مَرْثِيَّةُ الماءِ
وَثِقَ النَّاسُ بِالمَوْجاتِ،
وَبِإِمْكانِ اسْتِعادَةِ الأَصْواتِ
مِنْ تَجاعِيدِ الرِّيحِ؛
وَحَلِمُوا بِسَماعِ صَدَى الأَسْلافِ
خَلْفَ الغَمامِ.
لَكِنِّي انْشَغَلْتُ بِصَوْتِ الإِنْسانِ،
وَهُوَ يُجَرِّبُ، لِلْمَرَّةِ الأُولَى،
أَنْ يَعْبُرَ حافَّةَ الفَراغِ،
وَأَنْ يَكُونَ حُرًّا كَالْهَواءِ.
كانَتِ الأَرْضُ تَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ،
وَكانَ النَّهارُ يَشُدُّنِي مِنْ يَدِي
لِأُوارِيَ الفَراغَ بِالبَياضِ.
ماءُ النَّهْرِ يَغْسِلُ مَجْراهُ،
وَاليَنابيعُ اليَتِيمَةُ
تُخْفِي دُمُوعَها فِي أَعْماقِ الأَرْضِ.
مِنْ ضِفَّةِ البُوغازِ
أَرَى بِلادًا بَعِيدَةً،
تَبْدُو حَقِيقِيَّةً عَلَى أَهْدابِي،
كَأَنَّها تَخْرُجُ مِنْ ضَبابٍ
لِتَعُودَ إِلَيْهِ.
أَيْنَ أَمْضِي،
وَهٰذا البَحْرُ بَيْنِي وَبَيْنَ البِلادِ؟
أُصْغِي إِلَى الرِّيحِ،
وَأَظَلُّ واقِفًا.
وَحِينَ يَطْلُعُ الصَّباحُ،
ماذا سَأَقُولُ لِلْبَحْرِ
وَلِلْبِلادِ الَّتِي كُلَّما دَنَوْتُ مِنْها
أَوْغَلَتْ فِي الغِيابِ؟
أَيُّ مَعْنًى يَعْبُرُ المَوْجَ،
وَهٰذا البَحْرُ، مُنْذُ البَدْءِ،
يَفْصِلُ الماءَ عَنِ الماءِ،
وَيَجْمَعُ فِي مِلْحِهِ
دُمُوعَ العَابِرِينَ
وَفَواجِعَ الأُمَّهاتِ؟
