مفلح طبعوني في لقاء ادبي
نظمت مدرسة بنات نور شمس الثانوية – وكالة غوث اللاجئين، أمس، ندوة ثقافية، بعنوان: «فضاءات طه محمد علي» بحضور مديرة المدرسة عرفان شرشير وحشد من الطالبات، ومشاركة الشاعر مفلح طبعوني.
واشادت مديرة المدرسة عرفان شرشير بالشاعر المرحوم طه محمد علي وبإسهاماته الشعرية الناطقة التي شكلت لوحات فنية رائعة ستظل خالدة في ذاكرة ابناء شعبنا على مدى الايام والسنوات.
وتحدث الشاعر مفلح طبعوني عن علاقة طه محمد علي مع النصوص وعناصر الفن والتحليل الذي يربط دائماً بين عنصري التشكيل والمضمون الذي غالباً ما يكون مرتبطاً ارتباطاً شديداً، مؤكداً أن الشاعر لم يقف من مأساة شعبة المضطهد موقفاً عاطفياً أو متباكياً، بل موقف من يفضح ويدين ويدعو للثورة، إنه ينهض ممتلكاً كافة العناصر الفنية الشعرية: البيت، القصيدة والموسيقى الداخلية والوحدة العضوية والأسلوب والصورة، مؤكداً أن الشاعر تعامل مع البيت الشعري كوحدة صغيرة تكوّن مع وحدات أخرى عضواً متماسكاً في القصيدة، ويلحظ القارئ وجود رسم جديد للكلمات، بينما الإيقاع الموسيقي لم يتجاوز القياس المقاطع. وتطرق طبعوني الى مضمون القصيدة الوطني الاجتماعي الانساني وارتباطها بالواقع، معرجاً على لغة الشاعر واسلوبه وانتمائه الى لون جديد هو القصيدة الحديثة التي تتلاءم مع حركة الواقع الذي يعايشه الشاعر، مؤكداً أنه شاعر واعٍ تفهم عمله الشعري من حيث الأصول والتقنيات والمراحل والخصائص ملتزماً برؤية متكاملة تعبر عنها قصائده مجتمعة. أنها لوحات بديعة مصبوبة صباً، كأنها المعادل الموضوعي لحياة الشعب الفلسطيني، أو كأنها الدراما المحكمة الصنع التي تربط أجزائها وحدة عضوية لا تخيب، أو كأنها الحياة التي تولد أمام أعيننا وتتطور أمام أعيننا، ثم تنحل أمام أعيننا، مؤكداً أنه شاعر متعدد الصور والعناصر في مناخات ملؤها الحيوية والحركة، الأمر الذي يؤكد تعادل حواس الشاعر المعبّر عنها بالتشكيل الشعري حواس أبناء شعبه المعبّر عنها بالتشكيل الادائي، فكأنهما اداء واحد، وهكذا ترحل القصيدة في اجواء اللمحات الاشارية ودلالاتها المعنوية، وكأننا أمام نوع من الفن التشكيلي يؤديه الشاعر بجوانحه وصوره، وهو ذاته الذي يؤديه المثّال بازميله بالنحت والرسام بألوانه في الرسم. مؤكداً أن جدلية الاشتباك الشعري مع الواقع تبدأ من استنساخ مفرداته وحتى مغادرته الى عوالم غير مرئية هي عوالم الذاكرة، مروراً بالمنطقة الرابضة بين الصورة والفكرة، حيث يتجلى فيها الصراع مع قوة أسر المرئي، عبر محاولات حثيثة لإعادة انتاجه، وفي نفس الوقت ترتحل عملية الخلق من الانتباه الى الغفوة، و من اليقظة الى الحلم بشكل تردّدي منتظم يؤدي الى طباعة البصمة الابداعية على الحائط الفاصل بين البث والتلقي.
انها الواقعية السحرية التي يتستخدم فيها الواقع كمنصة اطلاق منطاد الابداع الذي يسرع في العودة الى نقطة البدء ليشرع في الانطلاق ثانية نحو آفاق الحلم اليقظ، وأشار إن ان طه محمد علي ظل وفياً لهذا النمط الأدائي في جل مشواره الشعري، حيث وصل الى حالة من التوحد مع مفرداته عند قمة المنحنى التعبيري، حتى غدت قصائده لا تخطئها العيون، ولا تضلّ الافئدة طريقاً اليها وقت عبورها على الصراط الفاصل بين الذاتين الفردية والجمعية، لذا فان اعماله الشعرية – في مجملها- تعد امتداداً لمنهجه الابداعي النامي رأسياً على محور عناصر التكوين في اطار ارتكانها الدائم الى معطيات الواقع المرئي. وأشار الى ان مسيرته المليئة بالايحاءات والفكر البصري والواقعي والرمزي والاسطوري والشعبي مثلت حالة من استعذاب ينابيع الطفولة الأولى في قريته صفورية، عبر شعور نفسي مزدوج يتجسّد في حوار داخلي بين الذات المبدعة والمتلقية في ذات الوقت، انه الباحث في بنائه التصويري على صفائه الانساني، وبالتالي صفاء سريرة شعبه. واضاف انه ربما انطلق الشاعر من هذا المتكأ النفسي نحو اقامة منطقة عابرة بين طفولته وشبابه في لوحات شعرية واقعية مختزله تسمح للمتلقي باطلاق بالونات الخيال لاستبصار كنائن النفس عبر اشتباك كلي مع نسيجه الشعري القوي والوثاب، ولذلك تجده يبحث عن ملامح الجنة المؤودة في بطن واقع مأزوم اختلت فيه الموازين والمعايير لكنه سينهض لا محالة في حراك الشباب المتواصل المؤمن بضرورة التغيير، وبان الثورة غاية ضرورية وحتمية، ذلك ان الدلالات الحقيقية للفن والفلسفة والشعر والابداع بشكل عام تعني تأكيد استقلالية العقل وحقه المشروع في اثارة التساؤلات والتفكير النقدي المتحررمن نزعة التقديس الاسطورية، وهي نفسها تعني رفع الواقع العشوائي الى مستوى العقل والمنطق ورفض اليقين المطلق والمسلمات المتفق عليها في مجال النشاط والاجتهاد الانساني، ورفع كل حصانة يفرضها طاغية يروّع بها شعبه. والابداع، في النهاية، كما نراه في شعر طه محمد علي يعني كرامة الانسان وحريته ونزوعه نحو التنوير.
وانتهى طبعوني الى القول بان طه محمد علي، شاعر صاحب موهبة شاملة وحقيقية، وان وظف تراث شعبه وصاغ المه وحزنه وفرحه شعراً خالداً عبر الأزمان.
