الأربعاء ١٥ نيسان (أبريل) ٢٠٢٦
بقلم يوسف علاري

لماذا يهرب البشر إلى العبودية.. ومن يجرؤ على الحرية؟

أخطر ما في العالم ليس الطغاة… بل الشعوب التي تتعلم أن تحب قيودها.

التاريخ لم تصنعه سيوف الطغاة وحدها، بل صنعته أيضاً رقاب انحنت طوعاً، وعقول قررت أن تتخلى عن حريتها، وجماهير وجدت في الطاعة ملاذاً مريحاً من عبء التفكير.

خُلِق الإنسان حراً، لكن المأساة أن كثيرين يهربون من الحرية كما يهرب الجبان من المعركة. فالحرية مسؤولية ثقيلة، أما العبودية فمريحة. العبد لا يحتاج إلى ضمير.. يكفيه أن يطيع. يوطّن نفسه على الطاعة العمياء، وينتمي لكل قوي، ويسير في القطيع هادئ البال. لذلك نجد في كثير من المجتمعات أتباعاً أكثر مما نجد أحراراً.

الأتباع يبحثون عن سيد، لا يهم من يكون، المهم أن يكون قوياً ويفضل أن يكون مستبداً. الأتباع المنافقون تستهويهم العبودية ويركضون خلف القوة كما يركض الظل خلف الجسد. لا يسألون من صاحب الحق، بل من المنتصر. ضميرهم معروض للبيع، وموقفهم يتغير مع اتجاه الريح. إنهم الطبقة الذليلة، لكنها الأخطر في المجتمع.

الطاغية لا يستطيع أن يحكم وحده. يحتاج دائماً إلى جيش من المصفقين الذين يبررون الظلم، ويجمّلون القبح، ويحوّلون الخضوع إلى فضيلة اجتماعية.

لماذا يخاف البشر من الحرية؟

يشرح عالم النفس الاجتماعي إريك فروم في كتابه "الخوف من الحرية" كيف صعدت الأنظمة الشمولية في أوروبا، ويصل إلى نتيجة صادمة: كثير من الناس لم يُجبروا على الطاعة، بل هربوا إليها. لأن الحرية تعني المسؤولية الكاملة عن القرارات والأخطاء والمصير، وهذه المسؤولية ثقيلة نفسياً. أما الطاعة فتعفي الإنسان من التفكير ومن الشعور بالذنب.

أما الفلاسفة الوجوديون مثل جان بول سارتر فيعتبرون الحرية ليس فقط امتيازاً بل عبئاً وجودياً. قال سارتر: الإنسان محكوم عليه بالحرية؛ أي أنه لا يستطيع الهروب من مسؤوليته عن اختياراته. كل قرار هو قرار شخصي بالكامل، وهذا يولد القلق الوجودي. لذلك يفضل كثير من الناس أن تختار السلطة أو التقاليد بدلاً منهم.

اللامنتمي: نموذج الإنسان الحر

في مقابل هذا العالم الممتلئ بالأتباع، يظهر نموذج إنساني مختلف: اللامنتمي.

اللامنتمي ليس إنساناً بلا هوية كما يتهمه الناس، بل إنسان يرفض أن تتحول الهوية إلى قفص. يرفض أن يكون رقماً في قطيع، ويرفض أن يكون صدى لصوت غيره. لا يقيس الحق بعدد من يرددونه، ولا يقيس الحقيقة بقوة من يفرضها.

اللامنتمي لا يبحث عن سيد.. بل يبحث عن الحقيقة. يرفض أن يسلم عقله لزعيم، أو لقبيلة، أو لسلطة، أو حتى لرأي الأغلبية، لأن الأغلبية قد تكون مخطئة. كما قال تعالى (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)

الحرية الحقيقية تبدأ من استقلال العقل. فاللامنتمي لا يقف ضد المجتمع، بل يقف ضد العبودية داخله. وأخطر أنواع السجون ليست تلك التي تُبنى من الحديد، بل تلك التي تُبنى من الأفكار الموروثة والطاعة العمياء.

في عالم يمتلئ بالأتباع، يبدو اللامنتمي كائناً غريباً، لكنه في الحقيقة نادر. العبودية خيار سهل... أما الحرية فموقف.
العبودية طريق مزدحم، والحرية طريق القلة

وهكذا يبقى العالم منقسماً بين نوعين من البشر:

أولئك الذين يبحثون عن سيد،

وأولئك الذين يبحثون عن الحقيقة.

الأولى تمنح القوة للطغيان دون أن تدرك، لأنها ترى في الطاعة أماناً. أما الثانية فأقل عدداً وأكثر عزلة، لكنها وحدها التي تحفظ للإنسان كرامته.

اللامنتمي لا يعيش خارج المجتمع، لكنه يرفض أن يعيش داخله كعبد. لا يقدّس الجماعة، ولا يخضع للسلطة، ولا يقيس الحقيقة بميزان القوة.

فالقطيع يخشى الإنسان الذي يفكر، والسلطة تخشى الإنسان الذي لا يركع. وكل طاغية في التاريخ كان ضعيفاً وحده… لكنه أصبح قوياً حين وجد من يركع له.

التاريخ في نهاية المطاف، لم يكتبه الذين انحنوا، بل أولئك الذين امتلكوا شجاعة الوقوف وحدهم.

العبودية طريق مزدحم… أما الحرية فطريق ضيق لا يسلكه إلا القلائل.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى