الأحد ٦ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم المصطفى السهلي

مُرَشَّحُنا "الاشتراكي"!

(إلى الأستاذ الفاضل: Lahsen Ennabraoui)

حكى لي صديقي الاشتراكي حتى النخاع، والذي نَذَرَ حياتَه كلها لخدمة الحزب والنضال من أجل مبادئه، أنه توجَّه، ذاتَ حَملةٍ انتخابية، مع مجموعة من المناضلين إلى منطقة قروية نائية، للمشاركة في الدعاية الانتخابية لمرشح الحزب في تلك المنطقة. قال، والعُهدة عليه، لم يكن أحد منا يعرف ذلك المرشح معرفة سابقة، ولا تربطنا به علاقة خاصة، ولم نصادفه في أيٍّ من مؤتمرات الحزب السابقة، ولم نسمع باسمه في أي نشاط من النشاطات الحزبية، ولم نقرأ له مقالا منشورا في جريدة... كل ما نعرفه أنه ابنُ هذه المنطقة، ويعيش في إحدى المدن الكبرى القريبة من العاصمة، وأن المكتب السياسي للحزب قرر منحَه تزكيةَ الترشح للانتخابات التشريعية هنا، اعتمادا على انتمائه الجغرافي، ونظرا لوضعه المادي المريح الذي يمكن أن يُطَمْئِنَ الكتلة الناخبة، ويَمنحها اليقين بقدرة الرجل على الإسهام في تنمية المنطقة، والترافع عن قضايا سكانها لدى دوائر القرار.

ذهَبْنا إلى دائرته الانتخابية بالحماس المعهود فينا، نحن مناضلي الحزب، يحدونا الأمل في أن نظفر بمقعد مستحَق، يُعزِّز مكانة الحزب في الإقليم، ويَرفع رصيده داخل قبة البرلمان، ويَضمن لنا جميعا صوتا يستطيع أن يَنقل بأمانة وإخلاص همومَ المواطنين، وانتظاراتِهم التي طال أمدُها.

جُبْنا الأسواقَ الأسبوعية، وحضَرنا المناسبات العائلية، وشاركْنا في الأعراس التي يحضُرها عادة جمهور غفير من المدعوّين، نَعرِضُ برنامج الحزب، ونُعرِّف بمرشحنا الجديد، الذي لا يعرفه أحد منا، ولا يكاد يعرفه حتى أبناءُ القبيلة التي قيل لنا إنه ينتمي إليها... بعضُ شيوخ هذه القبيلة قالوا إنهم سمعوا عن جَدِّه المرحوم، ولا يتذكَّرون ابنَه، أي والدَ المرشح، الذي هاجر صغيرا إلى مدينة في الغرب، ثم انقطعتْ صلتُه بالبلد، وبالوالد وما ولَد.

تَسلَّقْنا القرى المعلقة في الجبال، وانتشرنا في المداشر المتناثرة في السفوح، والرجُلُ في كل تجمُّع يَلوذُ بالصمت، كأنه تِمثالٌ قُدَّ من صَخْر... قُلْنا ربما هي دهشةُ الداخل، فلِكُلِّ داخِلٍ دَهشة، والرجلُ لا عهد له بمثل هذه التجمعات الخطابية، ولم يَتمرَّسْ بعدُ بالكلام وسط الجموع... ثم حاول أحدُ الرفاق أن يُفسِّر هذا الصمت الذي أصبح مدعاة لكل ريبة، فقال مخاطِبا الجماهيرَ المحتشِدةَ في إحدى الأسواق: "لا يهم الكلامُ الكثير، ولا القولُ المنمَّق بالشعارات والوعود، فالرجل الماثِل أمامكم من طينةِ الرجال الذين يُفَضِّلون الفعلَ على القول، والعملَ على الكلام..." وجَدْنا في تفسير رفيقنا بعضَ الارتياح، وقلنا قد يكون في ذلك بالفعل نصيبٌ من الحقيقة والصواب... فلربما فاجَأَنا مرشحُنا، لو قُدِّرَ له الوصولُ إلى قبة البرلمان، بما يُثلِجُ صدورَنا جميعا، وبما يُوافق نبوءةَ رفيقنا، وبما يتطابق مع تفسيره...

أضاف صديقي: خلال جلساتنا الخاصة في أثناء الحملة، لم يُبْدِ مرشحُنا رأيا في أيِّ بند من بنود برنامجنا الانتخابي، حتى أوشكتُ على الجَزم بأنه لم يطَّلع عليه من قبل، أو ربما لا عِلْمَ له بوجوده أصلا. فكيف ألقى به مسؤولو الحزب في أتون هذه المعركة وهو أعزل من كل سلاح؟ ولماذا راهنوا على شخص بلا ماضٍ نضالي، ولا تدرُّجٍ في هياكل الحزب، ولا سابقِ معرفة بالجغرافيا السياسية للمنطقة؟

يَعلَم الجميعُ أن الكثير من الأحزاب الأخرى، ولا سيما تلك التي قطَر بها سقفُ الانتخابات، لا يَتورَّعُ قادتُها عن القيام بعملياتِ إنزالٍ لمرشحين معيَّنين في دوائرَ انتخابية، لحساباتٍ لا يعلمها أحدٌ غيرهم... لكننا استبْعَدْنا أن نعيشَ نحن هذه الظاهرةَ في حزبنا العريق، والمشهودِ له بالنضال وبالمصداقية.

وانتابَتني شكوكٌ في أنْ يكون الرجلُ عارفا بمبادئ الاشتراكية التي يُؤْمِن بها حزبُنا، ويُدافع عنها في برامجه السياسية وفي كل نضالاته الميدانية، إلى أن جمعَتني وإياه مائدةٌ واحدة في وجبةِ غَداء. أثار انتباهي أولا الشراهةُ والنَّهَمُ اللذان يأكل بهما، ثم رأيتُه يأخذ قطعةَ لحمٍ من بين يديّ، ثم استولى على أخرى من أمام جاره القريب. ولولا أن الذين يشاركوننا المائدة فطِنوا للأمر، وحازوا بسرعة ما يليهم من لحم، لأَجْهَزَ عليه صاحبُنا بِرُمَّتِه، قريبِه والبعيد... هنا أيْقنتُ، بما لا يَدَعُ مجالا للشك، أن هذا الرجل لا يمكن أن يكون اشتراكيا أبدا... فسُلوكٌ مثل هذا، حتى وإن تَمَظْهَرَ في السطو على بِضع قِطَعٍ من اللَّحم في طاجين بسيط، لا يمكن إلا أن يُنْبِئَ بجشَعِ الرجل، وأنانيته، واستعدادِه الفطريّ للاستحواذ على كل ما تقع عليه عيناه قبل يديه.

ختم صديقي حكايته بالقول: نفَضْتُ يدي عن الطعام، ونفَضْتُها، في الوقت نفسه، عن مرشحنا "الاشتراكي" الذي حمدتُ الله على أنه لم يُفلِحْ في الحصول إلا على أصوات قليلة... فلو كُتِبَ له الفوزُ في تلك الدائرة الانتخابية، لمَرَّت الميزانياتُ التي قد توضَعُ بين يديه من حيث مَرَّتْ قِطعُ اللحمِ المنهوبةُ في الطاجين...

وكل انتخابات وأحزابنا بخير...


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى