منهج القرضاوي
صدر عن دار البصائر بالقاهرة كتاب: رعاية المقاصد في منهج القرضاوي. رؤية استقرائية تحليلية تطبيقية. وذلك في المحرم 1432هـ الموافق كانون ثاني 2010م.
مقدمة الكتاب:
الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه وخليله، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحبابه: "الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون". الأعراف: 157. وبعد،،
فإن مراعاة المقاصد الشرعية المعتبرة المستقاة من نصوص الكتاب والسُّنَّةِ... تُعَدُّ من أوثق ضمانات الصلاحية الحضارية للشريعة الإسلامية في الواقع المعاصر؛ فهي روح التجديد الفقهي، وهي سِرُّ استيعابِ كُلِّ جديد ومحور التفاعل مع كل ما ينشأ من حاجات دنيوية تنشأ بين كلّ جيلٍ من أُمَّةِ الإسلام في غير عصر ومصر... بل مِنْ شأنِها أن تُعينَ على فَهْمٍ أعمقَ لظروف النوازل، وملابسات المستجدات والمُتَغَيِّرات الحاصلة في حياة البشر بعامة، والمسلمين بخاصة!...
ولا يخطئ عينَ المتابع لتاريخ علماء الإسلام أن أكبرهم نفعا، وأعظمهم تأثيرًا، وأوسعهم انتشارًا، وأبقاهم أثرًا، وأكثرهم ذكرًا وحضورًا، وأغزرهم علمًا، وأصدقهم تعبيرًا عن حقائق الإسلام ودحضًا لأباطيل خصومه، هم أولئك الذين يفهمون الشرع في ضوء مقاصده وعلله وحكمه وأسراره، فينفون عنه تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، ولا يقفون مكتوفي الأيدي أمام حادثة من الحوادث، أو نازلة من النوازل، أو مسألة لم يرد فيها حكمٌ شرعي في الأولين.
ويأتي شيخنا العلاّمة الدكتور يوسف القرضاوي في طليعة العلماء البارزين الذين شغلتهم قضايا الأمة المسلمة ومُشكلاتُها من مشرقها إلى مغربها... ولقد بلغ من فرط اشتغاله بتلك الهموم والقضايا أن صار خبيرًا بها حثيثًا إلى الدَّأب في التماس حلولٍ وعلاجاتٍ شافيةٍ كافيةٍ لها... فامتزجت بعلمه وخبرته وهِمَّتِهِ شفافيةُ المقصد ونبلُ الغاية ورجاحةُ الفكر وسلامةُ القلب ونفاذُ البصيرة... حتى تفتق عن هذا المزيج: أنموذج معرفيٌّ متميّز في الفقه الشرعي المؤسَّس على عمق الفهم في مقاصد الشريعة الإسلامية بلغ به منزلة المرجعية في عصره.
وحين نقول إنَّ القرضاوي ليس من علماء الإسلام البارزين فحسب، بل إنّه واحدٌ مِمَّنْ أنْعَمَ الله بهم على أمة الإسلام، وأنه واحد من أبرز علماء المقاصد الذين راعوا المقاصد في سائر ما ارتادوه من مجالات تتعلق بقضايا الأمة المسلمة والعالم: (عقيدة وعبادة، قرآنا وسنة، أصولا وفقها، سياسة واقتصادا، تصوفا وَتَسَنُّنًا، واعتدالاً ووسطيةً، وترشيدًا لأجيال الصحوة.. خُطَبًا ومحاضراتٍ، مناظرات وكتابات، مواقفَ عمليةً وتصريحاتٍ صحفيةً... ) والتي جَسَّدَ مِنْ خِلالها المقاصد تصورًا وفكرةً، وخلقًا وعاطفةً وممارسةً علمية ميدانية إيمانية بإحسانٍ- نحسبه كذلك والله حسيبه، ولا نزكّي على الله أحدًا!. ـ فإنما نقول ذلك وغيره بناءً على تجربة الشيخ ومواقفه دون أن نشعر بأدنى مبالغة، أو تزيُّد فيما نذهب إليه من تثمين للدور الحضاري الذي لعبه القرضاوي في حياة الأمة المسلمة المعاصرة.
ولعل من أهم الأسباب في بروز المقاصد في فكر القرضاوي والموارد التي نبع منها اهتمامُ الشيخ بها أنه ليس عالمًا تقليديًّا يعيش بمعزل عن الواقع، أو ينكفئ في مكتبته بعيدًا عن هموم أمته وقضاياها الكبرى، لكنه من العلماء "الرساليين" الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله؛ فهو صاحب رسالة، وابن فكرة، وعالم أمة، وصاحب قضية يؤمن بها ويعمل لها ويدافع عنها، ويفند الدعاوى ويرد الشبهات التي تحوم حولها أو تُوجَّه ضدها، ومن هنا كان للاهتمام بالمقاصد التي تُبين الحكم والأسرار والمحاسن والمكارم والعلل أهميةٌ لا تخفى في هذا العصر.
ولهذا فإن جانب المقاصد في منهج الشيخ الإمام كان من أهم الموضوعات التي ينبغي إبرازها، ودراستها دراسة مُعَمَّقة في إنتاجه الفكري والفقهي والحضاري مجملاً.
وقد حاولت في هذا البحث أن أبين جهود الشيخ في مقاصد الشريعة المعروفة، كما هو اصطلاح علماء المقاصد، وبينت ملاحظاته عليها، وإضافاته لها، كما حاول هذا البحث أن يبرز مراعاته للمقاصد في مجالات أخرى عامة لا ينطبق عليها ـ بالضرورة ـ المعنى الاصطلاحي لمقاصد الشريعة، إنما الحِكَم والأسرار والمحاسن والمفاهيم التأسيسية والمقاصد العامة الإنسانية والاجتماعية التي جاءت من أجلها الرسالة الإسلامية، وأوضحتُ مفهوم المقاصد عنده في كلٍّ من هذه المجالات.
ومن المجالات المهمة التي بين البحث تناولها المقاصدي عند الشيخ مجال العقيدة التي أتى فيها بكلام طيب، سد فيه خللا، وأكمل به نقصا في المكتبة الإسلامية في هذا المجال. هذه المجالات وغيرها حاول البحث أن يبرز مراعاة الشيخ للمقاصد فيها.
جاء ذلك في مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة.
فأما المقدمة: فبينت فيها خطة الدراسة، وملامح البحث العامة، ودراسات السابقين، والقيمة المقاصدية للشيخ الإمام.
وأما التمهيد: فتحدثت فيه عن فكرة التعليل عند الشيخ، باعتبارها المهاد الذي ينشأ عنه الفكر المقاصدي وينطلق منه.
وأما الفصل الأول: ماهية المقاصد عند القرضاوي، وجاء في ثلاثة مباحث:
- المبحث الأول: معنى المقاصد.
- المبحث الثاني: طرق الكشف عن المقاصد.
- المبحث الثالث: ترتيب المقاصد وأولوياتها عند القرضاوي.
وأما الفصل الثاني: ملامح التجديد المقاصدي عند القرضاوي، فقد جاء في مبحثين:
الأول: مراجعات في الكليات خاصة، وجاء في مطلبين:
- المطلب الأول: في حفظ العقل.
- المطلب الثاني: في إضافة العرض للكليات الخمس.
والمبحث الثاني: مراجعات في المقاصد عامة، وجاء في أربعة مطالب:
- المطلب الأول: اعتبار المقاصد من ركائز الفقه الحضاري.
- المطلب الثاني: اعتبار المقاصد الجماعية مع الفردية.
- المطلب الثالث: المقاصد الأساسية للإسلام.
- المطلب الرابع: مقاصد خلق الإنسان.
وأما الفصل الثالث: مجالات تفعيل المقاصد عند القرضاوي، فقد جاء في أحد عشر مبحثا:
- المبحث الأول: المقاصد والقرآن الكريم.
- المبحث الثاني: المقاصد والسنة النبوية.
- المبحث الثالث: المقاصد ودارس الشريعة.
- المبحث الرابع: المقاصد والاجتهاد.
- المبحث الخامس: المقاصد والفقه.
- المبحث السادس: المقاصد والفتوى.
- المبحث السابع: بين المقاصد الكلية والنصوص الجزئية.
- المبحث الثامن: المقاصد والأولويات.
- المبحث التاسع: المقاصد والصحوة الإسلامية.
- المبحث العاشر: المقاصد والعقيدة الإسلامية.
- المبحث الحادي عشر: المقاصد والتصوف.
ولا غرو فقد جاء الفصل الثالث أطول فصول الدراسة؛ فهو بمثابة التطبيق والتفعيل والتنزيل المقاصدي في جوانب ومجالات وقضايا متنوعة وعلوم عديدة، وهو يدل ـ كما سيأتي ـ على ثراء الفكر المقاصدي عند الشيخ.
وفي حدود علمي لم يتناول المقاصد عند الشيخ بشكل مستقل سوى أستاذنا الدكتور أحمد الريسوني في بحثه: "يوسف القرضاوي فقيه المقاصد"، وقد أفدت منه هنا في بعض الأمور، ولم أشأ أن أتوسع فيما ذكر، كما أنه تناول قضية المصلحة عند الشيخ بالتفصيل فلم أذكرها هنا.
وهناك بعض من تطرقوا في دراسات لهم عن المقاصد عند الشيخ لكنْ عَرَضًا، وليس على سبيل الدرس المتعمق المستقل، كما ورد في كتاب الاحتفالية بالشيخ بمناسبة بلوغه السبعين: "يوسف القرضاوي - كلمات في تكريمه وبحوث في فكره وفقهه"، وهو الكتاب نفسه الذي احتوى بحث د. الريسوني.
ولم يكن من منهج أو مقصد هذا البحث أن يستقصي استقصاء كاملا أو يستقرئ استقراء تامًّا كل شاردة وواردة أو كل تأصيل وتطبيق في هذا الموضوع عند الشيخ، لكنه اكتفى أن يرسم صورة كلية وملامح عامة تبين جهود الشيخ وأثره في هذا المجال؛ وقد شاركت به في "ملتقى الإمام القرضاوي .. مع التلاميذ والأصحاب" في يوليو 2007م بالدوحة، ولعله يعطي انطلاقة للباحثين والدارسين في الدرس المقاصدي عند الشيخ.
وإني أسأل الله ـ عز وجل ـ أن يجعل هذا البحث خالصا لوجهه، وأن يُثقِّل به موازيني، وأن يكون وفاء لبعض حق الشيخ الإمام عليّ وعلى أبناء جيلي الذين تفتحت عيونهم على كتبه، وتربَّوا على علمه، كما أسأله أن يجبر ما وقع فيه من خلل أو نقص، ويغفر لي ما كان فيه من خطأ أو زلل.
ولا يفوتني أن أتوجه بالشكر العميق لأستاذي الدكتور صلاح الدين سلطان الذي تكرم بقراءة هذا البحث رغم مشاغله، وأبدى عليه كثيرا من الملاحظات التي وضعتها موضع الاعتبار والتعديل، وكان مما قال: "وبعد، فقد كتب ذو عِلْم عن عَلَمٍ، وفي الحق عندك عمقٌ في فهم المقاصد ذلَّل لك فهم الجانب المقاصدي لدى الإمام الشيخ، والبحث إجمالا ـ فعلا ـ ينم عن عقل حرٍّ قويٍّ متمكن أمكن من علم المقاصد، أصيلٌ غير تابع، منصفٌ غير متحامل، جريءٌ في النقد والتقويم غير متضاعف، مع قدرة فائقة على صياغة الأفكار بطريقة سهلة ودقيقة؛ فلغتك لغة الفقيه، فيها الدقة والقوة والبساطة، واختياراتك قوية وعميقة وطيبة، وفي الحق أفدت منها كثيرا، ومراجعك وفيرة، والحمد لله لديك بصيرة الناقد الموضوعي المنصف".
وكذلك إلى أستاذي الدكتور محمد كمال الدين إمام الذي شرفني بالكتابة عن هذا البحث قبل طباعته، في الجزء الثاني من موسوعته الرائدة: "الدليل الإرشادي إلى مقاصد الشريعة الإسلامية".
وفي الختام أردد ما كتبه أستاذ العلماء البلغاء القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني إلى العماد الأصفهاني معتذرا عن كلام استدركه عليه قائلا: "إنه قد وقع لي شيء وما أدري أوقع لك أم لا، وها أنا أخبرك به، وذلك أني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده: لو غُيِّر هذا لكان أحسن، ولو زِيدَ لكان يُستحسن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو تُرك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر"(#).
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، "رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ". آل عمران: 8.
