نعمةُ البرد
في أوروبا،
تتساقطُ الأوراقُ
بأناقةٍ لا تُشبهني،
وتغسلُ الأمطارُ الأرصفةَ
حتى تلمعَ المدنُ
كأنّها لم تعرفِ الحزنَ قطّ.
أمشي تحتَ سماءٍ رماديّة،
وأصغي إلى الريح
وهي تفكُّ أزرارَ الأشجار،
ورقةً... ورقة.
كلُّ شيءٍ هنا
يعرفُ كيف يستعدُّ للشتاء،
إلّا قلبي؛
ما زال يخلعُ معطفَ الغربة
كلّما تذكّرَ دفءَ البلاد.
هناك،
كان للبردِ مذاقٌ آخر؛
تدخلُهُ من أطرافِ أصابعك،
فتخرجُ من المطبخ
ورائحةُ الخبزِ تسبقُك،
ويكونُ للبخارِ المتصاعدِ من الشاي
شكلُ يدٍ
تلوّحُ للنهار كي يجلس.
كانتِ السماءُ تمطر،
فتغتسلُ الحقولُ من غبارِ الصيف،
وتنهضُ الأرضُ
من تحتِ تعبها،
كأنّ الماءَ
يُعيدُ إليها اسمَها الأوّل.
يا لنعمةِ ذلك البرد...
حين كان الصقيعُ
يطرقُ زجاجَنا،
ولا يدخلُ وحده؛
كانت تدخلُ معه
رائحةُ الحطب،
وصوتُ أمّي في المطبخ،
وخطواتُ أبي
وهو يعبرُ البيتَ
كأنّه يطمئنُّ على دفئه.
لم نكن نعرفُ
أنّ الدفءَ ليس حرارةً،
بل ألّا تضطرَّ
إلى تدفئةِ قلبك وحدك.
هنا،
أضمُّ معطفي إلى صدري،
وأعبرُ شوارعَ
تُتقنُ إخفاءَ وحدتها.
وكلّما سقطتْ ورقةٌ
على كتفي،
تخيّلتُ أنّها رسالةٌ
من شجرةٍ في بلادي،
تسألني:
هل ما زلتَ تذكرُ
كيف كان الخريفُ
يُبلّلُ ترابَنا،
فتصعدُ من الأرض
رائحةٌ
تكفي لأن نحبَّ الحياة؟
نعم...
أذكرُ.
وأعرفُ الآن
أنّ بعضَ النِّعم
لا نراها حين تحيطُ بنا؛
نراها حين نعيشُ
ما يشبهها تمامًا،
ولا نجدُ فيها
شيئًا منها.
لهذا،
كلّما بردتْ أوروبا،
اشتقتُ إلى بردِ بلادي؛
إلى ذلك الشتاءِ
الذي لم يكن يُدفئُ أجسادَنا فحسب...
بل كان يجعلُ
من اجتماعِنا حولَ دفءٍ صغير
اتّساعًا
يكفي العالمَ كلَّه.
