ندوة اليوم السّابع في القدس
تعرّفت على عائلة إبراهيم جوهر منذ بداية ستينات القرن الماضي، حيث عملت مدرسًا في مدرسة بيت صفافا وكان أخو إبراهيم (الأستاذ المرحوم إسماعيل جوهر) مدرسًا في المدرسة نفسها، ومن خلاله تعرّفت على أبيهم وأخيهم الأكبر الأستاذ محمّد جوهر، والمرحوم أحمد وعبد الله، وكان إبراهيم حينها ابن سبع سنين.
ويشاء الله أن أعود للتدريس في مدرسة بيت صفافا في سنة 2000 م، أي بعد انقطاع عن المدرسة زاد على ثلاثين عامًا. و إذا بإبراهيم جوهر يدرّس اللغة العربيّة في المدرسة عينها، وفوجئت به يعرّف عليّ أنّي أستاذه، علمًا أنّي لم أعلمه أبدًا. فعرفت من يومها أنّ هذا الرجل يتمتّع بأدب جمّ وخلق كريم.
وزاملته في المدرسة سنتين رأيت خلالهما تميّزه عن المعلمين، بإخلاصه وحرصه على أنيعطي التلاميذ كلّ ما يستطيع، بل وأكثر من ذلك؛ حيث كان يشدّ شعر رأسه كثيرًا عندما يرى تلميذًا منصرفًا عن الدرس أو الفهم أو العلم أو الإدراك، بل يتحرّق أسىً وحسرة لعدم حرص التلاميذ على الدرس.
وزادت معرفتي بعلمه وإخلاصه في عمله عندما رأيت المستوى الذي بلغته طالباته في الجامعة في الكتابة النّقديّة، حيث كان يدعوهنّ لحضور ندوة اليوم السابع والمشاركة فيها.
إبراهيم ذلك الإنسان الذي لا يجامل أبدًا في النّقد، فكثيرًا ما كان يردّد في الندوة _وعلى الأخص لأعضائها الذين يستكثرون من الكتابة والتأليف ويتعجلون في ذلك_ ويقول لهم: (لا تستعجلوا ولا تتسرّعوا، فالكاتب يجب أن يتقدّم في كلّ كتاب يصدره عمّا سبقه من إصدارات، وأن يأتي في كتابه بجديد نافع، ولسنا بحاجة إلى أن نضيف غثاء على غثاء، وأن نضع ضِغْثًا على إبّالَة)، كان يقول ذلك لهم أو قريبا من ذلك.
وكان يستشهد لهم بقصائد زهير بن أبي سُلمى والتي سمّيت بالحوليات؛ لأنّه كان يستبقي القصيدة حولا كاملا ينقّحها ويحذف منها ويضيف إليها،حتّى تخرج إلى النّاس آيةً في الجمال والكمال، أو قريبًا من الكمال.
إبراهيم المتميّز في كتابته _وإن كان مقلا_ إلا أنّه لا يخالف ما يدعو النّاس إليه، فهو ينقّح ويدقّق في كلّ ما يكتب، ويتحفنا في كلّ جديد له بجديد.
حفظ الله لنا إبراهيم، وزاده علمًا وفهمًا ووعيًا وحرصًا على اللغة العربيّة وكلّ ما يكتب بها، وأبقاه الله لنا سيفًا مسلولا على العابثين بالكتابة، الذين لا يدرون ماذا يكتبون ولماذا يكتبون، بل يكتبون لمجرد أن يظنّوا أنّهم من زمرة المؤلفين المكثرين، أو كما كان يقول أسلافنا عن الكُتّاب المكثرين: (حبّر فلان حِمْلَ بعير).
