الأرض في حالة إعياء كامل وهم على وشك الموت، حيث لا يوجد أي ماء في الواحتين".
وأيضًا ورد في ص58 ط1: "لم يفق الناس من القيل والقال إلا عند سماع خبر وفاة عشرة أطفال وعشرين رجلاً عجوزًا عطشًاً".

وبمقارنة الخيال الروائي في زمن الاستباق، ذلك مع الواقع أثناء معركة طوفان الأقصى، سوف نجد أن قوات الاحتلال دمرت في غزة نحو 60% من منشآت إنتاج مياه الشرب في غزة، وعلى سبيل المثال بالفترة ما بين 7: 12 يوليو 2025م، واجه نحو 96% من الأسر انعدام أمن مائي يتراوح بين المتوسط والشديد (10). وبالتالي، فإن من لم يمت من الرصاص والجوع مات من العطش.

وقد أشارت أيضا الرواية إلى ترشيد الاستهلاك الإجباري لمواجهة الجوع بسبب ندرة الطعام، وقد ورد في (ص 77ط1): "وقد تم تحميلها مع كميات من التمر لإنقاذ الواحة من الجوع ويتم توزيعها الآن على السكان بواقع تسع تمرات يوميا لكل مواطن والكمية تكفي لمدة شهر"

وبمقارنة ذلك الترشيد الإجباري في الرواية، مع ما حدث في غزة أثناء حرب الإبادة والتجويع، سوف نجد أن سعر كيلو الطحين بلغ في شهر يوليو 2025م في بعض المخيمات 50 دولار، وسعر رغيف الخبز نحو 15 دولار.

وهذا فوق قدرة المواطن الفلسطيني الذي فقد دخله بسبب الحرب، وبالتالي فإن معظم الفلسطينيين بالقطاع من الصعب أن يوفروا رغيفًا لكل فرد في اليوم، وبعضهم فقد هذه القدرة، فذهبوا للتغذي على الأعشاب الضارة، وقد أدى نقص الإمدادات الغذائية، إلى نحو 1,239 قتيلا وأكثر من 8,152 إصابة منذ 27 مايو حتى أغسطس 2025م".(11)

2- قناع بلون السماء: الرواية قدمت نماذج للفقر، منها بطل الرواية "نور الشهدي"، الذي دفعه الفقر عن الانقطاع عن الدراسات العليا، فقد كان يدرس فصلًا ويتغيب فصولا لتدبير نفقات الجامعة، وهذا يتطابق مع الواقع الفعلي في الكثير من المجتمعات العربية

وتشير الرواية في ( ص33: 35) إلى تغير حال "المهدي "الذي كان بطلا وثوريًا ومحررًا، وخرج من السجن معدمًا ليعمل على عربة شاي وقهوة دون المتاجرة بإرثه النضالي.

3- الطوفان الكبير: ورد الحديث في الفصل الرابع على لسان "مازن النعيمي" عن المجاعة في غزة في (ص 76): "أنه لم يعش بالجحيم الذي عشناه في غزة ولو ليوم واحد، لم يقف في طوابير من أجل الحصول على لقمة خبز، أو دلو ماء". وهذه الصورة ظهرت في معركة "طوفان الأقصى"

لقد عبرت الرواية الثلاث عن مأساة الفقر والعطش والجوع بطريقة تعبير مختلفة، وهذا يعكس وحدة الشعور بمأساة الشعب الفلسطيني في الرواية العربية.

رابعًا: صور الإبادة والتعذيب في المعتقلات في الرواية العربية:

لقد تنوعت طرق الإشارة إلى أساليب الاحتلال الإجرامية في مواجهة الكوادر الوطنية، وسوف يتم عرض ذلك كالاتي:

1- رواية "الظمأ والحنين" حول فكرة الإبادة الجماعية ورد الاتي(ص 95 ط1): "وكانت الخطة الحربية للمعتدين هي بناء غطاء من الرأي العام العالمي يبارك التخلص من كل العرب في تلك البقعة من العالم"

وبمقارنة فكرة الإبادة في الرواية، مع الواقع، مع دعوات اليمين المتطرف والبرلمانيين والوزراء بإسرائيل طالبوا بإبادة غزة: "فقد دعت عضوة في الكنيست الإسرائيلي في 11 أكتوبر 2023م، الجيش إلى "استخدام السلاح النووي" في غزة، وأن عضو الكنيست السابق، موشيه فيجلين، دعا على حسابه بمنصة "إكس" ضمنا إلى استخدام السلاح النووي ضد قطاع غزة، وكتب جوتليف: "صاروخ أريحا! صاروخ أريحا! في إشارة إلى استخدام الأسلحة النووية، وأن وزير التراث بالحكومة الإسرائيلية "عميحاي إلياهو" إن إلقاء قنبلة نووية على غزة هو حل ممكن، مضيفا أن قطاع غزة يجب ألا يبقى على وجه الأرض "(12).

وقد طبق جيش الاحتلال هذه الفكرة في غزة، أثناء معركة طوفان الاقصى 2023: 2025، مما أدى إلى استشهاد 67100 شهيد، منهم 20 ألف طفل، وقرابة 170 ألف جريح، علاوة على تدمير 268 ألف وحدة سكنية تدميرًا كليا، ونحو 153 وحدة تدميرًا جزئيًا. ومن هنا سوف نجد أن الرواية، لمست الواقع في زمن الاستباق، عندما عبرت عن الفكر الإجرامي لقادة الكيان الغاصب.

2-قناع بلون السماء: تشير الرواية إلى معاناة الاعتقال، لكل من "مراد" صديق "نور"، والذي تم اختطافه عام 2011م، كذلك معاناة "المهدي" في المعتقل.

3- الطوفان الكبير: إشارت الرواية إلى تعذيب المعتقلين في الفصل الرابع على لسان "مازن النعيمي" الفلسطيني وهو يتذكر الماضي ( ص74: 75): "يبدو أن الكوابيس لا تفارقه، فعلى الرغم من أنه في منهاتن الأمريكية، مازال يتذكر ما تعرض له من تعذيب في فلسطين المحتلة، وكيف كان الجنود الإسرائيليون يتفنون في تعذيبه، بأسلاك الكهرباء، أو تحويل جسده إلى "طفاية سجائر"، فما زالت آثار الجروح التي شقتها السناكي أو السكاكين في جسده، وحول أعضائه التناسلية، الحياة تحت سلطة الاحتلال جحيم لا يطاق، فمن ينجو من الكمائن والاعتقال، يتلقفه الجوع والعطش والمرض، لقد قتل أجداده وأعمامه وأخواله، وما زالوا يقتلون الأبناء والأحفاد". أنه يرى أن الجميع خذل فلسطين.

خامسًا: دور العلم في تحرير الأوطان بالروايات الثلاثة:

لم تكن الروايات التي تسرد الواقع الفلسطيني بعيدة عن الواقع، فالانكسار العربي هو وليد التخلف، وقد اتفقت الروايات الثلاثة، على أنه لا سبيل للتحرير والتقدم إلا بالعلم.

في رواية "الظمأ والحنين" البطل عالم في مجال البرمجيات ومخرجات الذكاء الاصطناعي، فقد ورد في (ص 49 ط1) تم الإشارة إلى "الهيئة الدولية لتطبيقات علوم البرمجيات" وهذه الإشارة تعكس أن من يمتلك الذكاء الاصطناعي هو سيد المستقبل، وفي (ص 75 ط1) : "قام البطل - فارس المختار- بتخصيص الطابق الثالث من منزله علي هيئة قبو كبير، يستخدمه كمعمل لأبحاثه وتجاربه، ويستقبل فيه العلماء" وهذا قمة العطاء الوطني.

وفي (في ص111 ط1): "ولذا تفرغ – فارس المختار- قبل العرس بيومين لاستكمال تدريب براعم العلماء من الشباب والفتيات على كل أسرار نادي العلوم حتى لا يحدث فراغ اذا رحل لأي سبب"، وهذا العمل نوع من الأمانة في نقل العلم، لضمان ازدهار الأوطان، إذا رحل العلماء لأي سبب.

وفي رواية" قناع بلون السماء" البطل "نور الشهدي" حاصل على درجة الدكتوراه، كما أن البطل الفلسطيني "مراد" المحكوم عليه بالسجن المؤبد، بتهمة تخطيط عمليات الهجوم على قوات الاحتلال، حصل على بكالوريوس في العلوم السياسية في السجن، ثم الماجستير في الدراسات الإسرائيلية.

وفي رواية الطوفان الكبير، سوف نجد أن العقلية العلمية للأمريكي "هنري رايلي سكوت"، هي ما جعلته يفكر في حقيقة الصراع العربي الإسرائيلي، وينحاز إلى الحق، وأن سبب وجود المصري "مصطفى البطنيجي"، وهو الحصول على الماجستير والدكتوراه والعودة لنشر العلم والعدل (ص38 )، وهو نفس السبب الذي دفع الفلسطيني "مازن النعيمي" في التواجد في جامعة كولومبيا.

ولقد كان البناء المعماري للروايات الثلاثة، يسير في اتجاه حث المقاومة والشعوب على العلم، لأنه لامجال للنصر إلا من خلال القضاء على الجهل والفقر والمرض، وبناء القاعدة العسكرية التي تمكن المناضلين العرب من النجاح في استرداد الأرض.

سادسًا: الانتصار للهوية:

في رواية "الظمأ والحنين" انتصرت الهوية عندما استطاعت "وفاء حلمي" والبطل "فارس المختار" من تحقيق المصالحة بين الواحتين العربيتين المتحاربتين، والعمل معًا من أجل تحرير الوطن، كذلك ورد في (ص 105 ط1): " فعم الرخاء من جديد فوق أرض العرب، واتحدت الواحتان في واحة دولة واحدة أطلقوا عليها اسم "الاتحاد العربي" فأصبح شعار الكيان الجديد هو العلم والعدالة" وهذه الوحدة المنشودة في المستقبل هي قمة الانتصار للقومية العربية.

في رواية "قناع بلون السماء" يخبرنا السرد أثناء تجول نور الذي انتحل شخصية (أرو) في معالم قرية "أبو شوشة"، تلك القرية العربية التي قتل الصهاينة أهلها عام 1948م، وزرعوها بجثث الفلسطينيين والأشجار (ص147). وهذا يؤكد أن الماضي لن يموت في نفوس أصحاب الأرض، برز ذلك أيضًا عندما تعرف "نور الشهدي" علي الإسرائيلية "أيالا شرعابي" اليهودية، والفلسطينية "سماء إسماعيل" من عرب الداخل 1948، وأخيرًا انحاز للفتاة العربية. وهذا يؤكد أن وحدة المصير في الأراضي المُحتلة، التي لا يمكن أن تقضي عليها الخطوط الخضراء أو الحمراء.

وفي رواية "الطوفان الكبير": يخبرنا السرد الروائي وفي (ص71) أن مدينة القدس أسسها عرب من كنعان، وأطلقوا عليها اسم "أور سليم" منذ آلاف السنين، وتم تحريف الاسم بعد ذلك إلى "أور شليم" ولا علاقة لإسرائيل بهذا الاسم من الأساس.

لقد تعمد المؤلف أن يجعل ميلاد "مصطفي" في السادس من أكتوبر 1995، لتوظيف رمزية النصر في الدعوة إلى تكراره، وقد ورد في (ص31): "هو إيمان بأن النصر سوف يتكرر"، حيث تنمو الهوية العربية في ظل الانتصارات.

نتيجة الدراسة:

مازالت الرواية العربية تعبر عن القضية الفلسطينية، لأن هناك الكثير من الأدباء العرب ما زالوا يتناولون هذه القضية في أعمالهم الأدبية، ولكن المشكلة تكمن في عدم الاهتمام بالإبداع معنويًا وإعلاميًا، وهذا الأمر يُشكل حاجزًا بين الكثير من الأعمال الروائية الجادة وبين القرّاء.

التوصية:

1-ضرورة حث المؤسسات الإعلامية بضرورة الاهتمام بأدب المقاومة، وصورة فلسطين في الرواية العربية، وتسليط الضوء على الأدباء الذين يتبنون القضايا الوطنية للعرب.

2- التوسع في دعم المسابقات التي تدعم الحق الفلسطيني

قائمة المصادر والمراجع:

(1) عصام الدين أحمد صالح، سلسلة كتاب دراسات وإبداعات، نشأت المصري، وصلاح شعير، مقال أدب الحرب والمقاومة في صالون أقلام، دار نور للنشر والتوزيع، القاهرة، 2026م، ص 79
(2) وئام بعكوش، الأنساق الثقافية في رواية "الشوك والقرنفل"، ، مذكرة مقدمة ضمن متطلبات نيل شهادة الماستر أدب حديث ومعاصر، معهد الأدب واللغة، المركز الجامعي عبد الحفيظ بو الصواف لميلة، الجزائر، ص6
(3) صلاح شعير الظمأ والجنين"، دار الجندي، القاهرة، عام 2015،
(4) باسم خندقجي، قناع بلون السماء، عن دار الأدب، 2023م
(5) عبد الرحيم درويش، الطوفان الكبير، دار حابي للنشر والتوزيع، القاهرة عام 2025م
(6) كمال غنيم، الأدب العربي في فلسطين، ط2، مركز العلم والثقافة، 2006م.
(7) سعودي إسراء، سردية أدب السجون في رواية الشوك والقرنفل ليحي إبراهيم السنوار، لقريز يمينية، مذكرة مقدمة ضمن متطلبات نيل شهادة الماستر أدب حديث ومعاصر، كلية اللغة والأدب جامعة محمد بوضياف الجزائر، 2024/ 2025، ص أ، بتصرف.
(8) جمانة إسكندر زكي وصايا، مفهوم المكان الروائي وتحليله في أدب السجون، المجلة الأكاديمية للأبحاث والنشر العلمي، الإصدار الواحد والعشرون، جامعة بيرزيت فلسطين، 25/2/ 2021م، ص 285
(9) صلاح شعير، الهوية والسيادة استراتيجيات الأمن القومي العربي ، وكالة الصحافة العربية، القاهرة، 2025م، ص 26
(10) تقرير الأونروا رقم 182 حول الأزمة الإنسانية في قطاع غزة والضفة الغربية، التي تشمل القدس الشرقية، وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الشرق الأدنى، 1/ 8/ 2025م
(11) تقرير الأونروا رقم 182 حول الأزمة الإنسانية في قطاع غزة والضفة الغربية، التي تشمل القدس الشرقية، وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الشرق الأدنى، 1/ 8/ 2025م
(12) صلاح شعير، مرجع سابق 2025م، ص 316: 317


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى